الخميس، 3 مارس 2011

وقفة مع قصيدة ( ياأولي الأمر )


وقفة مع قصيدة (يا أولي الأمر) للشاعر يحيى السماوي / علوان حسين
علوان حسين   
alwan_husanالسماوي يحيى مع كل قصيدة جديدة يُحيي لغة ً ويُشيدُ عمارة شعرية شاهقة من الذهب المصفى. يُعيدُ للقصيدة بهائها وزهوها لتقود ثورة وتُعلنُ العصيان وتنزل حافية ً إلى الشوارع وبكامل عدتها. من أمتلك اللغة يمتلك سر الإعجاز، هذا السر الذي حير عقول أهل البلاغة العرب في مكة وهم يصغون لبلاغة القرآن. لم أشأ مقارنة بلاغة السماوي ببلاغة القرآن فهذا يشكل خرقا للتابو، لكن التأمل في بلاغة لغة قصيدة السماوي التي وازنت مابين سلاسة اللغة وأشراقها من جهة وبلاغة وعمق المعنى ولم تضحِ بواحدة على حساب الأخرى سوف تستغرقه هذه البلاغة. لم يستعر السماوي لغته من المعاجم ولا كتب البلاغة بل إختار العبارات الأكثر شيوعا ً وتقريرية ولو جاءت هذه العبارات بيد غير خبيرة لوجدنا نصا ً باهتاً ولغة ً ناشفة فقيرة، لكن السماوي الشاعر المتمرس عرف كيف يصقل لغته ويُشذب عبارته ويهندسها ويبث فيها من روحه النارَ كي تتوهج. وظف الشاعر أو هيأ لنصه نبرة ً هي مزيج من السخرية والصراخ والعزف على وتر الألم والبؤس والحرمان مع إبراز نقيضه لدى الحاكم الغارق في الأبهة والترف والغطرسة، حسنا ً كل هذا الكلام نعرفه والمقالات الصحفية أتخمتنا بمثله ليس فيه ما يُدهشُ أو يُثيرُ. المدهش هي تلك اللمسة السحرية للشاعر التي حولت النثر العادي إلى شعر مصفى. المدهش هو قدرة الشاعر على تكثيف المعنى وتوصيله بهذا الجلال والجمال الذي يجعل من قصيدة سياسية ثقيلة الدم إلى قصيدة غنائية فائقة العذوبة. يبدو لي بأن الشاعر السماوي غير قلق ٍ من شكل القصيدة فهي تخرج كآهة ٍ عميقة من صدره، تطلع كنداء أو صرخة ممزقة، يترك لها حرية التدفق بعفوية كما يتدفق الماء في ساقية ثم يرسم لها بعد ذلك مجرى تنسابُ فيه رائقة ً تارة وأخرى في توتر وإصطخاب. هو المايسترو يوزع الأصوات على الآلات على وفق الهارموني. لا يدع الموسيقى تسير في فوضى، معلم هذا اليحيى وهو يرّقص اللغة ويبث فيها تيارا ً من نار داخلية تمنحها الطاقة والقدرة على التأثير وكأني به يستعيد مآثر الجواهري ليكون صوت الأمة لتعود عظيمة بشعره بعد إتكسار. هذا الشعر الذي ينبغي أن يُقرأُ كمزامير وآيات ٍ تتلى لينتصر الشعر على السيف والسجين على السياف.مع كل قصيدة للسماوي أشعر بأن السماء تمطر شعرا ً، شعر ٌ طالع ٌ من النايات، من شفافية الكلام إلى شفافية المعنى، شعر ٌ يُليقُ بالحياة والثوار والثورة، شعر ٌ يُنعشُ الروح ويُغريها في أن تحلم وأن تحلق وتطلب المستحيل. بعد الموت الجسدي للجواهري العظيم ورحيل محمود درويش المبكر ونزوع سعدي يوسف نحو صوفية ثورية وشعر أرستقراطي جمالي النزعة، شعر ٌ جميل ٌ كالموسيقى طالع من ذروة النعاس لا أثرَ فيه لصوت الناس ولا رائحة لعرق الجسد أو الجبين، سعدي الغارق في التأمل والحكمة وصفاء اللغة جلس على صفحة الماء يتأمل صورته تاركا ً ليحيى السماوي أن ينشد شعره للفقراء والعشاق والحالمين والثوار فطوبى للشاعر والناس به.
كاتب من العراق  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق