‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشرط العين الثالثة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشرط العين الثالثة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 31 يناير 2012

النقد الادبي: قراءة أولية في قصيدة الاديب الشاعر عبد الله الفيفي / يحيى السماوي


بيني والأستاذ الدكتور عبد الله الفيفي صداقة يربو عمرها على العشرين عاما .. عرفته عن قرب في جلساتنا المشتركة، كما عرفته عن بعد عبر مراسلاتنا وتهادينا إصداراتنا،
فلم أجد فيه غير أحد السّدَنة الأبرار للغة العربية، والشاعر القدير  الذي  نادى بالتجديد من داخل  القصيدة العمودية لا شكلها، كما عرفته أحد النخبة الفذة من نقادنا العرب ... بل : وعرفته المهموم بهموم الأمة العربية التي أرادها الله أن تكون خير الأمم  لكنّ ساستها الممسكين بصنع القرار وتنفيذه  قد جنحوا بها نحو الدرك الأسفل فغدتْ أمة ردود أفعال وليست أمة أفعال .

قصيدة صديقي الشاعر عبد الله هي ترجمة بالنبض لواقع حال الأمة على صعيد واقعها الراهن، مثلما هي صرخة تنبيه من الخطر الداهم المحدق بأحد أهمّ رموز الأمة ـ وهو الشعر ـ على اعتبار أن الشعر هو الوجه الأكثر حضورا في المنجز الحضاري العربي .. فإذا كان المسرح مثلا  يمثل وجها من وجوه حضارة الإغريق، والنحت يمثل الوجه الأبرز في حضارة روما ـ فإن الشعر هو الوجه الأكثر حضورا في المنجز الحضاري للعرب باعتبارها أمة " البلاغة والبيان " ... الفيفي لم يُعلن وفاة الشعر، إنما يشير إلى المرض الذي قد يودي به ـ وهو : مرض التغريب والهذيان والرطانة  وإفراغ القصيدة من شعريتها  لتغدو وكأنها لعبة " ميكانو كلامية " أو " كلمات متقاطعة " تخلو من البلاغة والبيان والدفق الشعري / وهذا المرض أصاب الشعر بأشكاله المختلفة : العمودي والتفعيلي والحر  :
أُعِــيْـذُ فِيْــكَ بَـيَـــــــــانِـيْ مِــــنْ   تَلَعْــثُــمـــــــِــهِ
وقَــدْ  يَــهــــــلُّ بَـيـــــــانٌ  فــي  تَـــأبِّـــيـْــــــــــــهِ!

الفيفي لا يرثي الشعر بقدر  ما يرثي  الأمة .. الأمة التي كانت " تُرتجى "  فأصبحت " تَرتجي " ... مأزق الشعر ـ وفق رؤية الفيفي وهو مصيب ـ هو وجه من وجوه مأزق الأمة العربية الكبير وإفراز من إفرازات انحطاطها الراهن :

يـا نــاعِـــــيَ الفِكْرِ والتَّــاريـخِ: "وا أَبَــتِــيْ"
مــــــــاذا تَرَكْـــــــــتَ على الدُّنيــــا لنَاعِـيْـــــهِ؟!
إنَّ الذي نَعَتِ الأَنْبَــــــــاءُ ليــــــــس أَبِـــــــــيْ
بـل أُمَّـــتِــــــــيْ أُمَّــــــــــةُ الآبـــــاءِ تَبْكِــــــــــيْــــــــــهِ

وكأن بالفيفي يريد القول: إنّ إعادة الإعتبار للشعر مشروط بإعادة الإعتبار للأمة العربية ... صلاح الشعر مشروط بصلاح الأمة سياسيا واقتصاديا وفكريا  ... والفيفي حين يُخاطب المتنبي، فإنما يُخاطب من خلاله  الدهر الذي بقيَ منشدا قصائده ـ وبالضرورة : هو يُخاطب عصر المتنبي ليُدين من خلاله عصرنا الراهن :

وقُلْ لَهُ: (أَحْمَدَ العَلْيــاءِ)، يا رَجُــــــــــــــــلاً
عــــــــــــــــاشَ الأَبِيَّ جَــــــــــــــوادًا في تَأَبِّيْـــــــــهِ
طِبْ حَيْثُ أنتَ، لَقَدْ نِلْتَ الذي غَرَسَتْ
كَفَّــــاكَ مِنْ فَرَحٍ، طِبْ في مَغَانِيْـــــــــــــهِ!

فالحقيقة التاريخية والفنية تقول إن الدهر بقي من مُنشدي قصائد المتنبي، بينما  أغلب  قصائدنا اليوم تولد ميتة  فلا يكاد يذكرها  الغد القريب سواء منها القصائد العمودية أو قصائد التفعيلة أو قصائد النثر، وهذا لا يعني المطلق، فثمة الكثير من القصائد ـ عمودية أو تفعيلية أو نثرية  جديرة بالإحتفاء والتقييم  ... وإذا كان صحيحا القول إن عصر المتنبي كان " العصر الذهبي "، فإنه من الصحيح القول إن عصرنا الراهن هو " عصر الصفيح " !

الفيفي ليس ضد الحداثة  (على الأقل: هذا ما أعرفه عنه كصديق لي معه حوارات وجلسات) .. هو ضدّ الطارئين على الحداثة ممن يقلدون تقليدا أعمى آخذين بـ " التغريب " في وقت الأمة أحوج فيه للتنبيه وشحذ  الهمم  لا أن يُتغافل عن الواقع العربي المزري :

يا أُمَّةَ الشِّعْرِ، ثُوْرِيْ نَخْلةً خُصِيَــــــــــــــتْ
للشِّعــــــــــــــــرِ فِيْكِ بِتَغْرِيْـــــــــبٍ كتَأْلِيْــــــــــــــــهِ
قالُوا: «الحَداثةُ»، إذْ قاءَتْ حَناجِرُهُمْ
مِلْءَ الصَّحائفِ مِنْ يافُــــــوْخِ مَعْتُــــــــــــــوْهِ

وإذ أتضامن معه في البيت الأول من البيتين أعلاه، فإنني لست معه في البيت الثاني  وكان حريّا به عدم التعميم فليس كل الشعر الحداثي سيئا مثلما ليس كل الشعر العمودي جيدا   ..

الحداثة في جوهرها  لا تعني القطيعة مع الماضي،  إنما تعني حركة تصدّعات وانزياحات معرفية قيمية  وبعث المضيء من  الماضي ـ وهذا ما عبّر عنه عرّاب الحداثة العربية أدونيس الذي وجد في الكثير من الشعر العربي القديم حداثة أكثر مما وجد في شعرنا المعاصر ، فأخذ على عاتقه  مهمة  التنقيب في ركام الشعر العربي القديم بحثا عن الحداثة والتأسيس عليها  فكان رائد الحداثة العربية بحق والمنظّر لها، ولنا في مؤلفه الثرّ " الكتاب " ومختاراته من الشعر القديم والنثر الحديث الشاهد الحيّ على جهده الحثيث في تأصيل الحداثة العربية .
ما يؤسف له أن الكثيرين منا لا يعرف أن مصطلح الحداثة قد  أنجبته الثقافة الغربية ووضعته ونمَّته ليكتسب فيها دلالته الدينية لمدة تزيد على ثلاثة قرون، قبل أن  ننشغل به في النصف الثاني من القرن العشرين ... الغرب دخل مرحلة ما بعد الحداثة ونحن مازلنا  نقتات فتات ما تركته لنا من حداثتها . فقد ظهر المصطلح في أروبا  وأريد به معنى الإنتقال من القرن السادس عشر إلى القرن السابع عشر وكان أكثر ارتباطا بالجانب الديني قبل أن يتخذ منحىً آخر في ظل العولمة فدخل الإقتصاد والعمران والمُثل والقيم كأسلوب من أساليب أمركة العالم  بينما كان المصطلح حتى بدايات القرن العشرين يُراد به التجديد  في الفكر الديني  والخروج على تابوهات الكنيسة، وهذا مايمكن ملاحظته في  رسالة البابا العاشر في هذا السياق ... الرسالة التي نشرها سنة 1907 حول ما سماه بـ " مذاهب الحداثيين " فأصبح هذا المصطلح يطلق على كل العمليات التجديدية التي شهدها الفكر المسيحي مستفيدا من إنجازات العلوم المختلفة في إعادة قراءة النصوص الدينية وتأويلها ... الحداثة إذن نشأت للإصلاح الديني بادئ الأمر قبل أن تأخذ معنى التحديث في كل مناحي الحياة والمناشط الإنسانية  ومن بينها الشعر .. الحداثة إذن لا تتقاطع مع الماضي وتراثه، فهي تريد إحياء المضيء منه وإنماءه، وهو نفس مايطالب به الفيفي في جانب من قصيدته ... هو يُطالب بإعادة الإعتبار للشعر بغض النظر عن شكله  من خلال عودة الأمة العربية حرّة ... فهو لا يُخاطب الشعراء، إنما يُخاطب الأمة  وهذا ما يُفصح عنه  قوله :
يا أُمَّةَ الشِّعْرِ، عُوْدِيْ حُرَّةً خَرَجَـــــــــــــــتْ
مِنْ جِلْدِها إذْ طَغَـــــــــتْ فِيْهِ أَفاعِــــــــــــــــيْهِ
ها نحنُ سِرْنا الثَّمانِيْنَ العِجـــــــــــافَ فلا
كالغَرْبِ صِرْنا ولا كالعُــــــرْبِ نَبْنِــــــــــــــــيْهِ
المخاطب الأمة العربية  من خلال مخاطبتها بصفة من صفاتها ـ والصفة تنوب عن الموصوف كما يقول البلاغيون والنحاة : " أمة الشعر " ... الفيفي  ربما يريدنا أن نصنع حداثتنا  لا أن نستوردها  على علاتها  :

مُسْتَوْرِدِيْنَ وُجُوْهًا غَـــــــــــــيْرَ أَوْجُهِــــــــــــــــنا
مُسْتَنْزِلِـــــــــــيْنَ سَــــــــــــــــمَاءً لا تُواتِيْــــــــــــــــهِ!

لكن السؤال الجوهري: ما الضير من استخدامي المنجز  الحداثي الغربي إذا كان سيُزيد من عافية المنجز العربي ؟ ألمْ نستورد الفن الروائي والمسرحي من الغرب ؟ بل : ألمْ يستورد الغرب بالأمس البعيد معارفنا العربية لإنماء معارفه ؟ فالتاريخ يقول إن مؤلفات ابن سينا والفارابي وابن رشد كانت حتى وقت قريب تُدرّس في جامعات الغرب ... الإنفتاح أضحى ضروريا، والعالم لم يعد قرية كونية صغيرة، إنما : أصبح شاشة حاسوب ... ثم : لماذا وجدنا في السيارة الغربية والموبايل الغربي وجهاز التكييف الغربي والعمارة الغربية ما يُسهِم في تجميل حياتنا، ونمتنع عن استثمار المضيء من الحداثة الأدبية الغربية التي من شأنها رفد معيننا المعرفي ؟ الحداثة تُعنى بالإنسان بمعزل عن التضاريس الجغرافية والعرقية ... الفكر الإنساني مُشاع للإنسان حيثما وُجد، والحداثة فكر إنساني وليست فكرا  عرقيا أو مذهبيا  ..
من حق صديقي الفيفي التمسك بقناعاته حيال القصيدة الكلاسيكية لكن ليس من حقه سلب الآخرين قناعاتهم  ... الشعر ليس دِينا مُقدّسا ً، ومع ذلك  فقد أوجد الله أكثر من دين  ..

يقول السيد المسيح عليه السلام : ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان .. وأقول : ليس بالقصيدة الفراهيدية وحدها يكون الشعر .

المهم هو حجم شعرية القصيدة وليس شكلها ـ  وأظن أخي الأستاذ الدكتور الفيفي  يوافقني على ذلك ..

شخصيا: أنا مع التجديد والتجريب ومع كل دم ٍ جديد يسهم في  إضافة خضرة جديدة لحقل الإبداع العربي ... الشعرية ليست مقتصرة على الشعر المنظوم والحرّ وحده ... فقد  نجد شعرية في قصيدة النثر أكثر بكثير مما نجده في قصيدة التفعيلة أو القصيدة البيتية، والعكس صحيح .. تعدد الأساليب والأشكال ملمح من ملامح عافية الشعر ... فتعدد ألوان زهور الحديقة أكثر جمالا من حديقة اللون الواحد للأزهار ... إن ماهو شرعيّ اليوم قد يُصبح باطلا غدا، وماهو باطل اليوم قد يُصبح شرعيا غدا، ومادام أن الشعر هو " فن القول " فالمعيار إذن هو حجم شعرية القول وليس شكله . .. الشكل هو الإناء الحاضن للمادة، أما الشعرية  فهي المادة ...
قد تكون وجهة نظري خاطئة، لكنني حتى اللحظة مؤمن بها ـ وقد يوافقني عليها صديقي الشاعر  والناقد القدير الفيفي العزيز .

أشكر صديقي الشاعر والناقد القدير أ . د . عبد الله الفيفي، كما أشكر لأخي المبدع المائز سلام كاظم فرج شجاعته النقدية في  تحليله قصيدة الأخ الصديق الفيفي، متمنيا  عليه  إثراءنا بالمزيد من  نشاطه النقدي، فالذي لا شك فيه أن  ثقافة الحبيب سلام ورؤاه النقدية تؤهله لمشروع نقدي كبير  من شأنه إضافة دم جديد إلى جسد النقد العربي .

لقد عرفنا سلام القارئ العميق والمثقف الثر والمبدع في قصيدة النثر وها نحن نعرف الناقد الرصين فيه .

للاطلاع

السبت، 13 أغسطس 2011

"موحيات الخطاب الشعري": كتاب خامس عن تجربة الشاعر العراقي (يحيى السماوي)

د. حسين سرمك حسن  



(إننا في كتابنا الموسوم بـ (موحيات الخطاب الشعري عند يحيى السماوي)، سعينا جاهدين إلى فتح مغاليق هذه التجربة، والدخول إلى أعماقها، وحيثياتها الجزئية من خلال تتبعنا الدقيق لنصوصه الشعرية،
وتفكيك عناصرها، محاولين التقاط أهم المثيرات الجمالية والفنية التي أغفلتها أقلام نقادنا الأسلوبيين حول مسار تجربة السماوي على الصعيد الفني والجمالي . إذ إن معظم الدراسات التي تناولت شعر السماوي وقفت عند الجانب الدلالي أو الانطباع الحدسي عن هذه التجربة دون أن تتغلغل إلى مثيراتها الداخلية وعلائقها التشكيلية الفنية (ذات الحيازة الجمالية) . ولذا جاءت دراستنا على تواضعها لتسلط الضوء على أهم هذه المثيرات التي جعلت قصائده تمتاز بخصوبتها الجمالية وأناقتها التصويرية وبداعة تشكيلاتها النسقية، لتثير القارىء على أعلى المستويات . وإننا لا ندّعي حقيقة بالإلمام بالمثيرات الجمالية جميعها، فإن ثمة مثيرات كثيرة لم نتعرض لها لئلا يطول بنا المقام، تاركين لغيرنا فرصة اكتشافها بعين لاقطة تتعمق هذه المثيرات أكثر من نظرتنا ورؤيتنا النقدية – ص 7و8) .
بهذا التمهيد يقدّم الناقد السوري (عصام شرتح) لكتابه الجديد – وهو الثاني – عن تجربة الشاعر العراقي (يحيى السماوي) والذي حمل عنوان (موحيات الخطاب الشعري – دراسة في شعر يحيى السماوي) (523 صفحة) بعد كتابه الضخم الأول (آفاق الشعرية – دراسة في شعر يحيى السماوي) (437 صفحة) . وصدور كتابين من قبل ناقد سوري واحد بعد عدة كتب لنقاد عرب عن تجربة الشاعر (يحيى السماوي) يؤكد (أن مغنية الحي تُطرب) ليس حيّنا العراقي حسب بل الأحياء العربية المجاورة والبعيدة خلافا لتلك القاعدة المعوّقة التي يسير عليها الكثير من النقاد العراقيين للأسف في تعاملهم مع منجز المبدعين العراقيين .
3669-samawyلقد دُرست تجربة السماوي الشعرية الطويلة سابقا في كتب مستقلة من قبل نقاد عرب مثل الدكتورة (فاطمة القرني) من السعودية في كتابها: (الشعر العراقي في المنفى : السماوي نموذجا)، والدكتور (محمد جاهين) من مصر، في كتابه (العشق والإغتراب في شعر يحيى السماوي : قليلك لا كثيرهن أنموذجا) . كما صدر كتاب ضخم بجزءين عن مؤسسة المثقف العربي في إستراليا عنوانه (تجليات الحنين) ضم عشرات المقالات لنقاد من مختلف الأقطار العربية عن تجربة السماوي الشعرية . وللناقد (حسين سرمك حسن) كتاب عن يحيى السماوي عنوانه (إشكاليات الحداثة في شعر الرفض والرثاء : يحيى السماوي أنموذجا) صدر في دمشق العام الماضي .
وقد صدر كتاب شرتح الثاني هذا عن شعر السماوي عن دار الينابيع في دمشق هذا الاسبوع، وضم خمسة فصول تناول الأول منها (القيم الفنية والجمالية في شعر يحيى السماوي) من النواحي التالية : التحفيز الجمالي، المناورة التشكيلية، الحنكة التصويرية، التنسيق على مستوى المفردات والجمل والمقاطع والنص ككل، المفارقة التصويرية، الإنبثاق والتشكيل الإيحائي، المونتاج الشعري والإضاءة المشهدية، جمالية الصورة الكلية من ناحية التوالد والتشكيل واللقطات الجزئية، التناص ومثيراته الفنية (الجلي الصريح والخفي الغامض)، جمالية التكرار الصوتي والمفرداتي والتراكيب الجزئية، جمالية البناء الشعري والقوافي والمعنى، التكامل، دهشة المبنى وفتنة المعنى، التحوّل والإنزياح الدلالي، والحواشي . ثم جاءت الفصول الأربعة الأخرى لتشكل جانبا تطبيقيا من خلال دراسة مجموعات أو نصوص شعرية مفردة للسماوي . فالفصل الثاني تناول القيم الجمالية والفنية في نصوص مجموعة يحيى (مسبحة من خرز الكلمات)، في حين جاء الفصل الثالث كدراسة تحليلية لقصيدة (عمّديني بنبضك)، والرابع كدراسة نصّية تحليلية في قصيدة (جرح اكبر من الجسد). أما الفصل الخامس والأخير فقد تناول جمالية التشكيل النصي لخمس من قصائد الشاعر هي : صراخ خفي، رباعيات اخرى، كفى عتبا، إهداء، وأذلّني حبي .
ويصل الناقد في الختام إلى نتيجة مفادها (أن شعرية السماوي شعرية متجددة، ذات معين لا ينضب، فهي تبشّر دائما بالجديد، وتفاجئنا بالجديد على الدوام، وهذه السمة سمة النصوص الإبداعية المتميزة والقامات الشعرية الفذّة، التي تجذّر وجودها في حقل التميّز والإبداع والإثارة الجمالية على الدوام، وفي مختلف الظروف والأحيان – ص 519) .
ومازال في مخزون تجربة السماوي الكثير مما هو جدير بالدراسة وأهل للتجليل ..

الجمعة، 29 يوليو 2011

سماويّات (18): مونتاج: بين يحيى السماوي ونيكوس كازنتزاكي.. بحث في نقد النقد / حسين سرمك حسن

د. حسين سرمك حسن  

يحيى السماوي:
إنحنائي لكِ ليس شركا ً يا حبيبتي
فالمخلوق:
دليلي على قدرة الخالق

- نيكوس كازنتزاكي:
" حاولت منذ سنوات طويلة، يا بني، أن أرى الله، ولكنني لم أنجح. سنوات طويلة وأنا أسجد.. كنت أصرخ: طيّب.. دعني لا أرى الله طالما أنني لا أستحق ذلك. ولكن دعني أقوى على الإحساس بحضوره اللامرئي لكي أحس أنا أيضا بالغبطة ولو لطرفة عين. ولكي أعرف أنني مسيحي وأن سنوات تنسكي لم تذهب عبثا. كنت أصرخ وأصوم وأبكي – دون جدوى. كان قلبي عاجزا عن أن ينفتح ويسمح لله بالدخول فيه. لقد أقفله الشيطان وخبّأ مفاتيحه.

السماوي:
 قلبي الموشوم على نهدك
كيف فرّ
من سجن ضلوعي؟

- كازنتزاكي:
" لقد عذبت نفسي سنوات وسنوات. وأحسست أن حياتي تضيع هباء. لا الصلاة ولا الصوم ولا العزلة كانت قادرة على مساعدتي في أي شيء. ثم هيمن علي شك رهيب في أنه قد لا يكون هذا هو الطريق الذي سيقودني إلى الله ".

# السماوي:
في حضرة نهديك
أستغني عن حنجرتي
فأغني بأصابعي

- كازنتزاكي:
-
" وذات يوم أمرني رئيس الدير أن أذهب للعمل كمشرف على ملحق كان يملكه الدير.. لم أكن قد رأيت الناس مع أطفالهم، أو سمعت ضحكة، أو وقعت عيني على امرأة. كان عمري قرابة الأربعين عاما. إحدى وعشرون سنة منها في السجن ".
# السماوي:
لها وجه يسكّر ألف قسٍ ٍ
وثغرٌ للمسيح هو الضريح ُ

- كازنتزاكي:
- "على باب الملحق رأيت امرأة تحمل طفلا بين ذراعيها وترضعه. لوهلى – سامحني يا رب – ظننت أنها مريم العذراء. وكنت على وشك الإنحناء والصلاة لها. لم أكن قد رأيت امرأة منذ عشرين عاما. أما هي فزررت قميصها وأخفت ثديها حالما رأتني ".

# السماوي:
رأيت الله في عينيك صافٍ
رأيت الله فاتقد الطموحُ

- كازنتزاكي:
" من هنا بدأ الصعود. منذ اللحظة التي رأيت فيها ثديها لم أعد أعرف الهدوء. هناك ناسك عظيم اسمه القديس (انطونيوس) يقول:                                       (إن كنت في راحة وسمعت زقزقة السنونو فإن قلبك لا يظل محتفظا بهدوئه السابق).
حسن إذن، إن كانت زقزقة السنونو تستطيع أن تلقي في قلوبنا القلق، فما الذي يستطيع أن يفعله ثدي عار ٍ لامرأة ؟ لم أكن قد لمست امرأة من قبل. رحت أسوط نفسي بسرعة إلى أن يتحول جسدي كله إلى جرح كبير. لكن لا جدوى. ما أن ينخفض ضوء المصباح قليلا حتى أرى ثديا أبيض يلمع في الظلام. وذات ليلة حلمت حلما رهيبا ما أزال أرتعش حين أفكر فيه. حلمت بظلام حالك ووسطه ثدي أبيض. وأنا بردائي وقبعتي ولحيتي مضغوط عليه. أرضع ! "

# السماوي:
 في حضرة أنوثتك
تُعلن رجولتي عن هزيمة وقارها
فأخرّ على ركبتيك
مضرّجا بلهاثي

- كازنتزاكي:
" اندفعت إليها وأمسكت بها من شعرها. وبحركة واحدة فتحت أزرار قميصها كلها. كم من السنوات مرت منذ ذلك الحادث ؟ ثلاثون ؟ أربعون ؟ ولا سنة. لقد توقف الزمن. ثلاثين عاما وأنا أفكك أزرار قميصها ولا نهاية لذلك. هناك دائما زر آخر ".
# السماوي:
إخلعي قميصك
فأنت في الحضن المقدّس

- كازنتزاكي:
" للمرة الأولى أحسست بالله يقترب مني. يقترب بذراعين مفتوحتين. أية صلوات أديتها طوال ذلك الليل حتى طلوع الفجر ! وبأي كمال انفتح قلبي وسمح لله بالدخول ! للمرة الأولى في حياتي ".

# السماوي:
 قلبي الموشوم على نهدك
كيف فرّ
من سجن ضلوعي ؟

- كازنتزاكي:
" للمرة الأولى في حياتي اللاإنساني الجافة إلى أية درجة هو الله طيب، وإلى أية درجة يحب الإنسان، وكم أنه أشفق عليه لكي يخلق له المرأة، ويخصها بفضل أن تقودنا إلى الجنة عبر أقصر الطرق وأكثرها ضمانا. المرأة أقوى من الصلاة ومن الصوم وأقوى من الفضيلة ".

# السماوي:
سكرت يدي لمّا مررتُ براحتي
ما بين موج جدائل ٍ وقباب ِ

- كازنتزاكي:
" عند الفجر نهضت المرأة وخرجت.. وبدأت أبكي. أحسست بأن الله في حجرتي منحنيا على مخدتي، وكنت واثقا من أنني لو مددت يدي للمسته. امرأة هي التي منحتني هذا اليقين – أكرر: امرأة وليست صلاة أو صياما ؛ امرأة، ليباركها الله، هي التي أدخلت الله إلى غرفتي ".
# السماوي:
الكون مرآةُ..
كلّ النهاياتِ بداياتُ
إذن ؟
كل البداياتِ نهاياتُ
وتلك آياتُ

- كازنتزاكي:
" منذ تلك الليلة وطوال ثلاثين أو أربعين سنة أجلس وأفكر لنفسي: أيمكن أن تكون الخطيئة أيضا في خدمة الله ؟
لم أندم. ولن أندم. ولو أتيحت لي الفرصة لفعل ذلك مرة أخرى فسأفعل ".

الأحد، 17 يوليو 2011

سماويّات (17) الجنــــوح التأويلي: "صوتك مزماري" أنموذجا .. بحث في نقد النقد / حسين سرمك حسن




 husan_sarmakوقد يصل هذا الإفراط حدود ما يمكن أن نسمّيه بـ "الجنوح التأويلي" الذي يوسّع دائرة التفسير في قفزة واسعة من دائرة ما هو فردي إلى دائرة ما هو جمعي دون أن تتوفر ركائز "منطقية"
لهذه الإنتقالة الشاسعة. ولعل واحدا من العوامل الكبرى في هذا " الجنوح " هو تعاطف الناقد مع الشاعر بل " تماهيه " معه وتمثل همومه وانجراحاته . هذا التماهي يوفّر استعدادا نفسيا لربط أي لمحة آسية بالتاريخ السيري الفاجع للشاعر، فردا وشعبا، حتى لو تم ذلك بطريقة تنشغل بالهم الإجتماعي والسياسي لشعب الشاعر، ولا يسعفها النص بقرائن شديدة الوثوق والصلة بالناتج التأويلي إلى حد يصبح دور الناقد " آيديولوجيا " وسياسيا واجتماعيا أكثر منه جماليا وتفسيريا بحدود إيحاءات النص بكثير . ولنأخذ الآن قصيدة " صوتك مزماري " وتحديدا الحركة الأولى منها ونتابع كيف فسّرته الناقدة القرني :

صوتك مزماري

دجّن أفعى الحزن في حديقتي
فاغتسلت بالعطر أزهاري

صوتك يا قدّيستي
حبلٌ من النور نشرت فوقه
قميص أسراري

وصفحة ضوئية
كتبتُ في سطورها أعفّ أشعاري

وبردة عشبية
تدثر القلب بها .. فلم يعدْ
يخاف من بردٍ وإعصار
تقول القرني : (من أول سطر حتى " .. فلم يعد .. يخاف من برد وإعصار " يتكون التقرير الأول : كيف يقرأ .. يصف هو طبيعة هطولها مسار حلولها فيه : " صوتك .. مزماري " .. بهذه التقريرية الحادة يجزم بفاعلية " التطهير " التي تمارسها هي " صوتا / احتماما / صهرا في وجوده، ثم يفسر : " دجّن أفعى الحزن .. في حديقتي .. فاغتسلت بالعطر أزهاري "، لنستعد مرارة الوجع العراقي، وديمومة أساه حتى ندرك كيف حال إلى " أفعى " تتلون في ريبة، مرة إلى هذا الفريق تروغ، وأخرى إلى ذاك، ثم تنبثّ سمّا مهلكا لكل ملمح حياة، .. من هنا، نعي قيمة انتقاء .. أو فاعلية " دجّن " هذه، إن صاحبتنا تتجلى صلوات تطهير / انبعاث، وهي لا تبني عالمه الجديد النقي على " عدم " أكوان أخرى، لا تقتل الأفعى، الحزن، ولكنها تروّضها، تؤلفها، تُجمّل الحزن، تُجرده من " نجس " السياسة، و " درن " الحروب، ولذا فهو يعبّر بالاغتسال عن ذلك، ولم يقل – مثلا – فاتشحت، أو تندّت بالعطر أزهاري – القرني، ص 234 و 235) . وأعتقد أن في هذا التفسير المقحم نوعا من المفاجأة للمتلقي الذي كوّن – حتما – قدرا من الفكرة الأولية عن مضمون هذا المقطع و " قصدية " الشاعر منه . فالشاعر يقول – وبوضوح تقريري مباشر – إن صوت حبيبته هو المزمار السحري الذي روّض أفعى الحزن في حديقته، حديقة عمره التي أجهضت آمالها وخيم عليها الأسى والخسران . وأفعى الحزن هذه – وبالتأكيد – ليست تلك الأفعى المادية التي نعرفها .. إنها تأخذ من روح معانيها الرمزية : تمكّنها العزوم من مكمنها في الحديقة، وروحها الغادرة، وسمّها المميت . وحتى لو وسعنا مفهوم هذا الحزن من الإطار الشخصي إلى الإطار الجمعي فسنقول إن الحزن العراقي هو حزن تاريخي متطاول في أرضٍ هي الوحيدة على المعمورة التي خلق فيها الإنسان من طين ودم وليس من طين وماء، وأُخذ الدم من شرايين إله حزين هو الإله الثائر " كنكو " أو " كنغو " الذي تزوّج الإلهة الأم " تهامة – ومن اسمها اشتق اسم الصحراء العربية المعروفة " واتفق معها على الثورة ضد الآلهة الكبرى !! فلن نستطيع تسويغ أن أفعى الحزن هذه " تروغ إلى هذا الفريق مرة، ومرّة إلى ذاك " .. فهذه أفعى حزن " حزبية " مسيّسة، وليست أفعى الحزن التي تمزق روح يحيى، والتي يشكل حضورها المنضبط جانبا صحّيا وخلاقا هو من أهم حوافز الإبداع في الثقافة العراقية تحديدا، ولذلك فهي بحاجة إلى " التدجين " والترويض لا القتل والإجتثاث كي يبقى فعلها الحي في تأجيج جذوة الخلق في روح الشاعر . وهي – من جديد – أفعى الوجدان الممزق، فما هي علاقتها بنجس السياسة ودرن الحروب ؟! . تواصل الناقدة تحليلها للأبيات المتبقية من المقطع فتقول : (ثم يوالي [ = الشاعر ] حججه : هي " قديسته "، والقدّيس وسيط النورانية، نورانية السماء، بموازاته تنتشر، تنكشف " الخطايا "، تخور قواها فتكف عن مراودة القميص، نحن لم نزل في رحاب التجلّي، لنتذكر إيماضا – ولو خافتا – من قصة يوسف عليه السلام، وإيحاءات القميص فيها، ثم لنتأمل في بهاء تمثّل زهراء الشاعر فيه، ها هو يصفو ثم يشف حتى يغدو ضوءا مطهّرا في آن، كيف لا، وقد احتوته " بردة عشبية "، كينونة دفء، حياة جديدة بعد أن تعرى / تحلل من " قميص أسراره "، أوزار ذاكرته المثخنة، كيف لا يستقر منها وبها " دافىء القلب "، وادعا، لا يرهب صقيع مغتربٍ ولا دوامات منفى – القرني، ص 235) . أنا أراهن دائما على ذكاء القارئ الذي لن يكون – هنا تحديدا – بحاجة إلى مخزون معرفي كبير كي يكون الفيصل في الإمساك بهذا " الجنوح " التأويلي . هذا قول الشاعر :
(صوتك يا قدّيستي
حبلٌ من النور نشرت فوقه
قميص أسراري ..)
ترى ما هي علاقة قميص يحيى بقميص النبي يوسف عليه السلام ؟؟ الشاعر يتغزل بحبيبته / قدّيسته كما يصفها، عن صوتها الذي وصفه في الاستهلال بأنه مزماره : صوتك مزماري، والذي حوّله بتخيلاته الجامحة إلى حبل من النور، ولنلاحظ الآن المجانسة والتناغم بين جميع الأوصاف التي يطلقها الشاعر على صوت حبيبته في القصيدة منذ بدايتها وحتى نهايتها، فكلها صفات تتسق مع وصف الموضوع المركزي : الصوت، تتسق مع قوام مادته، ومع طبيعته الفضفاضة الموجيّة : فهو حبل من النور، وصفحة ضوئية، وبردة عشبية وغيمة من ألق وترتيلة ولحن عذري :
.. وصفحة ضوئية
كتبتُ في سطورها أعفّ أشعاري

وبردة عشبية
تدثّر القلب بها .. فلم يعد
يخاف من برد وإعصارِ

صوتكِ صار ملمحا مني
فما سمعتهُ
إلا وأضحت غيمة من ألقٍ داري

يُثملني من دونما خطيئة
فيسكر الصحو على نافذتي
يزرعني ترتيلة في حقل قيثاري

وهذه من السمات الأسلوبية المركزية للمنجز الشعري ليحيى السماوي، سمة مضافة إلى السمات الأخرى التي حددناها في دراساتنا السابقة عنه، فهو يعمد على أن تدور سمات الموضوعات الثانوية والصفات المعنوية وحتى المادية لها حول بؤرة السمة الطاغية للموضوعة المركزية التي هي الصوت / صوت المحبوبة، في هذه القصيدة التي يضفي فيها يحيى إمكانات هائلة على صوت امرأته " المنقذة " . وأقول هائلة ولا أقول خارقة أو أسطورية لأن يحيى لا يميل الأسطرة كما سنرى لاحقا . فما ينجزه الصوت المنقذ هو تحويله من حال إلى حال على "الأرض" .. في هذه الحياة .. من مزاج إلى آخر في هذه النفس المكلومة . فهو ينقله من اليأس إلى ممالك التفاؤل .. يدفن الأول ويملأ ممالك الثاني بالريحان والغار، وصالح بين متناقضاته المدهشة : بين فراشاته ونيرانه :
صوتكِ كان أول الماشين
في جنازة اليأس الذي أثكل مشواري

وأول المسافرين بي
إلى ممالك الريحان والغار

هذّبني
أقام جسر إلفة بين فراشاتي
وبين الريح والنارِ

وبنهاية هذا المقطع – من : صوتك مزماري .. وإلى : وبين الريح والنار – لا نجد فعلا آمرا طلبيا كما تقول القرني، بل نتابع " تقرير " حال ظاهر لنعم صوت الحبيبة . ولكن في البيت اللاحق سنمسك بمفارقة نقدية غريبة :

زخّي على مسامعي لحونك العذراء
كي تنبض أوتاري

تعلق القرني على هذا المقطع بالقول : (منتقيا [= الشاعر] الفعل " زخّي " لتجسيد ذلك النداء، وهو انتقاء موفّق لما لهذا الفعل " زخّ " من دلالة الدفع في تأنّ ووءادة، فهو لا يغتني " بهطول " صوتها الجارف، ولا " بانهماره " دفعة واحدة، وإنما هي حلمه نديمَ عمرٍ لا ساعة من دهر، تتابع لحونها العذراء في التوقيع لحنا فلحنا لكي لا تخبو لأملٍ في اللقاء بارقة – ص القرني، ص 236) . أي إن يحيى – حسب تحليل القرني - قد اختار الفعل " زخّي " ليعبر بدقة عن رغبته في أن يكون نزول ألحان حبيبته العذرية متأنيا ومتئدا .. أن تأتي لحونها متدرجة لحنا فلحنا . لكن لنعد، أولا، إلى المعنى القاموسي للجذر " زخّ "، فماذا سنجد معناه ؟ . زخّ زخّاً بالإبل : سار بها سيرا عنيفا . وزخّه : دفعه، أوقعه في وهدة . وزخّ زخّا وزخيخاً الجمرُ : برق شديدا، والعامة تقول " زخّ المطر "، أي انصبّ بشدة – الزخّة : الزوجة، دفقة من المطر شديدة (عاميّة) – زخّ زخّا : اغتاظ – الزخّ (مصدر) : الحقد والغضب – الزخّة : الحقد والغضب (راجع المنجد في اللغة – ص 269) . أي أن كل معاني الفعل " زخّ " تتضمن الشدّة والهطول العنيف والإنهمار الغاضب . ثم لنعد، ثانيا، إلى سمات الصورة السماوية، صورة يحيى الفنيّة، وسنجد أن العنف هو سمة حاسمة من سمات الكثير منها . وهو يبغي فعليا عنف الإلتحام بـ " لحون" الحبيبة وهطولها الشديد عليه كي تنبض أوتاره التي جفّت وأُخرست لعقد من السنين . وهنا سنقف أمام مفارقة أخرى، ولكن بعد ان ننقل للقارئ الأبيات التي ختم الشاعر قصيدته بها :
عشرة أعوامٍ
ومازلتُ على باب هواك صائما
متى إذن موعد إفطاري ؟

عشرة أعوامٍ
ومازلتُ على تلّة عمري ساهرا
مرتقبا هلال وجهك الذي لوّن أفكاري

بالماء والنارِ

عشرة أعوام
وما مرّ على بريّتي موسمُ أمطارِ ِ

تقول الناقدة القرني : (.. أملٍ لم ينل من توقّده فوات " عشرة أعوام " من سقم الإنتظار : هو يذكّرها في عتبٍ تلك التقابليات التي تذيّل النص كيف استمرأت حلولها في " الغياب "، مستطيبة تعليقه : صائما مترقبا ابدا، لا حين لتجلّيها له، لالتحامه بها كونَ إنسان، حقيقة وجدان – القرني، ص 236) . لكن أمعاننا النظر التحليلي الثاقب في هذا المقطع سيقلب دلالات القصيدة كاملة وبصورة جذرية . فالحبيبة لم " تستمرئ " الحلول في " الغياب " أبدا .. هي غائبة فعليا، وما تغزّل الشاعر المتيّم بصوتها إلا عملية تعويض عن هذا الغياب الجارح . والشاعر لا يستعيد حرمان العشرة أعوام كذكرى ماضية بل كواقع مرير قائم على الجوع للحبيبة وعلى جفاف الروح وعطش الآمال . وقد أجلت البيت الأخير من القصيدة حتى الآن فهو البيت الفيصل الذي سيثبت تحليلنا :
وها أنا
أحفرُ بالأضلاع صخر الشوق
علّ صخرة تزفّ لي
بشارة النبع لأشجاري
أي أن الصوت / صوت الحبيبة لم يكن " قراءة حضور " كما استنتجت القرني – راجع الصفحة 229 من كتابها – بل هو " قراءة غياب " .

الجمعة، 8 يوليو 2011

أين يخبئ السَّماويُّ كنوزه؟! / بلقيس الملحم

أين يخبئ السَّماويُّ كنوزه؟! / بلقيس الملحم

يحدث أن تُباغتك عبارة فتُصعِّد من زفيرك، إلآ أنها تعود لتدهشك مرة أخرى وبنفس الشعور إن تجرَّأت وعاودتَّ قراءتها، حيث ينساب أنين القلب ووجع الذات.
يحدث هذا فقط بصحبة نصوص المُسمَّى بـ " أنيس الروح" وحين أنسب لأبي الشاعر يحيى السماوي ذلك الإعجاز، فأنا أنسبه بوثوق المضطر في استجابة الله وسماع ندائه . فالمعجز في شعره أن الولادة التي يتأمَّلها القارئ نهاية النص ما هي في الحقيقة إلاَّ ولادة مستحيلة! فمخاض الجمال يزداد صعوبة كلما انتفخ الرَّحم, مما يجعل النص نفسه يتمنى عدم رؤية النور آخر النفق!!
وهنا لا ينفع المتلقي صدى صوته المستغيث ولا حبال المنقذين..
 وبين نداء الإستغاثة للهروب من سياط الإبهار والتشبث بخيط ماء، تسكب بعض الحناجر حبرها على ورق خجول، مُسبرة برؤاها أعماق ذلك الكائن السماوي الغريب،  فاتحة مغاليق تلك التجربة الفذَّة، محاولة التقاط قمح الصور المثيرة في موحيات خطابه الشعري. إلاَّ أنها تدخل صامتة وتخرج صامتة!
 فقرْن الثور يُعرّج على مرايا النهر، وقافلة الشموس تزحف القهقرى  أمام توقد الحب، بثلج أرعب رغيف الدموع، فقرر إمساك دمعه وإغماض عينيه.
 ذلك أن السماوي يبتكر أشكالا جديدة للأنثى, وأسلوبا أكثر غرابة لبدعة البكاء في حضرة البوح، وأسماء للوطن المذبوح الذي ورد ذكره ربما في اللوح المحفوظ. هو من يجعل الوردة ترتبك دون أن نعرف لماذا رغم ذكره للسبب جليا، مما يدفع قلوبنا للسير في مهمة معتمة الدرب وهو يُساقينا بابتسامته يبادلنا دور المبهور من جَلَدِ بحثنا. نرتوي قليلا متأبطين الضوء، وحين يلوِّح لنا بمُغتسل الفجر نكون قد أضعنا أقدامنا التي باتت تفتِّـش عن حذاء يؤويها, أو عن ربابة تؤنس شفاهها المُخاطة بالحمَّى.
 هو الذي لا يستنسخ الأسئلة, ولا الدم المعصور المكرَّر. هو يصغّـر الخريف بقصيدتين ويكبّـر الربيع بزهرتين. لذا حين يهزُّ فسيلته، فإن ظنون الأرض تنشطر عن كنز آخر..
 هكذا نحسبه في الأرض، بينما ربما يكون في كفِّ أعمى عاش منذ ملايين السنين يخدم في زقُّورة الناصرية، أو كان مختبئا بين نهدي فتاة ترضع الفاكهة ببطء، أو في ثقب ناي لملَك بات لربه قائما ساجدا،  أو قصة عشق لموت صغير الأجل. أو في مسقط رأس القُبلة التي اغتالوها برصاص طائش. أو في فخَّار مكسور لقلب استفاق على انسكاب الماء.
والآن .. من  أين لنا أن نأتي بالفطام؟ وجدار الرجل الستِّيني بات ظِلَُّنا الوحيد. كيف لنا أن نقاوم وجه العصفور لو أضاع أمه وسط العظام! كيف ننفصل عن أجسادنا التي ذاقت طعم العناق؟ أننحت من عيوننا النجوم؟ أم نركع للهوى ونحن بعد، عدمٌ في رحِمه؟ وجوهنا لا تسكت عن العرق، وخيالنا لا يملُّ عن  ضرب الأخماس بالأسداس.
أيها السماوي الأخضر. مملكة أنت للضياع..
وما أنا هنا إلآ قافلة من شعب الهائمين في واديك. أنا لا أغبط ناقدا تناول نصوصك بالإبرة والمعول والسهر الطويل، لكن يؤلمني توجع ذائقته وهو من أطال رحلته وأنهكه البحث في فتح أسفارك الطوية مع الشجن الاغترابي الموصوف باللاموصوف .
 كم هو شقي من يورِّط قلمه، يظنُّه نصلا بارزا فيُحلِّلك شخصية وشعرا.
عطفا لا أمرا أقول له: ضع سيف قلمك، دعه يستسلم فرهان الفوز بكنوزه خاسر، وافتح نافذة غرفتك لتدخن الكثير من السجائر. أليس هو من قال:
أموت وفي نفسي شيء منه!

بلقيس الملحم / شاعرة وكاتبة من السعودية  

الأحد، 3 يوليو 2011

آفاق الشعرية.. في تجربة يحيى السماوي


آفاق الشعرية.. في تجربة يحيى السماوي

.


نفس شعري متألق
قراءة: حسين سرمك حسن
عن تجربة الشاعر العراقي المبدع يحيى السماوي، صدر كتاب جديد للناقد السوري عصام شرتح - دار الينابيع، دمشق، 2011 - وعنوانه (آفاق الشعرية - دراسة في شعر يحيى السماوي). جاءت الدراسة ضخمة في (437) صفحة، وبجهد بحثي بارز عبر عن إحاطة الناقد الواسعة بجانب مهم من جوانب تجربة السماوي الثرة التي امتدت علي شوط زمني ناف على الأربعة عقود، وحفلت بإصدار أكثر من تسع عشرة مجموعة شعرية. ومن دواعي السرور والإعتزاز أن يُدرس السماوي الشاعر العراقي في كتب مستقلة من قبل نقاد عرب مثل الدكتورة (فاطمة القرني) من السعودية في كتابها : (الشعر العراقي في المنفى : السماوي نموذجا)، والدكتور (محمد جاهين) في كتابه (العشق والإغتراب في شعر يحيى السماوي: قليلك لا كثيرهن أنموذجا). كما صدر كتاب ضخم بجزءين عن مؤسسة المثقف العربي في إستراليا عنوانه (تجليات الحنين) ضم عشرات المقالات لنقاد من مختلف الأقطار العربية عن تجربة السماوي الشعرية. وللناقد (حسين سرمك حسن) كتاب عن يحيى السماوي عنوانه (إشكاليات الحداثة في شعر الرفض والرثاء: يحيي السماوي أنموذجا) صدر في دمشق العام الماضي. وقد عرّف الناقد شرتح بمشروعه هذا قائلا:
إننا عندما نخوض في آفاق تجربة شعرية متميزة، كتجربة الشاعر يحيى السماوي فإننا نخوض في رحاب عوالم تصويرية مدهشة وآفاق رحبة، تترك القارئ يسبح في فضاء جمالية شعرية عالية، كجمالية اللغة والرمز والإيقاع والمشهد الشعري عامة. ولعل أبرز ما يشد القرّاء إلى أشعار السماوي مقدرتها التصويرية العالية وحرصها علي تكثيف المواقف الشعورية، وبلورتها بألق جمالي شاعري عميق، فالسماوي يملك النفس الشعري المتألق، وحسن الأداء الفني في استقطاب الصورة العميقة وبلورتها بنسق تشكيلي مراوغ تخط إيقاعها بصريا كما تخطه إيقاعيا وترنيما صوتيا، مما يجعل نصوصه تسبح في فضاء التكثيف الإيحائي والتشكيل الجمالي المثير علي بياض الصفحات، وهذا ما يجعله شاعر الإيقاع والصورة التي تُحلّق بالقصيدة إلي مرتبة سامقة من الإثارة، والتحفيز والإبداع).
 
وقد اشتمل الكتاب على مقدمة وأربعة فصول وخاتمة. في المقدمة عرض الناقد جانبا من مبررات اختياره تجربة السماوي الشعرية بالقول :(سعينا جاهدين في كتابنا هذا إلي تبصير القرّاء الأكارم بتجربة شعرية متميزة وصوت شاعري عظيم من العراق الشقيق، أعطى للقصيدة العربية الحديثة رونقها الحداثي وأصالتها الشعرية الغنائية مزاوجا بين إيقاعين شعريين متناوبين (العمودي - التفعيلية) بروح الحداثة المعاصرة، فقصائد السماوي تمتاز باكتنازها الجمالي وتقنياتها الأسلوبية المتطورة، نظرا إلى بروز تقنيات مهمة في فضائها النصّي، كالتماسك والتفاعل والإنسجام والتكامل ووضوح المقصدية.. إلخ. وتملك قصائده بذور الإثارة والإبداع، بالإضافة إلي غناها العاطفي، ووميضها الصوتي المتناغم رغم هدوئها وبساطتها السردية في بعض الأحيان). وقد تناول الناقد في الفصل الأول من الكتاب ظواهر أسلوبية مهمة في شعر يحيى السماوي منها ظاهرة التوازي (النسقي والشطري والمقطعي والنصّي)، وظاهرة الإنسجام (على مستوى الكلمة والجملة والمقطع والنص داخليا وخارجيا)، والمقصديّة (البلاغية والدلالية والتشكيلية الجمالية واللسانية والنسقية)، والتفاعل (النصّي والنسقي والصوتي والمعرفي والوجودي والأيديولوجي والمذهبي)، والتكثيف (الدلالي والنسقي والجمالي والمشهدي)، وظاهرة الإقتصاد اللغوي، وظاهرة خصوبة المعجم اللغوي في حقل الغربة والإغتراب (الوطن / الحبيبة) وحقل الحب / الأنثى، وحقل الطبيعة.
أما الفصل الثاني فقد خصصه الناقد لتناول خصوصية التجديد في الأسلوب الشعري عند يحيى السماوي في ثلاثة مستويات هي مستوى التشكيل الصوري ومستوى التشكيل اللغوي ومستوى التشكيل النصي.وفي الفصل الثالث استعرض الناقد موضوعة جمالية التشكيل اللغوي في شعر يحيى السماوي على مستوي الصوت أو الحرف والكلمة والجملة (إسمية وفعلية وشرطية) والتشكيل المقطعي (الإستهلالي والمحوري والختامي) والتشكيل النصّي.
أما الفصل الرابع والأخير فقد اشتمل على دراسة نصّية جماليّة في قصيدة (سادن الوجع الجليل) ليحيى السماوي. ويختم الناقد كتابه برؤية موجزة ومكثفة عن شاعرية السماوي يقول فيها :
هذه باختصار رؤانا عن شاعرية يحيى السماوي... إننا لن نقول كما قال غيرنا إنه شاعر غنّى فأبدع، بل نقول : إنه شاعر جمالي يعزف على الجمال... خبزه الطيبة، وروحه الشفافية الإنسانية الطاهرة، ولحنه صوته الدافئ وتراكيبه العذبة. إنه السمو الجمالي بكل شيء. هذا هو السماوي كما وجدته في ثنايا قصائده ؛ محلّقا في فضاء الشعرية وألقها المستمر على الدوام .


الثلاثاء، 21 يونيو 2011

سماويّات (14) : غزل معاكس جديد : تطبيقان




(بحث في نقد النقد) 

 أعود الآن إلى القصيدتين اللتين تجاوزتهما وقتيا وهما : موشح : يا صبا جدّة ، وأيها البدر العسيري . ولاحظ أن القصيدتين تشتركان في سمة غير موجودة في النصوص الأخرى في ما يرتبط بالهوية الجنسية للمرسل والمرسل إليه في طرفي الخطاب الشعري . ففيهما يلعب الشاعر ببراعة مربكة على هذا الوتر الحسّاس فيبدأ الخطاب بصوت المذكر لينتقل إلى صوت الأنثى وبالعكس . وتتكرر معضلة الإلتباس التي تصعّد وقعها المضطرب اللغة ذاتها . ففي موشح : يا صبا جدّة يستقر في أذهاننا أن المتكلم متعادل الهوية أي أن الخطاب من الممكن أن تطلقه شفتا رجل أو امرأة على حدّ سواء :
يا صبا " جدّة " .. ضيّعتُ الصبا
وأضاعتني دروب السفرِ
كان لي حقل وقنديل ودار
وعلى غصني زهور وهزار
ثم أطفأ الليل النهار
أصحر الحقل .. ونهري نضبا
فإذا القيثار قبرُ الوترِ
وحتى من ناحية الرمزية اللغوية لا تسعفنا الكلمات المستخدمة في تحديد جنس المتكلم كما فعلنا في النصّين السابقين حيث اعتمدنا على الدلالات الرمزية اللغوية كما أعاد اكتشافها ووظّفها  منهج التحليل النفسي وخصوصا في مراجعة التمثلات الرمزية في الأحلام ، والقصيدة حلم . لكن بعد خطوة قصيرة جدا تتكشف الملامح الأنثوية لصوت المتكلم من خلا النداء المباشر : يا حبيباً :
يا حبيبا كلما أدعوه صد
صعّر القلب وما صعّر خد
فالهوى ما بيننا جزر ومد
أفؤادي ؟ أم  حبيبي كذبا
فحقولي كاذبات الشجرِ ؟ 
لكن الشاعر يثير في حقلنا الإدراكي ربكة شديدة ومباغتة حين يتحول مباشرة إلى الخطاب الذكوري وتصبح المخاطبة محبوبة هي " ليلى " الأثيرة على نفسه ، فيتساءل فورا :
ما ( لليلى ) تعبت من تعبي ؟
وحروفي هربت من كتبي ؟
فإذا أسألها لم تجب
إن عمري مثل مائ سكبا
فوق كثبان رمال القدر
ثم يعود مباشرة إلى الصوت الأنثوي حتى لتعتقد أن القصيدة هي حوار - وأعتقد أن هذه من سمات الموشح الأصيلة - بين عاشق ومعشوقته سوى أن للعاشق صوت ( دور ) واحد في حين تستولي العاشقة المُحبطة على الدور الأكبر :
ما الذي يجمع ماء الحلم ؟
لغتي يخذلها صمتُ فمي
فأرحني منكَ .. أو من سقمي
أعطني منك لهجرٍ سببا
ربما أطفيء جمر الضجرِ
تتكرر هذه المناوبة المربكة - وحتى الملغزة - في القصيدة الثانية " ايها البدر العسيري " حيث تجتمع خلطة عجيبة من استخدام الضمائر المعلنة و ( المستترة ) . فالقصيدة مكونة من مقطعين الأول منها " يُحكى " - والسمة السردية سمة أصيلة في المنجز الشعري للسماوي كما شخصت القرني ذلك بحق - بضمير المتكلم الذي لا نستطيع تحديد هويته الجنسية إلا إذا أخذنا هوية الشاعر بنظر الإعتبار وأنه الحاضر فعليا في ساحة النص :
أنا لا أعجب لو قِيل : على الأرض قمر
يتمشى
خطوُهُ يعزف موالا " عسيريا "
له دفء قناديل السمر
........................
أنا لا أعجب لو قيل :
هلالٌ ، كل يوم كان يكمل
يبزغ الصبح وعند الليل يأفل
فتمهّل
والبدر الذي يخاطبه السماوي هو رمز مؤنث في أغلب الحضارات واللغات في العالم عدا الحضارات العراقية القديمة التي تعامله كأنثى . والسماوي يخاطب القمر العسيري بهيئة المذكّر ، أي من موقع الأنثى ، لكن الأبيات الأخيرة أو التساؤلات الأخيرة ( البنية التساؤلية من السمات الأسلوبية الراسخة في المنجز الشعري للسماوي - راجع كتابنا السابق ) تخلط حدسنا بالضمائر ( المستترة ) حيث تشي اللغة المستخدمة بأفعالها ورموزها وطبيعة تساؤلاتها الجنسية ( الحسّية ) بأن هوية طرفي الخطاب أنثوية :
أيها البدر العسيري .. تمهّل
وأجبني عن سؤال :
عطرك المترَف قد أثمل روحي
أترى هل أنت مثلي
بعبيرٍ منك تثمل ؟
وإذا مشطت شعرا
وتعرّى جيدكَ المقمر من عقد ومخمل
أفلا ينهض في المرآة
بستان وجدول ؟
لكن - في القسم الثاني - تكون المهمة أكثر يسرا حيث تكشف اللغة بسهولة طبيعة هوية المتكلم من خلال " الأحوال " المستخدمة ، وإلا فإن الذكر والأنثى يتشاركان في تاء الفاعل التي يستخدمها الشاعر في الأفعال :
كنتُ كالضوء طليقا
ونديّا كالزنابق
تائها بين ضفافٍ وحدائق
لكن الإشكال يثور ثانية عندما يتحول العاشق إلى مخاطبة معشوقه بصيغة الأنثى بعد أن وجه لوعته وبث انسحاره طول المقطع الأول إلى معشوق مذكر :
لم أكن أعرف ما معنى الهوى
دفء اللقاء
ثم أبصرتكِ في ذات المساء
قلتُ : إن الليل عاشق
فلماذا أنتِ من دون النساء
سكب الليل على خديكِ أقداح أصيلٍ
وضياءً من قناديل السماء ؟
  
  
  
  
  
محاولة في التفسير النفسي لظاهرة الغزل المعاكس
--------------------------------------------------
فما معنى أن " يلعب " الشاعر هذه الأدوار المتنوعة في " نص " واحد ؟ ما هو السر الذي يدفعه إلى أن لا يكتفي بتلبس صوت وهوية الأنثى في نص ما ويخاطب محبوبا مذكرا ، ولكن يتلبس صوتين وهويتين : أنثوية وذكرية يخاطب فيهما معشوقا ذكرا ، ثم معشوقة أنثى في نص واحد ؟ . يجب أن نتفق أولا على حقيقة جوهرية وشديدة الحسم وهي أن الشاعر ليس " كاتب عرائض " " عرضحال " أو " عرضحالجي " كما يقال في الحياة اليومية ، يأتي المشتكي إليه ليجلس بجواره ويعرض أمامه معاناته ، فيقوم الشاعر بتصويرها بأمانة عالية وبصورة تعبيرية فنية مؤثرة إلى حد أن المشتكي يبدأ بالبكاء غير مصدّق أنه كان يتحمل كل هذا الضيم الذي صوره الكاتب / الشاعر مثلما تصوّر ذلك الطرفة الشعبية المعروفة !! كل ما يصوّره الشاعر لن يأتي إلا بعد أن ينفعل به ، وهناك آلاف المشاهد والحوادث التي يعيشها يوميا بلا أدنى تأثير في مشغله الشعري ( في روحه / في لاشعوره ) . مجسات لاشعور الشاعر تلتقط ما يحرك مؤشراتها .. ما يؤثر فيها ، وبصورة أدق ما يحرّك مكبوتاته ويلمس العقد الحساسة فيها ويهيجها . ولكن هناك أمر بالغ الأهمية لا يتسلح به الكثير من النقاد الذين لا يدركون مكونات البنية اللاشعورية للفرد البشري عموما وللشاعرخصوصا وترتبط بها استجابة الشاعر للتجارب التي تحرك مكبوتاته وتهيج رغباته وهي أن هناك ظلا أنثويا في شخصية الشاعر الرجل ( مثلما أن هناك ظلا ذكوريا في شخصية الشاعرة المرأة وسنركز على الرجل للتبسيط ولديمومة اتساق السياق ) . وقد تلمس الفكر الأسطوري هذه الحقيقة بصورة أولية حيث شاعت في الكثير من الأساطير تصورات توحي لنا بأن الإنسان الأول قد جمع في كيانه خصائص الجنسين . ويبدو هذا الإفتراض واضحا في مخلفات حضارية قديمة في بلدان عدة كالشرق الأوسط والصين وأفريقيا وغيرها من البلدان التي تُظهر بأن هذه شعوب هذه الحضارات قد جمعت الذكر ةالأنثى في هوية ثنائية وفي جسد واحد وعبدتها كآلهة لها . ولعل أقدم تجلياتها هي الآلهة ( عشتار ) التي عبدت في العراق القديم والتي صوّرت لها بعض مظاهر الرجولة والأنوثة في آن واحد . وقد جسدت الأساطير اليونانية القديمة فرضية ثنائية الجنس بشكل أدق وأكثر رومانسية وذلك بالأسطورة المعروفة بأسطورة " هرم أفروديتوس - hermoaphroditus " والذي كان إبنا للإلهة " هيرميس " والربة " أفروديت " ، وكان " هرم أفروديتس " جميلا جدا ، نصفه ذكر ونصفه أنثى . وطبقا للأسطورة فإن الحورية " سلمسيس " هي التي كانت سببا في " ثنائيته " حيث وقعت في حبه عندما كان ذكرا ، ومن فرط حبها له وخشيتها من فراقه فقد طلبت من الآلهة أن لا تُفرق عنه أبدا ، فاستجابت لها بأن جمعت بين الإثنين في جسد واحد . وقد خلد الأغريق مفهوم هذه الأسطورة في أعمالهم الفنية كالنحت وفي آدابهم . ومن ذلك ما أشار له " أفلاطون " في إحدى محاوراته " السمبوزيوم - symposium " بقوله :                                                     ( كان هنالك في الماضي ثلاثة أجناس لا جنسين كما هو الآن الذكر والأنثى . أما الثالث فقد اشترك بطبيعة الإثنين ثم اختفى غير أن الإسم قد بقي ) . ويقول أفلاطون على لسان " أرستونانيس " بأن الإنسان خلق خنثيا جنسيا ومزدوجا كليا ( له أربعة أيد ووجهان .. يدور على نفسه كالبرميل .. يرى أمامه وخلفه .. غير أن هذه القوة الخارقة لم ترض الآلهة وقضت بتكليف الإله " أبولو " أن يقطعه إلى نصفين فقام بالمهمة الجراحية ) ( علي كمال - الجنس والنفس ) .                                                                                                         ( الإنسان الذي تحطم إلى إثنين يتألم ويموت . والخنثى ، المذكر والمؤنث معا ، أي الكامل ، يحيا حياة أبدية . ذلك هو " النمط الأولي " - حسب " يونغ " - الذي تنشأ منه قصص خرافية وكثير من أصناف الحب . وكل ذلك يتجسد في قصيدة " بودلير " المحزنة :
يا بنيّتي .. يا أختي
فكّري بـ عذوبة
الذهاب إلى هناك نعيش معا
نحب على مهل
نحب و نموت
في البلد الذي  يشبهك
لنشرح هذا المقطع :
يا اختي ، الجزء المؤنث من ذاتي الذي أبحث عنه بحنين ، فكّري بـ العذوبة التي تملأ كياني إذا استطعت تحقيقك في ذاتي ، وإذا أصبحت على هذا النحو كاملا ... بمقدوري عندئذ أن أموت وأنا أحس بأنني خالد ومتألق كالإله ، فأعود إلى البلاد التي تشبه المرأة ، إلى اللاشعور السعيد ، إلى الأم الكبرى التي تغلّف إلى الأبد ) ( راجع كتاب المحلل الفرنسي " بيير داكو " - انتصارات التحليل النفسي ) .                                                                            وحتى أسطورة الخليقة ( طرد جدنا آدم من الجنة ) يمكن أن يُنظر إليها من مقترب مماثل ولكن معاكس . فحواء قد خُلقت من ضلع آدم الأيسر ، بمعنى أنها أم أو أخت ( تعبير محارمي فرويديا ، ونموذج بدئي كأم كبرى حسب يونغ ) ، ويأتي الإنفصال ليمثل تمزق الشخصية الموحدة حتى أن آدم واقع حواء وكـنه لا يعرف صلته الحميمة بها . وهذا ما خشي منه السماوي وهو " ينرعب " بصورة مفرطة من مجرد التفكير بقبلة من حسناء " بندة " :
وعاتبني فمي : أيجوز قتلي
على عطشٍ .. وفي عيد اصومُ ؟
فدعني أستقي من نبع شهدٍ
ليعسل في دمي صاب صميمُ
وكدت أقول : لا نسكا ولكن
مخافة أن يُقال فم ذميمُ
وخشية أن تعيش فما طريدا
كـ " آدم " حين أغواه الرجيمُ
وتوصف الذكورة بأنها : فاعلة، نافذة، ثاقبة ، مخصِبة ، عدوانية ، عقلانية ، مفكّرة ، صلبة . في حين توصف الأنوثة بأنها : مرنة ، نَفوذ ، خصيب ، لاعقلانية ، حدسية ، عاطفية ، حنون ، وديعة ، حفيّة . وتنطوي كل شخصية إنسانية على صفات مذكرة وعلى صفات مؤنثة . فالرجل المتوازن يتصف معا بأنه فاعل ومرن ، عقلاني وحدسي ، صلب وحنون ، عدواني وحفيّ .. إلخ . والرجل يحتوي على ظل أنثوي - anima في شخصيته ، أي أنه ذو صفات مذكرة شعورية وذو صفات أنثوية لاشعورية ( الشخصية الأنثوية ) ، وتكون المرأة ذات صفات أنثوية شعورية وذات صفات مذكرة لاشعورية ( الشخصية المذكرة ) . ويتمطهر هذا الظل الأنثوي في صورة المرأة الفاتنة التي لا تقاوم ( القمر العسيري ) أو التي تستولي عليه وتضيّعه ( صبا نجد ) ، والأهم في ذلك أن هذا الظل قد يدفع الرجل الشاعر إلى البحث عن " التكامل " مع أنموذج ذكوري يحمل السمات الأنثوية ( يا بعيد الشرفات أو زرني خيالا عابرا ) ، هذا لكي نحسم معضلة التغزل بالأنثى في صيغة ضمير المذكر المخاطب أو الغائب ، ومعضلة " الغزل المعاكس " ( يا من عيناه تظلّلني ) حين يتلبس الشاعر الرجل مشاعر وصوت الأنثى . فكل هذه الأصوات هي اصوات أصيلة تفرضها البنية اللاشعورية للشاعر . وبالمناسبة فإن هذا الأمر ينطبق على فعل الناقد مع الحاجة لجهد استثنائي ، نقدي وتحليلي ،
التفسير النفسي .. تطبيق على سيكولوجية الناقد
------------------------------------------------
الناقد هو الآخر يمكن أن يقع تحت تأثيرات ظله الأنثوي ( أو الظل الذكوري بالنسبة للناقدة الأنثى ) . فبالنسبة للقصيدة الأخيرة ( يا من عيناه تظلّلني ) والتي وصفتها الناقدة القرني بأنها من نماذج الغزل المعاكس أي تغزّل المرأة بالرجل في نصوص موقعة بأسماء رجالية - ص 204 ) ، فإننا نجدها - أي الناقدة - تضعنا في مواجهة استنتاجات متناقضة . لنمضي مع النص منذ البداية لنكون صورة متسلسلة ومتناسقة تخدم استنتاجاتنا :
أمّي .. وشقيقاتي .. وأبي
سألوني عنك ، فلم أجبِ
نطقت عيناي ، وما نطقت
شفتي وحيائي شهّر بي
أطلبت يدي ؟ خذها فأنا
أسلمتك عيني.. لا هدبي
أي أن هذه الفتاة قد كشف خجلها ميلها نحو الرجل الذي تقدم لخطبتها من أهلها وهم يسألونها عنه كما هو معروف في مجتمعاتنا . وهي تحب رجلها حدّ أنها تقدم لها عينيها لا هدبها تعبيرا عن اقصى الحب . وتسلمها فؤادها الطفل :
وفؤادا طفلا كوثره
إبمان وأخلاق العرب
إلا أن القرني ترى - وهي محقة - أن هذه الإطلالة مفارقة لجو النص العام حيث تقول :            ( إذ لا تتناسب جهارة الفخر في " إيمان وأخلاق العرب " مع وداعة الفؤاد " الطفل " في الشطر الأول ، ناهيك عن مفارقتها للغة الموقف إجمالا ، وكان من الأنسب أن يُقابل الشطر الأول بتصوير ينتهي بمفردة " الشغب " أو " الطرب " .. إلى غير ذلك من بدائل ، وقس على هذا قلق الصورة في : " كالنجمة في حضن السحب " ، ثم اصطباغها بنبرة العنف في :
أطلبت يدي ؟ يا من فمه
ويداه وخافقه طلبي
.. فهذه اللغة " المتنمرة " لا تلائم حداثة تجربة الساردة في التواصل مع الآخر / الرجل ، ولا موقف تغنيها الرومانسي الهامس ولكنها من خيانات إرث الشاعر ، بل من دلائل وفائه لذلك الإرث المتأصل نزفا وعزفا - ص 206 ) .                                      
لقد كان إعلان الفتاة العاشقة المتيّمة بأنها منحت حبيبها فؤادا طفلا ترعرع على إيمان وأخلاق العرب ، أمرأً ينسجم مع شدة الخجل الذي جمّد التعبير على شفتيها ، ولم تُظهر هذه الفتاة أي مظهر من مظاهر النزق العشقي السلوكي الذي يتطلب أن يقوم الشاعر - كما تريد الناقدة - بإنهاء شطر البيت بمفردة تدل على الشغب أو الطرب .. فهي لم تندفع اندفاعة حسّية هوجاء تضفي جو الشغب على الموقف .. والشغب يختلف كثيرا عن الطرب .. لقد كانت في حالة نفسية طروب لا شغوب .. فهي فرحة " شرعا " بحبيب جاء يثبت صدق نواياه ويطلب يدها من أبيها . أما أن لغة هذا البيت مفارقة للغة الموقف إجمالا فهذا صحيح ، ولكن بصورة استباقية ، لأننا بعد هذا البيت ، وليس قبله ، نشعر بالتهاب مشاعر الفتاة العاشقة واحتدامها و " تنمّرها " :
يا من عيناه تظللني
إن سرتُ بأفياء الوصب
أتعبت خيالي يا حلما
أضناني ، يا حلو التعبِ
فمن هنا يبدأ " التنمر " العاطفي " .. وخصوصا حين تبدأ العاشقة بسرد قصتها مع صديقاتها وهن يشاهدن السلسلة الذهبية ذات الحرف الغريب معلقة في جيدها ( وقد سألت يحيى السماوي عن قصة هذه القصيدة فقال إنها عن فتاة تعلقت به أيام الدراسة الجامعية وكانت تضع في رقبتها سلسلة فيها الحرف " ياء " .. ) :
بالأمس رأيت صديقاتي
يهمسن فحاصرني غضبي
أبصرن الحرف على صدري
يزهو في السلسال الذهبي
سألوني عنه فقلت لهم :
" حرف " قد فرّ من الكتب
واختار الجيد له سطرا
وبساتين الصدر الرحب
وهذا هو التنمّر الحقيقي حين تحدث فتاة حديثة التجربة صويحباتها عن الحرف الذي استقر على سطور بساتين الصدر الرحب . ثم يأتي الإتساق الفني الرائع بين الصور التي تصف بها المتيّمة إنسحارها بـ " حرف " حبيبها وكيف أنها عندما تتعب من التحديق إليه وتغفو على حلم عذب فإن الصبح يلقيه على شعرها الأسود فيهفو مثل النجمة في حضن السحب .. فيلهو كالعصفور المنبهر بمرايا شهبها . هنا تتسق البنى الفضفاضة الهشة من حلم وذكرى كالبريق المتذبذب للنجمة وهي تحتضنها السحب وكترددات الضوء على مرايا الجسد .. وكبريق البياض القليل في حضن السواد الكثيف ( الحرف الذهبي المبهر في أحضان الشعر الغجري الأسود ) :
فإذا ما تعبت أحداقي
وغفوت على حلم عذب
ألقاه الصبح على شعري
كالنجمة في حضن السحب
يلهو ببراءة عصفور
منبهرا بمرايا شهبي  
إنه  قلق الصورة الفني .. المتناغم المحكم .. لكن المتناشز مع قلق عيننا النقدية النفسية .. هذه العين حين تخضع لأحكام واقعها النفسي / الشعري لا واقعها الموضوعي النقدي . هذا الواقع النفسي الذي يجعلنا كنقاد نعمّم ، في ردة فعل متحمسة وعنيفة ، استنتاجنا على كل إرث الشاعر الخياني : ( ولكنها من خيانات إرث الشاعر ، بل من دلائل وفائه لذلك الإرث المتأصل نزفا وعزفا - ص 206 ) ، ثم ، وبفعل الحقائق الشعرية / النفسية المستفزة التي أمسكنا بها ، نعود لنشهر عفة الشاعر و " بتوليته " :                                                                       ( تتجلى هذه التي يستغني الشاعر بـ " قليلها " عن كثير الأخريات أبرز من كل محاولات الإستخفاء والإخفاء ، وأجمل من أن تُغض عن ألقها عين كل ذي حس ، هي متمثلة للشاعر بكل سبيل ، مطلة في أصدق وجدانياته التي تضمنتها دواوينه - بدءا من الديوان الثاني - حتى بلغ من طغيان وجودها درجة أن تستأثر بجل مادة ديوانه " قليلك لا كثيرهن " إذ كانت قبلة خمس عشرة قصيدة من قصائده الإحدى وعشرين ، وكان من بينها ما ينبيء عن انكشاف أمر تعلقه الأبدي بها / واحته الزهراء في مقابل التمظهر الآني للأخريات - ماريّا صاحبة المقهى المشار إليها في المبحث السابق مثلا - بحيث رُصدت بموقف الحبيب الآثر والأوحد والآجل - ص 208 ) .


حسين سرمك حسن