لهذه الإنتقالة الشاسعة. ولعل واحدا من العوامل الكبرى في هذا " الجنوح " هو تعاطف الناقد مع الشاعر بل " تماهيه " معه وتمثل همومه وانجراحاته . هذا التماهي يوفّر استعدادا نفسيا لربط أي لمحة آسية بالتاريخ السيري الفاجع للشاعر، فردا وشعبا، حتى لو تم ذلك بطريقة تنشغل بالهم الإجتماعي والسياسي لشعب الشاعر، ولا يسعفها النص بقرائن شديدة الوثوق والصلة بالناتج التأويلي إلى حد يصبح دور الناقد " آيديولوجيا " وسياسيا واجتماعيا أكثر منه جماليا وتفسيريا بحدود إيحاءات النص بكثير . ولنأخذ الآن قصيدة " صوتك مزماري " وتحديدا الحركة الأولى منها ونتابع كيف فسّرته الناقدة القرني : صوتك مزماري دجّن أفعى الحزن في حديقتي فاغتسلت بالعطر أزهاري صوتك يا قدّيستي حبلٌ من النور نشرت فوقه قميص أسراري وصفحة ضوئية كتبتُ في سطورها أعفّ أشعاري وبردة عشبية تدثر القلب بها .. فلم يعدْ يخاف من بردٍ وإعصار تقول القرني : (من أول سطر حتى " .. فلم يعد .. يخاف من برد وإعصار " يتكون التقرير الأول : كيف يقرأ .. يصف هو طبيعة هطولها مسار حلولها فيه : " صوتك .. مزماري " .. بهذه التقريرية الحادة يجزم بفاعلية " التطهير " التي تمارسها هي " صوتا / احتماما / صهرا في وجوده، ثم يفسر : " دجّن أفعى الحزن .. في حديقتي .. فاغتسلت بالعطر أزهاري "، لنستعد مرارة الوجع العراقي، وديمومة أساه حتى ندرك كيف حال إلى " أفعى " تتلون في ريبة، مرة إلى هذا الفريق تروغ، وأخرى إلى ذاك، ثم تنبثّ سمّا مهلكا لكل ملمح حياة، .. من هنا، نعي قيمة انتقاء .. أو فاعلية " دجّن " هذه، إن صاحبتنا تتجلى صلوات تطهير / انبعاث، وهي لا تبني عالمه الجديد النقي على " عدم " أكوان أخرى، لا تقتل الأفعى، الحزن، ولكنها تروّضها، تؤلفها، تُجمّل الحزن، تُجرده من " نجس " السياسة، و " درن " الحروب، ولذا فهو يعبّر بالاغتسال عن ذلك، ولم يقل – مثلا – فاتشحت، أو تندّت بالعطر أزهاري – القرني، ص 234 و 235) . وأعتقد أن في هذا التفسير المقحم نوعا من المفاجأة للمتلقي الذي كوّن – حتما – قدرا من الفكرة الأولية عن مضمون هذا المقطع و " قصدية " الشاعر منه . فالشاعر يقول – وبوضوح تقريري مباشر – إن صوت حبيبته هو المزمار السحري الذي روّض أفعى الحزن في حديقته، حديقة عمره التي أجهضت آمالها وخيم عليها الأسى والخسران . وأفعى الحزن هذه – وبالتأكيد – ليست تلك الأفعى المادية التي نعرفها .. إنها تأخذ من روح معانيها الرمزية : تمكّنها العزوم من مكمنها في الحديقة، وروحها الغادرة، وسمّها المميت . وحتى لو وسعنا مفهوم هذا الحزن من الإطار الشخصي إلى الإطار الجمعي فسنقول إن الحزن العراقي هو حزن تاريخي متطاول في أرضٍ هي الوحيدة على المعمورة التي خلق فيها الإنسان من طين ودم وليس من طين وماء، وأُخذ الدم من شرايين إله حزين هو الإله الثائر " كنكو " أو " كنغو " الذي تزوّج الإلهة الأم " تهامة – ومن اسمها اشتق اسم الصحراء العربية المعروفة " واتفق معها على الثورة ضد الآلهة الكبرى !! فلن نستطيع تسويغ أن أفعى الحزن هذه " تروغ إلى هذا الفريق مرة، ومرّة إلى ذاك " .. فهذه أفعى حزن " حزبية " مسيّسة، وليست أفعى الحزن التي تمزق روح يحيى، والتي يشكل حضورها المنضبط جانبا صحّيا وخلاقا هو من أهم حوافز الإبداع في الثقافة العراقية تحديدا، ولذلك فهي بحاجة إلى " التدجين " والترويض لا القتل والإجتثاث كي يبقى فعلها الحي في تأجيج جذوة الخلق في روح الشاعر . وهي – من جديد – أفعى الوجدان الممزق، فما هي علاقتها بنجس السياسة ودرن الحروب ؟! . تواصل الناقدة تحليلها للأبيات المتبقية من المقطع فتقول : (ثم يوالي [ = الشاعر ] حججه : هي " قديسته "، والقدّيس وسيط النورانية، نورانية السماء، بموازاته تنتشر، تنكشف " الخطايا "، تخور قواها فتكف عن مراودة القميص، نحن لم نزل في رحاب التجلّي، لنتذكر إيماضا – ولو خافتا – من قصة يوسف عليه السلام، وإيحاءات القميص فيها، ثم لنتأمل في بهاء تمثّل زهراء الشاعر فيه، ها هو يصفو ثم يشف حتى يغدو ضوءا مطهّرا في آن، كيف لا، وقد احتوته " بردة عشبية "، كينونة دفء، حياة جديدة بعد أن تعرى / تحلل من " قميص أسراره "، أوزار ذاكرته المثخنة، كيف لا يستقر منها وبها " دافىء القلب "، وادعا، لا يرهب صقيع مغتربٍ ولا دوامات منفى – القرني، ص 235) . أنا أراهن دائما على ذكاء القارئ الذي لن يكون – هنا تحديدا – بحاجة إلى مخزون معرفي كبير كي يكون الفيصل في الإمساك بهذا " الجنوح " التأويلي . هذا قول الشاعر : (صوتك يا قدّيستي حبلٌ من النور نشرت فوقه قميص أسراري ..) ترى ما هي علاقة قميص يحيى بقميص النبي يوسف عليه السلام ؟؟ الشاعر يتغزل بحبيبته / قدّيسته كما يصفها، عن صوتها الذي وصفه في الاستهلال بأنه مزماره : صوتك مزماري، والذي حوّله بتخيلاته الجامحة إلى حبل من النور، ولنلاحظ الآن المجانسة والتناغم بين جميع الأوصاف التي يطلقها الشاعر على صوت حبيبته في القصيدة منذ بدايتها وحتى نهايتها، فكلها صفات تتسق مع وصف الموضوع المركزي : الصوت، تتسق مع قوام مادته، ومع طبيعته الفضفاضة الموجيّة : فهو حبل من النور، وصفحة ضوئية، وبردة عشبية وغيمة من ألق وترتيلة ولحن عذري : .. وصفحة ضوئية كتبتُ في سطورها أعفّ أشعاري وبردة عشبية تدثّر القلب بها .. فلم يعد يخاف من برد وإعصارِ صوتكِ صار ملمحا مني فما سمعتهُ إلا وأضحت غيمة من ألقٍ داري يُثملني من دونما خطيئة فيسكر الصحو على نافذتي يزرعني ترتيلة في حقل قيثاري وهذه من السمات الأسلوبية المركزية للمنجز الشعري ليحيى السماوي، سمة مضافة إلى السمات الأخرى التي حددناها في دراساتنا السابقة عنه، فهو يعمد على أن تدور سمات الموضوعات الثانوية والصفات المعنوية وحتى المادية لها حول بؤرة السمة الطاغية للموضوعة المركزية التي هي الصوت / صوت المحبوبة، في هذه القصيدة التي يضفي فيها يحيى إمكانات هائلة على صوت امرأته " المنقذة " . وأقول هائلة ولا أقول خارقة أو أسطورية لأن يحيى لا يميل الأسطرة كما سنرى لاحقا . فما ينجزه الصوت المنقذ هو تحويله من حال إلى حال على "الأرض" .. في هذه الحياة .. من مزاج إلى آخر في هذه النفس المكلومة . فهو ينقله من اليأس إلى ممالك التفاؤل .. يدفن الأول ويملأ ممالك الثاني بالريحان والغار، وصالح بين متناقضاته المدهشة : بين فراشاته ونيرانه : صوتكِ كان أول الماشين في جنازة اليأس الذي أثكل مشواري وأول المسافرين بي إلى ممالك الريحان والغار هذّبني أقام جسر إلفة بين فراشاتي وبين الريح والنارِ وبنهاية هذا المقطع – من : صوتك مزماري .. وإلى : وبين الريح والنار – لا نجد فعلا آمرا طلبيا كما تقول القرني، بل نتابع " تقرير " حال ظاهر لنعم صوت الحبيبة . ولكن في البيت اللاحق سنمسك بمفارقة نقدية غريبة : زخّي على مسامعي لحونك العذراء كي تنبض أوتاري تعلق القرني على هذا المقطع بالقول : (منتقيا [= الشاعر] الفعل " زخّي " لتجسيد ذلك النداء، وهو انتقاء موفّق لما لهذا الفعل " زخّ " من دلالة الدفع في تأنّ ووءادة، فهو لا يغتني " بهطول " صوتها الجارف، ولا " بانهماره " دفعة واحدة، وإنما هي حلمه نديمَ عمرٍ لا ساعة من دهر، تتابع لحونها العذراء في التوقيع لحنا فلحنا لكي لا تخبو لأملٍ في اللقاء بارقة – ص القرني، ص 236) . أي إن يحيى – حسب تحليل القرني - قد اختار الفعل " زخّي " ليعبر بدقة عن رغبته في أن يكون نزول ألحان حبيبته العذرية متأنيا ومتئدا .. أن تأتي لحونها متدرجة لحنا فلحنا . لكن لنعد، أولا، إلى المعنى القاموسي للجذر " زخّ "، فماذا سنجد معناه ؟ . زخّ زخّاً بالإبل : سار بها سيرا عنيفا . وزخّه : دفعه، أوقعه في وهدة . وزخّ زخّا وزخيخاً الجمرُ : برق شديدا، والعامة تقول " زخّ المطر "، أي انصبّ بشدة – الزخّة : الزوجة، دفقة من المطر شديدة (عاميّة) – زخّ زخّا : اغتاظ – الزخّ (مصدر) : الحقد والغضب – الزخّة : الحقد والغضب (راجع المنجد في اللغة – ص 269) . أي أن كل معاني الفعل " زخّ " تتضمن الشدّة والهطول العنيف والإنهمار الغاضب . ثم لنعد، ثانيا، إلى سمات الصورة السماوية، صورة يحيى الفنيّة، وسنجد أن العنف هو سمة حاسمة من سمات الكثير منها . وهو يبغي فعليا عنف الإلتحام بـ " لحون" الحبيبة وهطولها الشديد عليه كي تنبض أوتاره التي جفّت وأُخرست لعقد من السنين . وهنا سنقف أمام مفارقة أخرى، ولكن بعد ان ننقل للقارئ الأبيات التي ختم الشاعر قصيدته بها : عشرة أعوامٍ ومازلتُ على باب هواك صائما متى إذن موعد إفطاري ؟ عشرة أعوامٍ ومازلتُ على تلّة عمري ساهرا مرتقبا هلال وجهك الذي لوّن أفكاري بالماء والنارِ عشرة أعوام وما مرّ على بريّتي موسمُ أمطارِ ِ تقول الناقدة القرني : (.. أملٍ لم ينل من توقّده فوات " عشرة أعوام " من سقم الإنتظار : هو يذكّرها في عتبٍ تلك التقابليات التي تذيّل النص كيف استمرأت حلولها في " الغياب "، مستطيبة تعليقه : صائما مترقبا ابدا، لا حين لتجلّيها له، لالتحامه بها كونَ إنسان، حقيقة وجدان – القرني، ص 236) . لكن أمعاننا النظر التحليلي الثاقب في هذا المقطع سيقلب دلالات القصيدة كاملة وبصورة جذرية . فالحبيبة لم " تستمرئ " الحلول في " الغياب " أبدا .. هي غائبة فعليا، وما تغزّل الشاعر المتيّم بصوتها إلا عملية تعويض عن هذا الغياب الجارح . والشاعر لا يستعيد حرمان العشرة أعوام كذكرى ماضية بل كواقع مرير قائم على الجوع للحبيبة وعلى جفاف الروح وعطش الآمال . وقد أجلت البيت الأخير من القصيدة حتى الآن فهو البيت الفيصل الذي سيثبت تحليلنا : وها أنا أحفرُ بالأضلاع صخر الشوق علّ صخرة تزفّ لي بشارة النبع لأشجاري أي أن الصوت / صوت الحبيبة لم يكن " قراءة حضور " كما استنتجت القرني – راجع الصفحة 229 من كتابها – بل هو " قراءة غياب " . |
الأحد، 17 يوليو 2011
سماويّات (17) الجنــــوح التأويلي: "صوتك مزماري" أنموذجا .. بحث في نقد النقد / حسين سرمك حسن
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق