الثلاثاء، 31 يناير 2012

رحلة بين فضاءيـن أو غزل في طائـرة / يحيى السماوي



أطـبـقـتُ أجـفـانـي عـلـيـكِ لأنـنـــي
أخشـى وداعَـكِ ياجمـيـلـة ُ فانـزلي!


وقـفــتْ وحـيَّـتْ بـالســلام الأمـثـــلِ
و أنــا شــريــدٌ فـي دروبِ تـأمّـلـــي

أعــدو وراء الـذكــريــات يـقـودنــي
طيــفٌ لـه أرخـيـتُ حـبــلَ تـوسّلــي

قالـت: أتسمـح لـي؟ فـقـلـت مرحبـاً:
يـا جـارتــي عبـر الفضـاءِ تفضَّـلــي

جـلَســتْ بـجـانـب شـاعــر متـشــرِّدٍ
هـو عـن مطـارحةِ الحديـثِ بمعــزل ِ

جلسـتْ وألـفُ سحابـةٍ مـن حـولـهـا
تـنـدى بـأشـذاءٍ و عـطـر سَـفـَرْجـَـل ِ

نفضــتْ علـيّ الطيـبَ حيـن تحـدّثـتْ
فـأفـقــتُ مـفـتـونـاً بـلـثـغــةِ بـلـبــل ِ!

قالـتْ: رجـاءً لـو ربـطـتَ لمـقـعــدي
هــذا الـحــزامَ فــإنــهُ لــم يُـقـْـفـَــــل ِ

فـأجـبـتـهــا: مـا غـيـّـرتْ أقــدارَنـــا
أقــفــالُ أحــزمــةٍ فــلا تـتــوجَّـلـــي

                     ٭٭٭٭٭

مـن أيـن أنتَ؟ أنا أبـنُ ألـفِ مـديـنـةٍ
رضعتْ بنيهـا من مضـاغ ِالحنظـل ِ!

وأنا الـغـدُ المجهـولُ.. قـافـلتـي علـى
نـار ٍ تـسـيـرُ ولـيـس لـيْ مـن مَنهـل ِ

وأنـا مـزاجُ الأمــس ِ خالـط َ يـومَـهُ
 فـي كـأس ِ مائـدةِ الغـــدِ المـتـبــدّلِ

عـبـثـتْ بــه الأيـامُ فـَهـــو حثـالـــة ٌ
فـي قــاعِـهــا لـكـنــه لــم يـثـمَــل ِ!

أنا مَنْ سكبتُ على الدروب ِطفولتي
وأتـيـتُ أجـمـعـها زمـانَ تكـهُّـلــي!

مـاذا سـأجـمـعُ والـبـقـيَّـة  لـم تـعــدْ
تغـري ولا يغوي الملـيحة َمحملـي !

أفِـلتْ شمـوسُ الأربعـيـنَ و لـم يـزلْ
نـجـمُ الـتـشـرُّدِ سـاطعـاً لـم يـأْفـَـل ِ!

أمضيتُ نصفَ العمر ِمغتربَ الخطى
فالـسهـدُ حقـلـي و الصَـبابـة جدولـي!

الشــوقُ أدمـانـي.. أذلَّ رجــولـتــي
وأنـا عـن الوطـن ِالحـبيـب كيـذْبـُـل ِ!

لا.. لستُ بالضيـف ِالغريب ِ فأهلكم
أهـلـي.. ولـكـنَّ الـمـنى لـم تـعــدل ِ!

قـد كـان لي فيما مضى وطـنٌ وليْ
حقلي.. وكنت ظننتُ ليْ مستقبلـــي

وظننـتُ أنَ غـدي بلـون ِ قصائـدي
وبـدفءِ أحلامـي و حجـم ِتخـيّـلــي

لا تسـألـينـي عـن مسـار سـفينـتـي
فالحزنُ ليْ أهـلٌ وجرحي منزلـي!

فدعي السوالَ عن الهوى وشجـونه
وعن اغـتـرابي واحتراقي فاسألـي!

وعن القـنـاديـل ِالتـي فُـقِـئــتْ وعـن
خـبـــز ٍيــدافُ بــأدمــع ٍ وتــذلــــل ِ

وعن أغتيال الفجر ِعن سقط ِالورى
 طـافـوا علـى اعنـاقِنـا بـالفيـصـــل ِ

وعـن البطـولات ِالرخيصـة ِأنجبـتْ
 عـاراً ونصــرَ أرينـبٍ مسـتـفـحــل ِ!

  حصــد الزمـانُ الغـرسَ قبـل أوانـِه ِ
  من قال إن الدهـرَ ليـس كـمـنْجـــل ِ؟

نـاديـتُ أحـبـابـي  فـلـمّـا لـم  يُـجـبْ
غـيرُالصدى ناديتُ : يامـوتُ اقـبـِـل ِ!

لا بـــارك الـلـهُ الــفــوادَ إذا ســـــلا
شعـباً على نار الـفجيعـةِ يصطلـــي!

قـايـضـتُ فـقــراً بـالـنـعـيـم ِتـرفـعـاً
فالخِـيـش أثوابي وزنـدي مغـزلـــي *

وَسَمَوتُ في بئري زمـانَ تساقطـتْ
زمرُ الضلال ِعلى الموائد ِمن عَـل ِ!

لا يـارعـاك ِاللهُ .. مـا ذَبـُـلَ الـفـتـى
لو كـانَ بـيـن ضلـوعهِ قـلـبٌ خلـي!

لا يــارعــاكِ اللهُ.. أذبـلـنـي الأسـى
والـبعـدُ عـن أرض ِالحـبـيـب ِالأول ِ

قاضـيـتُ دهــري فارتـأيـتُ لحكمــةٍ
شــدّ الـرّحـالِ وأن أفـارقَ مـوئــلـي

                     **

أخـتـاهُ مـا يُـبـكـيــك؟ كـان ِكـزهــرة ِ
مـنـديـلــكِ الــورديُّ غـيـرَ مُـبَـلـل ِ؟!

زَفَـرتْ.. وأحسبني رحقتُ زفـيـرَها
فـتـنـفـسـتْ روحي عـبـيـرَ قـرَنـْفـل ِ!

أخـتـاه : قد كشفَ الصُباحُ لـتكشفـي
عن صبح ِوجهِـك ِللـشـريـدِ المُـثكـل ِ!

                     ٭٭٭

كَـشَفَـتْ لترشفَ قهـوةً فـإذا الـدُّجـى
صبحٌ طريُّ الضوءِ غـضُّ المـنهـل ِ!

وجــهٌ يـفـيـضُ عليـه نـهـرُ أنـوثــةٍ
ونـسـيـمُ غـابـاتٍ وشـقـرةُ سـنـبــل ِ!

صـافٍ كـمـرآة ِالـصـبـاح ِنـعـومـــة ً
ويكـاد يجـرحُه الـوشـاحُ المخمـلــي!

ضَـجَّ العـبـيـرُ بـه فـَحــطـّم دورقـــاً
 للطيـبِ من تحت ِالحجاب ِالمسـدل ِ!

وتـراقـص الـفـنجـانُ بـيـن أصـابـع ٍ
 شـمـعـيــةِ الأطـرافِ لا كـالأنـمــل ِ!

بالله ِيـا هــذا الـمُـضَـيّــفُ لحـظــــة ً
زِدْنـي ولا تـبـخـلْ عـلـيّ.. فـأجْـمِــل ِ

أنا لـن أخـضُّ يـدي.. سـأشـربُ دلـة ً
إنْ كنتَ في فـنجـانِهـا سـتـصـبُّ لـي!

                     *****

حسنـاءُ ياعـرسـاً تـنـاسـلَ فـي دمـي
أعـوامُـهــا العـشـرونَ لـمّـا تـكـمــل ِ

لا تـطـفـئـي قـنـديـل وجـهِـِك .. إنـني
عَـفُّ الـرﺅى و القلـب ِعـفُّ المِقْـوَل ِ

كيف اقـتحمـتِ ربـايَ وهـي منـيـعـة ٌ
فـدخـلـت ِاحـداقـي وكهــفَ تـأمُّـلـي؟

بالأمس ِحصّنـتُ الفـوادَ مـن الهـوى
ومـن الجمال.. فكـيـف لـم يـتحـمّـل ِ؟

خَتـَمَ الأسـى قلبـي وشـرفـة َمقـلـتـي
وطويـتُ من دهــر ٍلـسـانَ تغـزُّلـي!

حسنـاء: أشـرعتـي حـبيسـة َبحرِهـا
 فَـَخُـذي بهـا نحو الأمـان وأوْصلـي

شـدّي حـديثـك ِبالحـديـثِ وواصلـي
عـزفَ اللحـون ِبـلـثـغـة ٍ.. لا تبخلي

                     ***

هَـتـفَ الـمُضيّفُ : حانَ وقتُ هبوطِنا
فــكـأنـه أعــطـى إشــارةَ مـقــتـلـي !

قالتْ: أراكَ غـفـوتَ؟ قـلت بحسـرةٍ:
كيف المنامُ  وأنـتِ مـا أبقـيـتِ لـي؟!

أطـبـقـتُ أجـفـانـي عـلـيـكِ لأنـنـــي
أخشـى وداعَـكِ ياجمـيـلـة ُ فانـزلي!

حَزَمَـتْ حقائـبَهـا ولـم أحـزمْ سـوى
أوراقِ عـمـري في كتـابِ ترحُّـلـي!

مضتِ الجميلة َ تزدهـي بعـبـيـرِهـا
وأنـا ؟ رجـعـتُ إلـى رمـادِ تخـيُّـلـي!
      

22 / 5 / 1992

            

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق