(بحث في نقد النقد)
أعود الآن إلى القصيدتين اللتين تجاوزتهما وقتيا وهما : موشح : يا صبا جدّة ، وأيها البدر العسيري . ولاحظ أن القصيدتين تشتركان في سمة غير موجودة في النصوص الأخرى في ما يرتبط بالهوية الجنسية للمرسل والمرسل إليه في طرفي الخطاب الشعري . ففيهما يلعب الشاعر ببراعة مربكة على هذا الوتر الحسّاس فيبدأ الخطاب بصوت المذكر لينتقل إلى صوت الأنثى وبالعكس . وتتكرر معضلة الإلتباس التي تصعّد وقعها المضطرب اللغة ذاتها . ففي موشح : يا صبا جدّة يستقر في أذهاننا أن المتكلم متعادل الهوية أي أن الخطاب من الممكن أن تطلقه شفتا رجل أو امرأة على حدّ سواء :
يا صبا " جدّة " .. ضيّعتُ الصبا
وأضاعتني دروب السفرِ
كان لي حقل وقنديل ودار
وعلى غصني زهور وهزار
ثم أطفأ الليل النهار
أصحر الحقل .. ونهري نضبا
فإذا القيثار قبرُ الوترِ
وحتى من ناحية الرمزية اللغوية لا تسعفنا الكلمات المستخدمة في تحديد جنس المتكلم كما فعلنا في النصّين السابقين حيث اعتمدنا على الدلالات الرمزية اللغوية كما أعاد اكتشافها ووظّفها منهج التحليل النفسي وخصوصا في مراجعة التمثلات الرمزية في الأحلام ، والقصيدة حلم . لكن بعد خطوة قصيرة جدا تتكشف الملامح الأنثوية لصوت المتكلم من خلا النداء المباشر : يا حبيباً :
يا حبيبا كلما أدعوه صد
صعّر القلب وما صعّر خد
فالهوى ما بيننا جزر ومد
أفؤادي ؟ أم حبيبي كذبا
فحقولي كاذبات الشجرِ ؟
لكن الشاعر يثير في حقلنا الإدراكي ربكة شديدة ومباغتة حين يتحول مباشرة إلى الخطاب الذكوري وتصبح المخاطبة محبوبة هي " ليلى " الأثيرة على نفسه ، فيتساءل فورا :
ما ( لليلى ) تعبت من تعبي ؟
وحروفي هربت من كتبي ؟
فإذا أسألها لم تجب
إن عمري مثل مائ سكبا
فوق كثبان رمال القدر
ثم يعود مباشرة إلى الصوت الأنثوي حتى لتعتقد أن القصيدة هي حوار - وأعتقد أن هذه من سمات الموشح الأصيلة - بين عاشق ومعشوقته سوى أن للعاشق صوت ( دور ) واحد في حين تستولي العاشقة المُحبطة على الدور الأكبر :
ما الذي يجمع ماء الحلم ؟
لغتي يخذلها صمتُ فمي
فأرحني منكَ .. أو من سقمي
أعطني منك لهجرٍ سببا
ربما أطفيء جمر الضجرِ
تتكرر هذه المناوبة المربكة - وحتى الملغزة - في القصيدة الثانية " ايها البدر العسيري " حيث تجتمع خلطة عجيبة من استخدام الضمائر المعلنة و ( المستترة ) . فالقصيدة مكونة من مقطعين الأول منها " يُحكى " - والسمة السردية سمة أصيلة في المنجز الشعري للسماوي كما شخصت القرني ذلك بحق - بضمير المتكلم الذي لا نستطيع تحديد هويته الجنسية إلا إذا أخذنا هوية الشاعر بنظر الإعتبار وأنه الحاضر فعليا في ساحة النص :
أنا لا أعجب لو قِيل : على الأرض قمر
يتمشى
خطوُهُ يعزف موالا " عسيريا "
له دفء قناديل السمر
........................
أنا لا أعجب لو قيل :
هلالٌ ، كل يوم كان يكمل
يبزغ الصبح وعند الليل يأفل
فتمهّل
والبدر الذي يخاطبه السماوي هو رمز مؤنث في أغلب الحضارات واللغات في العالم عدا الحضارات العراقية القديمة التي تعامله كأنثى . والسماوي يخاطب القمر العسيري بهيئة المذكّر ، أي من موقع الأنثى ، لكن الأبيات الأخيرة أو التساؤلات الأخيرة ( البنية التساؤلية من السمات الأسلوبية الراسخة في المنجز الشعري للسماوي - راجع كتابنا السابق ) تخلط حدسنا بالضمائر ( المستترة ) حيث تشي اللغة المستخدمة بأفعالها ورموزها وطبيعة تساؤلاتها الجنسية ( الحسّية ) بأن هوية طرفي الخطاب أنثوية :
أيها البدر العسيري .. تمهّل
وأجبني عن سؤال :
عطرك المترَف قد أثمل روحي
أترى هل أنت مثلي
بعبيرٍ منك تثمل ؟
وإذا مشطت شعرا
وتعرّى جيدكَ المقمر من عقد ومخمل
أفلا ينهض في المرآة
بستان وجدول ؟
لكن - في القسم الثاني - تكون المهمة أكثر يسرا حيث تكشف اللغة بسهولة طبيعة هوية المتكلم من خلال " الأحوال " المستخدمة ، وإلا فإن الذكر والأنثى يتشاركان في تاء الفاعل التي يستخدمها الشاعر في الأفعال :
كنتُ كالضوء طليقا
ونديّا كالزنابق
تائها بين ضفافٍ وحدائق
لكن الإشكال يثور ثانية عندما يتحول العاشق إلى مخاطبة معشوقه بصيغة الأنثى بعد أن وجه لوعته وبث انسحاره طول المقطع الأول إلى معشوق مذكر :
لم أكن أعرف ما معنى الهوى
دفء اللقاء
ثم أبصرتكِ في ذات المساء
قلتُ : إن الليل عاشق
فلماذا أنتِ من دون النساء
سكب الليل على خديكِ أقداح أصيلٍ
وضياءً من قناديل السماء ؟
محاولة في التفسير النفسي لظاهرة الغزل المعاكس
--------------------------------------------------
فما معنى أن " يلعب " الشاعر هذه الأدوار المتنوعة في " نص " واحد ؟ ما هو السر الذي يدفعه إلى أن لا يكتفي بتلبس صوت وهوية الأنثى في نص ما ويخاطب محبوبا مذكرا ، ولكن يتلبس صوتين وهويتين : أنثوية وذكرية يخاطب فيهما معشوقا ذكرا ، ثم معشوقة أنثى في نص واحد ؟ . يجب أن نتفق أولا على حقيقة جوهرية وشديدة الحسم وهي أن الشاعر ليس " كاتب عرائض " " عرضحال " أو " عرضحالجي " كما يقال في الحياة اليومية ، يأتي المشتكي إليه ليجلس بجواره ويعرض أمامه معاناته ، فيقوم الشاعر بتصويرها بأمانة عالية وبصورة تعبيرية فنية مؤثرة إلى حد أن المشتكي يبدأ بالبكاء غير مصدّق أنه كان يتحمل كل هذا الضيم الذي صوره الكاتب / الشاعر مثلما تصوّر ذلك الطرفة الشعبية المعروفة !! كل ما يصوّره الشاعر لن يأتي إلا بعد أن ينفعل به ، وهناك آلاف المشاهد والحوادث التي يعيشها يوميا بلا أدنى تأثير في مشغله الشعري ( في روحه / في لاشعوره ) . مجسات لاشعور الشاعر تلتقط ما يحرك مؤشراتها .. ما يؤثر فيها ، وبصورة أدق ما يحرّك مكبوتاته ويلمس العقد الحساسة فيها ويهيجها . ولكن هناك أمر بالغ الأهمية لا يتسلح به الكثير من النقاد الذين لا يدركون مكونات البنية اللاشعورية للفرد البشري عموما وللشاعرخصوصا وترتبط بها استجابة الشاعر للتجارب التي تحرك مكبوتاته وتهيج رغباته وهي أن هناك ظلا أنثويا في شخصية الشاعر الرجل ( مثلما أن هناك ظلا ذكوريا في شخصية الشاعرة المرأة وسنركز على الرجل للتبسيط ولديمومة اتساق السياق ) . وقد تلمس الفكر الأسطوري هذه الحقيقة بصورة أولية حيث شاعت في الكثير من الأساطير تصورات توحي لنا بأن الإنسان الأول قد جمع في كيانه خصائص الجنسين . ويبدو هذا الإفتراض واضحا في مخلفات حضارية قديمة في بلدان عدة كالشرق الأوسط والصين وأفريقيا وغيرها من البلدان التي تُظهر بأن هذه شعوب هذه الحضارات قد جمعت الذكر ةالأنثى في هوية ثنائية وفي جسد واحد وعبدتها كآلهة لها . ولعل أقدم تجلياتها هي الآلهة ( عشتار ) التي عبدت في العراق القديم والتي صوّرت لها بعض مظاهر الرجولة والأنوثة في آن واحد . وقد جسدت الأساطير اليونانية القديمة فرضية ثنائية الجنس بشكل أدق وأكثر رومانسية وذلك بالأسطورة المعروفة بأسطورة " هرم أفروديتوس - hermoaphroditus " والذي كان إبنا للإلهة " هيرميس " والربة " أفروديت " ، وكان " هرم أفروديتس " جميلا جدا ، نصفه ذكر ونصفه أنثى . وطبقا للأسطورة فإن الحورية " سلمسيس " هي التي كانت سببا في " ثنائيته " حيث وقعت في حبه عندما كان ذكرا ، ومن فرط حبها له وخشيتها من فراقه فقد طلبت من الآلهة أن لا تُفرق عنه أبدا ، فاستجابت لها بأن جمعت بين الإثنين في جسد واحد . وقد خلد الأغريق مفهوم هذه الأسطورة في أعمالهم الفنية كالنحت وفي آدابهم . ومن ذلك ما أشار له " أفلاطون " في إحدى محاوراته " السمبوزيوم - symposium " بقوله : ( كان هنالك في الماضي ثلاثة أجناس لا جنسين كما هو الآن الذكر والأنثى . أما الثالث فقد اشترك بطبيعة الإثنين ثم اختفى غير أن الإسم قد بقي ) . ويقول أفلاطون على لسان " أرستونانيس " بأن الإنسان خلق خنثيا جنسيا ومزدوجا كليا ( له أربعة أيد ووجهان .. يدور على نفسه كالبرميل .. يرى أمامه وخلفه .. غير أن هذه القوة الخارقة لم ترض الآلهة وقضت بتكليف الإله " أبولو " أن يقطعه إلى نصفين فقام بالمهمة الجراحية ) ( علي كمال - الجنس والنفس ) . ( الإنسان الذي تحطم إلى إثنين يتألم ويموت . والخنثى ، المذكر والمؤنث معا ، أي الكامل ، يحيا حياة أبدية . ذلك هو " النمط الأولي " - حسب " يونغ " - الذي تنشأ منه قصص خرافية وكثير من أصناف الحب . وكل ذلك يتجسد في قصيدة " بودلير " المحزنة :
يا بنيّتي .. يا أختي
فكّري بـ عذوبة
الذهاب إلى هناك نعيش معا
نحب على مهل
نحب و نموت
في البلد الذي يشبهك
لنشرح هذا المقطع :
يا اختي ، الجزء المؤنث من ذاتي الذي أبحث عنه بحنين ، فكّري بـ العذوبة التي تملأ كياني إذا استطعت تحقيقك في ذاتي ، وإذا أصبحت على هذا النحو كاملا ... بمقدوري عندئذ أن أموت وأنا أحس بأنني خالد ومتألق كالإله ، فأعود إلى البلاد التي تشبه المرأة ، إلى اللاشعور السعيد ، إلى الأم الكبرى التي تغلّف إلى الأبد ) ( راجع كتاب المحلل الفرنسي " بيير داكو " - انتصارات التحليل النفسي ) . وحتى أسطورة الخليقة ( طرد جدنا آدم من الجنة ) يمكن أن يُنظر إليها من مقترب مماثل ولكن معاكس . فحواء قد خُلقت من ضلع آدم الأيسر ، بمعنى أنها أم أو أخت ( تعبير محارمي فرويديا ، ونموذج بدئي كأم كبرى حسب يونغ ) ، ويأتي الإنفصال ليمثل تمزق الشخصية الموحدة حتى أن آدم واقع حواء وكـنه لا يعرف صلته الحميمة بها . وهذا ما خشي منه السماوي وهو " ينرعب " بصورة مفرطة من مجرد التفكير بقبلة من حسناء " بندة " :
وعاتبني فمي : أيجوز قتلي
على عطشٍ .. وفي عيد اصومُ ؟
فدعني أستقي من نبع شهدٍ
ليعسل في دمي صاب صميمُ
وكدت أقول : لا نسكا ولكن
مخافة أن يُقال فم ذميمُ
وخشية أن تعيش فما طريدا
كـ " آدم " حين أغواه الرجيمُ
وتوصف الذكورة بأنها : فاعلة، نافذة، ثاقبة ، مخصِبة ، عدوانية ، عقلانية ، مفكّرة ، صلبة . في حين توصف الأنوثة بأنها : مرنة ، نَفوذ ، خصيب ، لاعقلانية ، حدسية ، عاطفية ، حنون ، وديعة ، حفيّة . وتنطوي كل شخصية إنسانية على صفات مذكرة وعلى صفات مؤنثة . فالرجل المتوازن يتصف معا بأنه فاعل ومرن ، عقلاني وحدسي ، صلب وحنون ، عدواني وحفيّ .. إلخ . والرجل يحتوي على ظل أنثوي - anima في شخصيته ، أي أنه ذو صفات مذكرة شعورية وذو صفات أنثوية لاشعورية ( الشخصية الأنثوية ) ، وتكون المرأة ذات صفات أنثوية شعورية وذات صفات مذكرة لاشعورية ( الشخصية المذكرة ) . ويتمطهر هذا الظل الأنثوي في صورة المرأة الفاتنة التي لا تقاوم ( القمر العسيري ) أو التي تستولي عليه وتضيّعه ( صبا نجد ) ، والأهم في ذلك أن هذا الظل قد يدفع الرجل الشاعر إلى البحث عن " التكامل " مع أنموذج ذكوري يحمل السمات الأنثوية ( يا بعيد الشرفات أو زرني خيالا عابرا ) ، هذا لكي نحسم معضلة التغزل بالأنثى في صيغة ضمير المذكر المخاطب أو الغائب ، ومعضلة " الغزل المعاكس " ( يا من عيناه تظلّلني ) حين يتلبس الشاعر الرجل مشاعر وصوت الأنثى . فكل هذه الأصوات هي اصوات أصيلة تفرضها البنية اللاشعورية للشاعر . وبالمناسبة فإن هذا الأمر ينطبق على فعل الناقد مع الحاجة لجهد استثنائي ، نقدي وتحليلي ،
التفسير النفسي .. تطبيق على سيكولوجية الناقد
------------------------------------------------
الناقد هو الآخر يمكن أن يقع تحت تأثيرات ظله الأنثوي ( أو الظل الذكوري بالنسبة للناقدة الأنثى ) . فبالنسبة للقصيدة الأخيرة ( يا من عيناه تظلّلني ) والتي وصفتها الناقدة القرني بأنها من نماذج الغزل المعاكس أي تغزّل المرأة بالرجل في نصوص موقعة بأسماء رجالية - ص 204 ) ، فإننا نجدها - أي الناقدة - تضعنا في مواجهة استنتاجات متناقضة . لنمضي مع النص منذ البداية لنكون صورة متسلسلة ومتناسقة تخدم استنتاجاتنا :
أمّي .. وشقيقاتي .. وأبي
سألوني عنك ، فلم أجبِ
نطقت عيناي ، وما نطقت
شفتي وحيائي شهّر بي
أطلبت يدي ؟ خذها فأنا
أسلمتك عيني.. لا هدبي
أي أن هذه الفتاة قد كشف خجلها ميلها نحو الرجل الذي تقدم لخطبتها من أهلها وهم يسألونها عنه كما هو معروف في مجتمعاتنا . وهي تحب رجلها حدّ أنها تقدم لها عينيها لا هدبها تعبيرا عن اقصى الحب . وتسلمها فؤادها الطفل :
وفؤادا طفلا كوثره
إبمان وأخلاق العرب
إلا أن القرني ترى - وهي محقة - أن هذه الإطلالة مفارقة لجو النص العام حيث تقول : ( إذ لا تتناسب جهارة الفخر في " إيمان وأخلاق العرب " مع وداعة الفؤاد " الطفل " في الشطر الأول ، ناهيك عن مفارقتها للغة الموقف إجمالا ، وكان من الأنسب أن يُقابل الشطر الأول بتصوير ينتهي بمفردة " الشغب " أو " الطرب " .. إلى غير ذلك من بدائل ، وقس على هذا قلق الصورة في : " كالنجمة في حضن السحب " ، ثم اصطباغها بنبرة العنف في :
أطلبت يدي ؟ يا من فمه
ويداه وخافقه طلبي
.. فهذه اللغة " المتنمرة " لا تلائم حداثة تجربة الساردة في التواصل مع الآخر / الرجل ، ولا موقف تغنيها الرومانسي الهامس ولكنها من خيانات إرث الشاعر ، بل من دلائل وفائه لذلك الإرث المتأصل نزفا وعزفا - ص 206 ) .
لقد كان إعلان الفتاة العاشقة المتيّمة بأنها منحت حبيبها فؤادا طفلا ترعرع على إيمان وأخلاق العرب ، أمرأً ينسجم مع شدة الخجل الذي جمّد التعبير على شفتيها ، ولم تُظهر هذه الفتاة أي مظهر من مظاهر النزق العشقي السلوكي الذي يتطلب أن يقوم الشاعر - كما تريد الناقدة - بإنهاء شطر البيت بمفردة تدل على الشغب أو الطرب .. فهي لم تندفع اندفاعة حسّية هوجاء تضفي جو الشغب على الموقف .. والشغب يختلف كثيرا عن الطرب .. لقد كانت في حالة نفسية طروب لا شغوب .. فهي فرحة " شرعا " بحبيب جاء يثبت صدق نواياه ويطلب يدها من أبيها . أما أن لغة هذا البيت مفارقة للغة الموقف إجمالا فهذا صحيح ، ولكن بصورة استباقية ، لأننا بعد هذا البيت ، وليس قبله ، نشعر بالتهاب مشاعر الفتاة العاشقة واحتدامها و " تنمّرها " :
يا من عيناه تظللني
إن سرتُ بأفياء الوصب
أتعبت خيالي يا حلما
أضناني ، يا حلو التعبِ
فمن هنا يبدأ " التنمر " العاطفي " .. وخصوصا حين تبدأ العاشقة بسرد قصتها مع صديقاتها وهن يشاهدن السلسلة الذهبية ذات الحرف الغريب معلقة في جيدها ( وقد سألت يحيى السماوي عن قصة هذه القصيدة فقال إنها عن فتاة تعلقت به أيام الدراسة الجامعية وكانت تضع في رقبتها سلسلة فيها الحرف " ياء " .. ) :
بالأمس رأيت صديقاتي
يهمسن فحاصرني غضبي
أبصرن الحرف على صدري
يزهو في السلسال الذهبي
سألوني عنه فقلت لهم :
" حرف " قد فرّ من الكتب
واختار الجيد له سطرا
وبساتين الصدر الرحب
وهذا هو التنمّر الحقيقي حين تحدث فتاة حديثة التجربة صويحباتها عن الحرف الذي استقر على سطور بساتين الصدر الرحب . ثم يأتي الإتساق الفني الرائع بين الصور التي تصف بها المتيّمة إنسحارها بـ " حرف " حبيبها وكيف أنها عندما تتعب من التحديق إليه وتغفو على حلم عذب فإن الصبح يلقيه على شعرها الأسود فيهفو مثل النجمة في حضن السحب .. فيلهو كالعصفور المنبهر بمرايا شهبها . هنا تتسق البنى الفضفاضة الهشة من حلم وذكرى كالبريق المتذبذب للنجمة وهي تحتضنها السحب وكترددات الضوء على مرايا الجسد .. وكبريق البياض القليل في حضن السواد الكثيف ( الحرف الذهبي المبهر في أحضان الشعر الغجري الأسود ) :
فإذا ما تعبت أحداقي
وغفوت على حلم عذب
ألقاه الصبح على شعري
كالنجمة في حضن السحب
يلهو ببراءة عصفور
منبهرا بمرايا شهبي
إنه قلق الصورة الفني .. المتناغم المحكم .. لكن المتناشز مع قلق عيننا النقدية النفسية .. هذه العين حين تخضع لأحكام واقعها النفسي / الشعري لا واقعها الموضوعي النقدي . هذا الواقع النفسي الذي يجعلنا كنقاد نعمّم ، في ردة فعل متحمسة وعنيفة ، استنتاجنا على كل إرث الشاعر الخياني : ( ولكنها من خيانات إرث الشاعر ، بل من دلائل وفائه لذلك الإرث المتأصل نزفا وعزفا - ص 206 ) ، ثم ، وبفعل الحقائق الشعرية / النفسية المستفزة التي أمسكنا بها ، نعود لنشهر عفة الشاعر و " بتوليته " : ( تتجلى هذه التي يستغني الشاعر بـ " قليلها " عن كثير الأخريات أبرز من كل محاولات الإستخفاء والإخفاء ، وأجمل من أن تُغض عن ألقها عين كل ذي حس ، هي متمثلة للشاعر بكل سبيل ، مطلة في أصدق وجدانياته التي تضمنتها دواوينه - بدءا من الديوان الثاني - حتى بلغ من طغيان وجودها درجة أن تستأثر بجل مادة ديوانه " قليلك لا كثيرهن " إذ كانت قبلة خمس عشرة قصيدة من قصائده الإحدى وعشرين ، وكان من بينها ما ينبيء عن انكشاف أمر تعلقه الأبدي بها / واحته الزهراء في مقابل التمظهر الآني للأخريات - ماريّا صاحبة المقهى المشار إليها في المبحث السابق مثلا - بحيث رُصدت بموقف الحبيب الآثر والأوحد والآجل - ص 208 ) .
حسين سرمك حسن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق