بيني والأستاذ الدكتور عبد الله الفيفي صداقة يربو عمرها على العشرين عاما .. عرفته عن قرب في جلساتنا المشتركة، كما عرفته عن بعد عبر مراسلاتنا وتهادينا إصداراتنا،
فلم أجد فيه غير أحد السّدَنة الأبرار للغة العربية، والشاعر القدير الذي نادى بالتجديد من داخل القصيدة العمودية لا شكلها، كما عرفته أحد النخبة الفذة من نقادنا العرب ... بل : وعرفته المهموم بهموم الأمة العربية التي أرادها الله أن تكون خير الأمم لكنّ ساستها الممسكين بصنع القرار وتنفيذه قد جنحوا بها نحو الدرك الأسفل فغدتْ أمة ردود أفعال وليست أمة أفعال .
قصيدة صديقي الشاعر عبد الله هي ترجمة بالنبض لواقع حال الأمة على صعيد واقعها الراهن، مثلما هي صرخة تنبيه من الخطر الداهم المحدق بأحد أهمّ رموز الأمة ـ وهو الشعر ـ على اعتبار أن الشعر هو الوجه الأكثر حضورا في المنجز الحضاري العربي .. فإذا كان المسرح مثلا يمثل وجها من وجوه حضارة الإغريق، والنحت يمثل الوجه الأبرز في حضارة روما ـ فإن الشعر هو الوجه الأكثر حضورا في المنجز الحضاري للعرب باعتبارها أمة " البلاغة والبيان " ... الفيفي لم يُعلن وفاة الشعر، إنما يشير إلى المرض الذي قد يودي به ـ وهو : مرض التغريب والهذيان والرطانة وإفراغ القصيدة من شعريتها لتغدو وكأنها لعبة " ميكانو كلامية " أو " كلمات متقاطعة " تخلو من البلاغة والبيان والدفق الشعري / وهذا المرض أصاب الشعر بأشكاله المختلفة : العمودي والتفعيلي والحر :
أُعِــيْـذُ فِيْــكَ بَـيَـــــــــانِـيْ مِــــنْ تَلَعْــثُــمـــــــِــهِ
وقَــدْ يَــهــــــلُّ بَـيـــــــانٌ فــي تَـــأبِّـــيـْــــــــــــهِ!
الفيفي لا يرثي الشعر بقدر ما يرثي الأمة .. الأمة التي كانت " تُرتجى " فأصبحت " تَرتجي " ... مأزق الشعر ـ وفق رؤية الفيفي وهو مصيب ـ هو وجه من وجوه مأزق الأمة العربية الكبير وإفراز من إفرازات انحطاطها الراهن :
يـا نــاعِـــــيَ الفِكْرِ والتَّــاريـخِ: "وا أَبَــتِــيْ"
مــــــــاذا تَرَكْـــــــــتَ على الدُّنيــــا لنَاعِـيْـــــهِ؟!
إنَّ الذي نَعَتِ الأَنْبَــــــــاءُ ليــــــــس أَبِـــــــــيْ
بـل أُمَّـــتِــــــــيْ أُمَّــــــــــةُ الآبـــــاءِ تَبْكِــــــــــيْــــــــــهِ
وكأن بالفيفي يريد القول: إنّ إعادة الإعتبار للشعر مشروط بإعادة الإعتبار للأمة العربية ... صلاح الشعر مشروط بصلاح الأمة سياسيا واقتصاديا وفكريا ... والفيفي حين يُخاطب المتنبي، فإنما يُخاطب من خلاله الدهر الذي بقيَ منشدا قصائده ـ وبالضرورة : هو يُخاطب عصر المتنبي ليُدين من خلاله عصرنا الراهن :
وقُلْ لَهُ: (أَحْمَدَ العَلْيــاءِ)، يا رَجُــــــــــــــــلاً
عــــــــــــــــاشَ الأَبِيَّ جَــــــــــــــوادًا في تَأَبِّيْـــــــــهِ
طِبْ حَيْثُ أنتَ، لَقَدْ نِلْتَ الذي غَرَسَتْ
كَفَّــــاكَ مِنْ فَرَحٍ، طِبْ في مَغَانِيْـــــــــــــهِ!
فالحقيقة التاريخية والفنية تقول إن الدهر بقي من مُنشدي قصائد المتنبي، بينما أغلب قصائدنا اليوم تولد ميتة فلا يكاد يذكرها الغد القريب سواء منها القصائد العمودية أو قصائد التفعيلة أو قصائد النثر، وهذا لا يعني المطلق، فثمة الكثير من القصائد ـ عمودية أو تفعيلية أو نثرية جديرة بالإحتفاء والتقييم ... وإذا كان صحيحا القول إن عصر المتنبي كان " العصر الذهبي "، فإنه من الصحيح القول إن عصرنا الراهن هو " عصر الصفيح " !
الفيفي ليس ضد الحداثة (على الأقل: هذا ما أعرفه عنه كصديق لي معه حوارات وجلسات) .. هو ضدّ الطارئين على الحداثة ممن يقلدون تقليدا أعمى آخذين بـ " التغريب " في وقت الأمة أحوج فيه للتنبيه وشحذ الهمم لا أن يُتغافل عن الواقع العربي المزري :
يا أُمَّةَ الشِّعْرِ، ثُوْرِيْ نَخْلةً خُصِيَــــــــــــــتْ
للشِّعــــــــــــــــرِ فِيْكِ بِتَغْرِيْـــــــــبٍ كتَأْلِيْــــــــــــــــهِ
قالُوا: «الحَداثةُ»، إذْ قاءَتْ حَناجِرُهُمْ
مِلْءَ الصَّحائفِ مِنْ يافُــــــوْخِ مَعْتُــــــــــــــوْهِ
وإذ أتضامن معه في البيت الأول من البيتين أعلاه، فإنني لست معه في البيت الثاني وكان حريّا به عدم التعميم فليس كل الشعر الحداثي سيئا مثلما ليس كل الشعر العمودي جيدا ..
الحداثة في جوهرها لا تعني القطيعة مع الماضي، إنما تعني حركة تصدّعات وانزياحات معرفية قيمية وبعث المضيء من الماضي ـ وهذا ما عبّر عنه عرّاب الحداثة العربية أدونيس الذي وجد في الكثير من الشعر العربي القديم حداثة أكثر مما وجد في شعرنا المعاصر ، فأخذ على عاتقه مهمة التنقيب في ركام الشعر العربي القديم بحثا عن الحداثة والتأسيس عليها فكان رائد الحداثة العربية بحق والمنظّر لها، ولنا في مؤلفه الثرّ " الكتاب " ومختاراته من الشعر القديم والنثر الحديث الشاهد الحيّ على جهده الحثيث في تأصيل الحداثة العربية .
ما يؤسف له أن الكثيرين منا لا يعرف أن مصطلح الحداثة قد أنجبته الثقافة الغربية ووضعته ونمَّته ليكتسب فيها دلالته الدينية لمدة تزيد على ثلاثة قرون، قبل أن ننشغل به في النصف الثاني من القرن العشرين ... الغرب دخل مرحلة ما بعد الحداثة ونحن مازلنا نقتات فتات ما تركته لنا من حداثتها . فقد ظهر المصطلح في أروبا وأريد به معنى الإنتقال من القرن السادس عشر إلى القرن السابع عشر وكان أكثر ارتباطا بالجانب الديني قبل أن يتخذ منحىً آخر في ظل العولمة فدخل الإقتصاد والعمران والمُثل والقيم كأسلوب من أساليب أمركة العالم بينما كان المصطلح حتى بدايات القرن العشرين يُراد به التجديد في الفكر الديني والخروج على تابوهات الكنيسة، وهذا مايمكن ملاحظته في رسالة البابا العاشر في هذا السياق ... الرسالة التي نشرها سنة 1907 حول ما سماه بـ " مذاهب الحداثيين " فأصبح هذا المصطلح يطلق على كل العمليات التجديدية التي شهدها الفكر المسيحي مستفيدا من إنجازات العلوم المختلفة في إعادة قراءة النصوص الدينية وتأويلها ... الحداثة إذن نشأت للإصلاح الديني بادئ الأمر قبل أن تأخذ معنى التحديث في كل مناحي الحياة والمناشط الإنسانية ومن بينها الشعر .. الحداثة إذن لا تتقاطع مع الماضي وتراثه، فهي تريد إحياء المضيء منه وإنماءه، وهو نفس مايطالب به الفيفي في جانب من قصيدته ... هو يُطالب بإعادة الإعتبار للشعر بغض النظر عن شكله من خلال عودة الأمة العربية حرّة ... فهو لا يُخاطب الشعراء، إنما يُخاطب الأمة وهذا ما يُفصح عنه قوله :
يا أُمَّةَ الشِّعْرِ، عُوْدِيْ حُرَّةً خَرَجَـــــــــــــــتْ
مِنْ جِلْدِها إذْ طَغَـــــــــتْ فِيْهِ أَفاعِــــــــــــــــيْهِ
ها نحنُ سِرْنا الثَّمانِيْنَ العِجـــــــــــافَ فلا
كالغَرْبِ صِرْنا ولا كالعُــــــرْبِ نَبْنِــــــــــــــــيْهِ
المخاطب الأمة العربية من خلال مخاطبتها بصفة من صفاتها ـ والصفة تنوب عن الموصوف كما يقول البلاغيون والنحاة : " أمة الشعر " ... الفيفي ربما يريدنا أن نصنع حداثتنا لا أن نستوردها على علاتها :
مُسْتَوْرِدِيْنَ وُجُوْهًا غَـــــــــــــيْرَ أَوْجُهِــــــــــــــــنا
مُسْتَنْزِلِـــــــــــيْنَ سَــــــــــــــــمَاءً لا تُواتِيْــــــــــــــــهِ!
لكن السؤال الجوهري: ما الضير من استخدامي المنجز الحداثي الغربي إذا كان سيُزيد من عافية المنجز العربي ؟ ألمْ نستورد الفن الروائي والمسرحي من الغرب ؟ بل : ألمْ يستورد الغرب بالأمس البعيد معارفنا العربية لإنماء معارفه ؟ فالتاريخ يقول إن مؤلفات ابن سينا والفارابي وابن رشد كانت حتى وقت قريب تُدرّس في جامعات الغرب ... الإنفتاح أضحى ضروريا، والعالم لم يعد قرية كونية صغيرة، إنما : أصبح شاشة حاسوب ... ثم : لماذا وجدنا في السيارة الغربية والموبايل الغربي وجهاز التكييف الغربي والعمارة الغربية ما يُسهِم في تجميل حياتنا، ونمتنع عن استثمار المضيء من الحداثة الأدبية الغربية التي من شأنها رفد معيننا المعرفي ؟ الحداثة تُعنى بالإنسان بمعزل عن التضاريس الجغرافية والعرقية ... الفكر الإنساني مُشاع للإنسان حيثما وُجد، والحداثة فكر إنساني وليست فكرا عرقيا أو مذهبيا ..
من حق صديقي الفيفي التمسك بقناعاته حيال القصيدة الكلاسيكية لكن ليس من حقه سلب الآخرين قناعاتهم ... الشعر ليس دِينا مُقدّسا ً، ومع ذلك فقد أوجد الله أكثر من دين ..
يقول السيد المسيح عليه السلام : ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان .. وأقول : ليس بالقصيدة الفراهيدية وحدها يكون الشعر .
المهم هو حجم شعرية القصيدة وليس شكلها ـ وأظن أخي الأستاذ الدكتور الفيفي يوافقني على ذلك ..
شخصيا: أنا مع التجديد والتجريب ومع كل دم ٍ جديد يسهم في إضافة خضرة جديدة لحقل الإبداع العربي ... الشعرية ليست مقتصرة على الشعر المنظوم والحرّ وحده ... فقد نجد شعرية في قصيدة النثر أكثر بكثير مما نجده في قصيدة التفعيلة أو القصيدة البيتية، والعكس صحيح .. تعدد الأساليب والأشكال ملمح من ملامح عافية الشعر ... فتعدد ألوان زهور الحديقة أكثر جمالا من حديقة اللون الواحد للأزهار ... إن ماهو شرعيّ اليوم قد يُصبح باطلا غدا، وماهو باطل اليوم قد يُصبح شرعيا غدا، ومادام أن الشعر هو " فن القول " فالمعيار إذن هو حجم شعرية القول وليس شكله . .. الشكل هو الإناء الحاضن للمادة، أما الشعرية فهي المادة ...
قد تكون وجهة نظري خاطئة، لكنني حتى اللحظة مؤمن بها ـ وقد يوافقني عليها صديقي الشاعر والناقد القدير الفيفي العزيز .
أشكر صديقي الشاعر والناقد القدير أ . د . عبد الله الفيفي، كما أشكر لأخي المبدع المائز سلام كاظم فرج شجاعته النقدية في تحليله قصيدة الأخ الصديق الفيفي، متمنيا عليه إثراءنا بالمزيد من نشاطه النقدي، فالذي لا شك فيه أن ثقافة الحبيب سلام ورؤاه النقدية تؤهله لمشروع نقدي كبير من شأنه إضافة دم جديد إلى جسد النقد العربي .
لقد عرفنا سلام القارئ العميق والمثقف الثر والمبدع في قصيدة النثر وها نحن نعرف الناقد الرصين فيه .
للاطلاع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق