السبت، 26 مارس 2011

دراسة نصية تحليلية في قصيدة عمديني بنبضك


دراسة نصية تحليلية في قصيدة (عمديني بنبضك) * للشاعر يحيى السماوي / عصام شرتح
عصام شرتح   
دراسة في المحفزات الجمالية / والمؤولات الدلالية .. رؤى ومنظورات تحليلية دقيقة
 القصيدة:
طاعـنٌ بالـشـوق
وأنا في مقـتـبـل العـشـق..
صَمتُ مِـدادي
أقـوى من  حـشـرجـتـي..
أما تـقـرئـيـن  دمـوع قـلـبـي؟
           *
أنتِ لـسـتِ " نـيـرون "..
وأنا لــسـتُ " رومـا "..
لـمـاذا تُـحـرقـيـنـني
بـنـار الـصـدود؟
        *
لا تـخـشـيـهـنّ..
حين لاتـكـونـيـن مـعـي:
أكون أعـمى
ما لي وصـداحـهـنّ؟
أذنـايَ مـحـشـوّتـان بـصـدى
تـرانـيـمِـك
      *
مادام جـسـدُكِ
يـؤمـنُ بعـقـل أصابعـي
فـلـيـتهـمْـني العالـمُ بالـجـنـون!
شـفـتاي ـ لا الـبـسـاط الأحمـرُ ـ فرشـتهـمـا
لجـلالـةِ شــفـتـيـكِ..
فـتّـشـي عـينيّ
أهـدابُـهـمـا تـتـراقـصُ
على عـزف نـبـضي
     *
هـادئـة ً  كالـنـعـاس
تـنـسـابـيـن
فـي أهــوار قـلـبـي
كالـذي  يـشـرب الـمـاء بـشـوكـة:
ألـمْـلِـمُ
غـبارَ المـنـافـي الـعـالـقَ بـقـدمـيـك
لأصنع مـنـه وطـنـاً
       *
مـنـذ نـعـومـة حـزنـي
والـمنـافـي  تـقـلّـم أفـراحـي..
الـدربُ طـويـلٌ كآهـة..
والـزمـنُ قـصـيـرٌ كحـبـالِ شـمـسي..
يا كـاهِـنـتـي:
حـتّـامَ تحـمـلـني صـخـرةُ ســيـزيـف تحـتهـا؟
أما آن لجـبـلِ الـمـنـفـى
أن يـتـرجّـلَ عـن ظـهـري؟
        *
جِـديـنـي
إنْ لـم أكـن في غـابـة ظـنـونـي
فـفـي بـسـتـان يـقـيـنـك..
أدري لـن يـجـود عـليّ تـنّـورك بخـبـزه..
رمـادُ تـنّـورِكِ ولا خـبـزهن..
ودياني عـمـيـقـة
لـن تـمـلأهـا غـيـر أمـطـارك..
وشـسـاعة سـهـوبـي:
لا تـصـلـحُ
إلآ
لأعـشـابـك
    *
سـأرضى:
مـن حـديـقـة يـاسـمـيـنِـكِ
بـرائـحـةِ الـقـمـيـص..
من  شــفـتـيـك  بـالـرّنـيـم..
من فـضّـة  جـيـدِك  بالـنـدى ..
من سـاقـيـك بصدى عـزفـهـمـا على الـرصـيـف ..
من عـيـنـيـك بفُـضْـلـةِ كُـحـلِ الأجـفـان..
ومـن جـنّـتِـك بعـطـرِ الـتـفـاحـةِ الـمُحَـرّمـة!
        *
أسـفـيـنـةُ نـوح وجـهُــك؟
فـيـه زوجـانِ
مـن كـلِّ مـيـسـم ٍ  وتـويـجـة..!
لـن أضِـلّ طـريـقَ شـفـتـيـك
فـالـفـراشـاتُ دلـيـلـي
       *
طـوفـان عـبـيـرك
رمـانـي
على سـاحـل ســريـرك..
فـتـكـسّـرتْ موجـةُ شـهـقـاتي
قـبـلاتٍ
على  زنـبـق ِ ركـبـتـيـك
      *
كل أمطار السماء
لن تكفي لإطفاء حرائـقـي..
وحـده لـهـيـبــكِ  يـطـفئ نـيـراني ..
ألـغـيـر تـنـورِكِ حـمـلـتُ فـأسـي
مُـحـتـطِـبـا ً فـي الـغـابـةِ الـحـجـريّـةِ الأشـجـار؟
    *
أبإزمـيـلٍ مـن الـضـوء
نـحَـتَ الـلـهُ الـمـاءَ
فـكـان جـسـدك؟
جـسـدُك بـحـرٌ
يـداي سـواحـلـه..
كـتـابٌ
أتـصـفّـحُـهُ بـأجـفـانـي
وأتهجّاه بـالـقـبُـلات
        *
حـيـن سـقـطـتْ
تـفّـاحـة ُ صـدرِكِ فـي يـدي:
اكـتـشـفـتُ
جـاذبـيـة الـفـم لـلـيـاقـوت
فأدخـلـتْـنـي أرخـبـيـلَ جـنـائـنـك!
    *
الـوردُ
لا يـسـتـنـشـق عـطـرَه..
والـقـيثارة لاتـعـزفُ لـنـفـسـهـا
فاعذري فـمـي
حـيـن يكـرُّ عـلى شـفـتـيـكِ
    *
الـسـمــاءُ
زخّتْ  هـجـيـرا
فـطـفـحَـتِ الأرضُ سَــبَـخـا..
وحده مـطـرُك
أعـشـبَ مـفـازات أبجـديـتـي
نـاقـة  قـلـبـي
لا تُـحْــسِــنُ الـرّعـيَ
إلآ
فـي مـغـانـيـك..
(الـسـاعـة آتـيـةٌ  لا ريـبَ فـيـهـا)
سـاعـة  أحـدو بـقـوافـل سُـحُـبـك
نـحـو صـحـاراي
فأنـشُّ عـنـي بـعـصـا  ربـيـعـِـك
ذئـابَ خـريـفـي
   *
لـيـسـتِ الـريـحُ
ولـيـس الـجـزْرُ أو الـمـدُّ..
إنّـمـا:
لـؤلـؤ  أنـوثـتِـك
حـرّك الـمـاءَ الـرّاكـدَ
فـي
بـحـور شِـعـري
    *
فـي كتـاب قـلـبـي
كـلُّ الأسـمـاء مــنـصرفـة
إلآ إسـمـك..
فـهـو الـوحـيـدُ الـمـمـنـوعُ
مـن الـصّـرف!

التحليل النصي:
إن دراسة النص الأدبي / تحليلاً وتفكيكاً، يعني دراسة مثيرات العلائق اللغوية / والصوتية / والدلالية / والصرفية، وهذا يعني أن دراسة النص هي دراسة إجمالية لمجمل عناصر النص من لغة / ورموز / ودلالات / وأنساق لغوية / ومؤثرات صوتية ودلالية تتحكم في مسار النص / وبؤرة الرؤية / ومكمنها الفني، يقول الناقد علي جعفر العلاق مقولة نقدية مهمة حول الشكل الفني في القصيدة الحداثية تتضمن مايلي: " إن الشكل الشعري لا يستمد وجوده إلا من عناصر مادية تشكل المستوى المحسوس للنص: كلماته، صوره، إيقاعاته، صياغته اللغوية، إنه يمارس نشاطه في الطبقات المادية، ولا أقول الخارجية، للنص، بعيداً عن قراره العميق النائي، وبذلك فهو يختلف عن البناء الذي هو هندسة داخلية شديدة التخفي، تربط بين وحدات النص الشعري، وأنسجته، وتضعها جميعاً في اتجاه تتنامى فيه حتى نهاية القصيدة . إنه ثانياً، جهد تنظيمي يخطط لعناصر النص اتجاهها، وطريقة حركتها، ومستوى التفاعل بينها للوصول بها إلى أقصى تأثير ممكن ... وفي الوقت الذي يُفصح فيه الشكل عن نفسه على المستوى المادي للنص، فإن البناء لا يتوقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى إنجاز ما يدعوه رينيه ويليك: " الشكل الداخلي للنص "، هذا الشكل الذي يحتضن " الاتجاهات السايكولوجية  والفلسفية " وقد جُمِعت حول مركز واحد مفترض، أي أن البناء نشاط ينظم – بخفاء ممتع – عناصر النص، وحركته الداخلية معاً: جسد النص وما يتفجر عنه من حيوية روحية وجمالية ... " (1)
إن هذه الرؤية التي بلورها العلاق تدل على فهم عميق لأهمية الشكل الفني المعماري لبنية القصيدة، فهو الباث الدلالي لحقيقتها الشعورية، ويقول العلاق ما يلي: " إن النص الشعري شكلٌ قبل أي شيء آخر . ونحن حين نستقبل النص، فإننا لا نُؤخذ في المرحلة الأولى للتلقي، إلا بشكله أولاً .. أي أن القشعريرة الأولى التي تعترينا لا تنبعث، في الغالب، إلا من شكل النص، أو عناصره الشكلية الحسية، أما بناء النص فإن اكتشافه مهمة يصعب على التلقي الأول إنجازها دائماً، ولذلك، فإن كل قراءة لاحقة تظل اقتراباً من بنية النص / واختراقاً لظلمته البهيجة ... إن ما تبعثه القصيدة فينا من نشوى، أو قوة، أو أسى، لا يترشح إلا عن مستواها الشكلي، أولا، ومن خلال هذا الشكل بتفاصيله ومكوناته، تنجح القصيدة في إشاعة مناخها الجمالي والفكري في كيان المتلقي وتستدرجه، بعد ذلك إلى فضائها الداخلي / وشباكها الخادعة، أي إلى أبهة البناء الشعري، وبهائه الساطع " (2)
إن ما أورده العلاق يؤكد لنا أن بذرة جمال العمل الأدبي تكمن في شكله، وما يثير فينا هذا الشكل من لذة وإثارة في تلقيه، واستناداً إلى ذلك، فإننا في قراءتنا الأسلوبية لهذه القصيدة الموسومة بـ ] عمديني بنبضك [ سنقف على أهم هذه المثيرات التي تحفز هذا النص، وتزيد درجة شعريته، وفق مايلي:
أ – جمالية الصوت
ب – جمالية الكلمة
ج – جمالية التركيب
د – المناخ الجمالي العام للنص (جمالية التشكيل النصي)
إن هذه المثيرات التي ذكرناها تشكل محاور ارتكاز في تحليل جسدانية هذه القصيدة ومفاصلها المؤسسة لحركتها الداخلية، نظراً إلى تركيبها الجمالي / وسحرها الترنيمي الغزلي الذي ينساب بروحانية إبداعية تتأمل الجمال وتتلمسه في كل الاشياء، مبتدئين بجمالية النسق الشعري من أدنى مستوياته ممثلاً في (الصوت)، وصولاً إلى أعلى مستوياته ممثلاً في (التركيب)، وفق مايلي:

أ – جمالية الصوت:
إن لغة الشعر تفاعل أصوات / وتناغم كلمات / وتجربة عاطفية إنسانية مبثوثة، بزخم تأملي انفتاحي، وكلما تناغمت الأصوات والتحمت في السياق حلقت في مضمار الإثارة / والتحفيز الشعري، وإن أكثر القصائد إثارة هي تلك التي تتآلف أصواتها في حيز نسقي متناغم إلى أبعد المستويات، تقول الناقدة خلود ترمانيني، مايلي: " إن الصوت في الشعر يستمد خصائصه ودلالاته من مقدرة الشاعر على توظيفه في خدمة الفكرة التي يريد التعبير عنها، فالشاعر يتحكم – في أحايين كثيرة – بنبرة الصوت فيضغط على أصوات بعينها لأهداف نفسية، ودلالية، وإيقاعية، ومن هنا، يدخل النبر ضمن مجالات التناغم الصوتي " (1)
و إن الإيقاع الصوتي المتناغم – في قصائد السماوي – دليل أكيد على تفعيل الأنساق الصوتية لخلق ائتلافها، وكلما تعمق القارئ في مثيرات القصيدة على المستوى الصوتي، لاحظ إيقاعها الائتلافي المتناغم على مستوى قوافيها (الداخلية / والخارجية)، محققة نغمات موسيقية عذبة بين الكلمة وأختها في النسق الشعري، كما في التمازج الصوتي الائتلافي بين هذه الأنساق التالية:
طاعـنٌ بالـشـوق
وأنا في مقـتـبـل العـشـق..
صَمتُ مِـدادي
أقـوى من  حـشـرجـتـي..
أما تـقـرئـيـن  دمـوع قـلـبـي؟
أنتِ لـسـتِ " نـيـرون "..
وأنا لــسـتُ " رومـا "..
لـمـاذا تُـحـرقـيـنـني
بـنـار الـصـدود؟
لا تـخـشـيـهـنّ..
حين لاتـكـونـيـن مـعـي:
أكون أعـمى
ما لي وصـداحـهـنّ؟
أذنـايَ مـحـشـوّتـان بـصـدى
تـرانـيـمِـك
مادام جـسـدُكِ
يـؤمـنُ بعـقـل أصابعـي
فـلـيـتهـمْـني العالـمُ بالـجـنـون!
هنا، يعتمد الشاعر التآلف الصوتي بين إيقاعي (النفي / والاثبات)، لتحفيز المزاوجات الصوتية / والتناغم الإيقاعي الصوتي في التركيب، لإثارة القارئ بموسيقا الحروف / وتناغمها / وانسجامها في قوله: ] أنتِ لـسـتِ " نـيـرون ".. / وأنا لــسـتُ " رومـا ".. [، إن محفزات التناغم الصوتي تثير المشهد الغزلي / وتثبت إيقاع الذات وتوقها العاطفي، ففي كل كلمة تنساب إيقاعاتها الصوتية وفق منطق صوتي تأملي، على نحو كاشف عن مثيرات نفسية / دلالية عميقة، كما في قوله: " حين لاتـكـونـيـن مـعـي: / أكون أعـمى / ما لي وصـداحـهـنّ ؟ / أذنـايَ مـحـشـوّتـان بـصـدى / تـرانـيـمِـك "، إن هذا التمازج / والتآلف الصوتي بين الحروف يولد أنغاماً متآلفة بين العبارة والأخرى في نسقها الشعري، إذ تتناسب الأصوات فيما بينها محققة نوعاً من التناغم / والتضافر الصوتي، كما في التقفيات الداخلية التالية: " حشرجتي – قلبي – تحرقيني – أصابعي "، وهذا يقودنا إلى القول: إن التناغم الصوتي – في هذه القصيدة – يقود الحركات الصوتية / ويبلور تناغمها الجمالي، كما في قوله: "
لـيـسـتِ الـريـحُ
ولـيـس الـجـزْرُ أو الـمـدُّ..
إنّـمـا:
لـؤلـؤ  أنـوثـتِـك
حـرّك الـمـاءَ الـرّاكـدَ
فـي
بـحـور شِـعـري
فـي كتـاب قـلـبـي
كـلُّ الأسـمـاءِ مــنـصرفـة
إلآ إسـمـك..
فـهـو الـوحـيـدُ الـمـمـنـوعُ
مـن الـصّـرف!
إن إيقاع المزاوجة الصوتي بين التراكيب يحرك النسق الشعري، ويبث الإيحاءات الشعورية من خلال التناغم الصوتي بين (النفي / والإثبات) و(القوافي الداخلية / والخارجية)، محققاً تناغماً صوتياً / وموسقة إيقاعية تنساب من علاقة الكلمة بالكلمة، والجملة بالجملة، والحرف بالحرف، كما في قوله: " لـؤلـؤ  أنـوثـتِـك / حـرّك الـمـاءَ الـرّاكـدَ / فـي  بـحـور شِـعـري / فـي كتـاب قـلـبـي "، وهكذا، فإن الترانيم الصوتية التي تحققها القصيدة تجعلنا نؤكد على أهمية هذه المزاوجات في لغة الشعر، لتحفيز رؤيتها / ومسارها النصي، إذ إن السماوي يعي أهمية التناغمات الصوتية في نسج إيقاعات صوتية داخلية تزيد ألق العبارة / وتحلق بشعريتها ... تقول الناقدة خلود ترمانيني مايلي: " إن الصوت لا يحمل معنى بذاته، وإنما يعد الصوت أداة تساعد على التمييز بين الدلالات لا بسبب تفرده الصوتي، وإنما بفضل تواجده ضمن منظومة لغوية معينة، وبذلك فإن ترتيب الأصوات / وتوزيعها ودلالاتها لا يعد حكم قيمة مضمر بقدر ما يعد إشارات دالة بعمل السياق أولا / ودرجة استجابة القارئ ثانياً على تحديد مستوى الدلالة الصوتية التي تتجاوز المفهوم العرفي الواسع إلى البطانة الدلالية المتوارية فيما وراء الكلمات "، وهكذا، تؤدي الأصوات المتناغمة في قصيدته دوراً مهماً في تبيان الإيقاعات الغزلية بموسيقاها التآلفية على صعيد تناغم الأصوات / وائتلافها على مستوى الكلمات / وانسجامها لتصل إلى كامل العبارة / أو النسق اللغوي الشعري الذي يخطها .

ب – جمالية الكلمة:
إن الكلمة تشكل اللبنة الأولى في التشكيل النصي الأدبي، وكلما كانت الكلمة منسجمة متآلفة متضافرة في سياقها استطاعت أن تحقق الجملة الشعرية وظيفتها الأدبية، وإيحاءاتها الفنية الكاشفة، تقول الناقدة خلود ترمانيني مايلي: " تعد الكلمة أساس الشعر، ولكنها ليست كل شيء فيه، فهي تتفاعل مع المعنى والموسيقا، لتنتج في النهاية عملاً شعرياً متكاملا . والشاعر حين يجلس في ظلال الكلمات يستمد من فيء قوتها ما يغني تجربته، ويعطيها تدفقاً وثراءً . فهو يريد أن يعكس ما يدور في خلده من أفكار، وفي داخله من عواطف وانفعالات، لذلك فهو ينتقي من الكلمات ما يناسب حاله، ويؤثر في غيره، مراعياً في ذلك حسن إيراد الكلمات، وفق ترتيب منسق يقوم على الاستفادة من خصائص أصوات الكلمات، وتنوع حروفها، وتباين دلالتها، فالكلمات ليست رموزاً كتابية أو أحرفاً متلاصقة صماء، بل هي شحنات عاطفية فاعلة، تنتقل من الشاعر إلى المتلقي لا لتصف حاله فحسب، بل لتعتصر من روحه ما تصبه في أرواح المستمعين، وعلى هذا الأساس، يمتاح الشاعر من طاقات الكلمة الصوتية والدلالية، ليبدع من خلالها أجمل الألحان، ويصور أروع الصور، فينتج أعظم القصائد، وهذا يعني أن في الكلمة عنصرين هما: الصوت والمعنى، والربط بينهما يبدو صعباً للغاية، لأن وضع الكلمة نفسها في سياق جديد يعني اكتشاف معنى جديد يتجاوز الصورة المعجمية إلى الصورة السياقية بكل ما تحمله من إيحاءات جديدة / وإيقاعات صوتية يشي بها السياق الجديد " (3) .
و هذا يعني أن الكلمة – من منظور الترمانيني – جزء لا يتجزأ من الإيقاع الصوتي الوظيفي الذي يبلورها السياق ضمن القصيدة، فالكلمة الشعرية في سياقها تكتسب دلالات جديدة، بتضافرها نسقياً مع أجزاء التركيب، ومن يطلع على هذه القصيدة – بعمق – يلحظ أن تركيبها مثير للقارئ جمالياً، من حيث تآلف الأنساق / وتضافر الكلمات والجمل في سياقها على مستوياتها التعبيرية كلها، كما في قوله: "
شـفـتاي ـ لا الـبـسـاطُ  الأحمـرُ ـ فرشـتهـمـا
لجـلالـةِ شــفـتـيـكِ..
فـتّـشـي عـينيّ
أهـدابُـهـمـا تـتـراقـصُ
على عـزف نـبـضي
هـادئـة ً  كالـنـعـاس
تـنـسـابـيـن
فـي أهــوار قـلـبـي
كالـذي  يـشـرب الـمـاء بـشـوكـة:
ألـمْـلِـمُ
غـبارَ المـنـافـي الـعـالـقَ بـقـدمـيـك
لأصنع مـنـه وطـنـاً "
إن قارئ هذه القصيدة يلحظ تناغمها النسقي / وائتلافها على مستوى الكلمات، فالكلمة – في المقبوس السابق – مهندسة بإيقاعين: إيقاع دلالي مثير تكتسبه من خلال تضافرها النسقي ضمن السياق / وإيقاع صوتي مموسق منسجم والحالة الشعورية الغزلية المجسدة، ودليلنا على ذلك قوله: " فـتّـشـي عـينيّ / أهـدابُـهـمـا تـتـراقـصُ / على عـزف نـبـضي "، إن التشكيل اللغوي البليغ " عزف نبضي " يؤكد جمالية النسق الشعري / والحرفنة في بلورة النسق الشعري الجمالي المثير، لتكون لفظة " نبضي " بغاية الاقتصاد / والتناغم / والائتلاف التشكيلي مع لفظة " عزف "، وقد أدت هذه اللفظة – بدورها النسقي الفاعل – إلى لملمة جزئيات النسق الشعري / وتفعيله جمالياً من خلال صدى العبارة الغزلي التأملي الجمالي الذي فجرته هذه العبارة في نسقها الشعري، وهذا الأسلوب في التشكيل النصي يثير القارئ / ويحفزه جمالياً كما في قوله أيضاً: "
مـنـذ نـعـومـة حـزنـي
والـمنـافـي  تـقـلّـم أفـراحـي ..
الـدربُ طـويـلٌ كآهـة..
والـزمـنُ قـصـيـرٌ كحـبـالِ شـمـسي..
يا كـاهِـنـتـي:
حـتّـامَ تحـمـلـني صـخـرةُ ســيـزيـف تحـتهـا؟
أما آن لجـبـلِ الـمـنـفـى
أن يـتـرجّـلَ عـن ظـهـري؟
جِـديـنـي
إنْ لـم أكـن في غـابـة ظـنـونـي
فـفـي بـسـتـان يـقـيـنـك..
أدري لـن يـجـود عـليّ تـنّـورك بخـبـزه..
رمـادُ تـنّـورِكِ ولا خـبـزهن..
ودياني عـمـيـقـة
لـن تـمـلأهـا غـيـر أمـطـارك.. "
إن اختيار الكلمات – في النسق الشعري السابق – يعتمد على تقريب دلالات الكلمات، لتبين حجم الرؤية الفنية المطروحة من خلال الجدل الفني بين المتضادات، لعكس حركة نسقية تفاعلية، تزيد إثارة المشهد الغزلي / وتكشف عن عمق المعاناة / وصخبها الوجودي في عالمة الاغترابي القلق، فما أجمل هذا التضاد اللغوي الأسلوبي في توظيف الكلمات في نسق شعري مبتكر، كما في قوله: " جِـديـنـي / إنْ لـم أكـن في غـابـة ظـنـونـي / فـفـي بـسـتـان  يـقـيـنـك.. "، لقد وظف الشاعر النسق الشعري التضادي بين قوله: ] ظنوني / يقينك [ و] غابة / بستان [ ، مفعلاً درجة اختياره الفني في التقاط الكلمات المتفاعلة ضمن نسقها، وهذا الأسلوب الذي يخلقه الشاعر بين التراكيب يعزز فاعلية الكلمة والجملة على التعبير، مما يجعل جمله الشعرية ضمن نسق هذه القصيدة – تحديداً -  بغاية التحفيز / والتشعير الرومانسي / والكثافة العاطفية، وهكذا، يتبدى لنا أن اختيار السماوي لكلماته الشعرية اختياراً فنياً، قائماً على حساسية شعورية مرهفة في توظيف الكلمة / وشحنها بحمولات دلالية جديدة مع كل نسق تشكيلي يبتكره في نصوصه الشعرية .

ج – جمالية التركيب:
إن القيمة في الأعمال الأدبية تكمن في حسن اختيار الكلمات / وتنسيقها ضمن النسق الشعري، وهذه القيمة ترجع إلى براعة التركيب، وقدرة التشكيل الشعري على الابتكار اللغوي بأنساق جمالية تحفز العبارات، وتزيد بؤرتها الدلالية، تقول الناقدة خلود ترمانيني: " تتألف الجملة من مجموعة كلمات، تم تركيبها على نحو معين، وهذا التركيب يقوم على عملية إسنادية بين اسمين في حال الإسناد الاسمي، وبين فعل واسم في حال الإسناد الفعلي، وعلى هذا، فلغة الشعر تتطلب نمطاً معيناً من القول، وإن كانت لا تتطلب مفردات خاصة، ولذلك، فإنها تصل إلى أرقى الدرجات من خلال استخدام الشاعر جميع وسائل التركيب الممكنة، وههنا تعتمد جمالية الأسلوب على طريقة تشكيل المفردات في جمل تدخل في سياق يفصله الشاعر في أثناء عملية الإبداع الشعري " (4).
و تكمن جمالية الإيقاعات التشكيلية – في هذه القصيدة – بتآلف تراكيبها / وانسجامها على المستوى الفني، إذ تبدو أنساقه التشكيلية مفاجئة في حركتها التشكيلية، مثيرة في اقتناص الرؤى المجسدة ذات النسج اللغوي المبتكر / والإيحاء الشاعري الجميل، كما في قوله: "
سـأرضى:
مـن حـديـقـة يـاسـمـيـنِـكِ
بـرائـحـةِ الـقـمـيـص..
من  شــفـتـيـك  بـالـرّنـيـم..
من فـضّـة  جـيـدِكِ بالـنـدى ..
من سـاقـيـك بصدى عـزفـهـمـا على الـرصـيـف ..
من عـيـنـيـك بفُـضْـلـةِ كُـحـلِ الأجـفـان..
ومـن جـنّـتِـك بعـطـرِ الـتـفـاحـةِ الـمُحَـرّمـة!
أسـفـيـنـةُ نـوحٍ وجـهُــك؟
فـيـه زوجـانِ
مـن كـلِّ مـيـسـمٍ وتـويـجـة..!
لـن أضِـلّ طـريـقَ شـفـتـيـك
فـالـفـراشـاتُ دلـيـلـي
طـوفـان عـبـيـرك
رمـانـي
على سـاحـل ســريـرك..
فـتـكـسّـرتْ موجـةُ شـهـقـاتي
قـبـلاتٍ
على  زنـبـقِ ركـبـتـيـك
كل أمطار السماء
لن تكفي لإطفاء حرائـقـي..
وحـده لـهـيـبــكِ  يـطـفئ نـيـراني.. "
إن ما يميز هذه الدفقة الشعرية جمالية الانزياحات / والتشكيلات اللغوية التي أتت فاعلة في تحريك المشهد الغزلي، بكل حرارة الشعور / واتقاد العاطفة، ونذكر من هذه الانزياحات اللغوية المثيرة مايلي: ] فضة جيدك – طوفان عبيرك – ساحل  سريرك – موجة شهقاتي – زنبق ركبتيك [، إن هذه الانزياحات التركيبية، فعلت الموقف الشعوري الغزلي، وأضفت على التركيب حركة نسقية فاعلة في تحفيز الرؤى الغزلية وتكثيفها، فكل تشكيلة لغوية - من الأنساق السابقة – أدت دورها الفني الجمالي في التعبير عن داخله الشعوري بحس غزلي رهيف، وإن اعتمد الصنعة الشعرية أو لنقل: النمنمات التشكيلية الأنيقة في صياغة الجمل إلآ أنها جاءت في سياقها متفاعلة على صعيد العمق / والإيحاء / والبث الشعوري العاطفي، وهذا الأسلوب التشكيلي هو الذي يثير القارئ دون أدنى شك، نظراً إلى بكارة الاستعارات / وعمق الانزياحات التي لم تؤدِ دور الحافز الشعوري فحسب، وإنما أدت دور المولد الإيحائي لتفجير الدلالات وتكثيفها في نسقها الشعري لتكشف عن عمق معاناة الشاعر العاطفية وتوقه الغزلي، كما في قوله: " سـأرضى: مـن حـديـقـة يـاسـمـيـنِـكِ / بـرائـحـةِ الـقـمـيـص..  / من  شــفـتـيـك  بـالـرّنـيـم.. / من فـضّـة  جـيـدِكِ بالـنـدى .. "، إن هذه التراكيب والانزياحات التشكيلية، وإن بدا عليها طابع الاصطناع / والأدلجة التصويرية، فإنها حلقت جمالياً في ميدان إثارة الدفقة الغزلية المبثوثة بحرارة العاطفة، إذ أضفت على الإيقاع الغزلي طابعاً تأملياً مفتوحاً يشي بالتأمل / والتآلف / والانسجام .
و ما يميز هذا الأسلوب التشكيلي الذي يعتمد بداعة التشكيلات اللغوية / وانزياحاتها الشعرية المرهفة قدرتها على استقطاب الصور العاطفية التي تثير القارئ بالمشهد الغزلي الشاعري المرهف كما في قوله: "
ألـغـيـر تـنـورِكِ حـمـلـتُ فـأسـي
مُـحـتـطِـبـا ً فـي الـغـابـةِ الـحـجـريّـةِ الأشـجـار؟
أبإزمـيـلٍ مـن الـضـوء
نـحَـتَ الـلـهُ الـمـاءَ
فـكـان جـسـدك؟
جـسـدُك بـحـرٌ
يـداي سـواحـلـه..
كـتـابٌ
أتـصـفّـحُـهُ بـأجـفـانـي
وأتهجّاه بـالـقـبُـلات
حـيـن سـقـطـتْ
تـفّـاحـةُ  صـدرِكِ فـي يـدي:
اكـتـشـفـتُ
جـاذبـيـة  الـفـمِ لـلـيـاقـوت "
إن هذا النسق الغزلي الذي يشكله الشاعر، جاء منساباً مع حجم التشكيل الفني / و الاستقطاب التأملي / والاستغراق الجمالي / فالشاعر مغرم – في هذه القصيدة – بابتداع لغة شعرية جديدة، وتراكيب لغوية مبتكرة في نسقها التشكيلي لتشي بحجم الحس التأملي الذي يصل إليه في صوره وتراكيبه، إذ إن القارئ يلحظ تعمد السماوي المفرط في بلورة تشكيلاته اللغوية الغير مسبوقة، في إطار الغزل، من خلال ابتداع سلسلة من الانزياحات التعبيرية التي ولدت حركة نسقية إيقاعية حفزت العبارة على التميز / وحفزت الرؤية على التمركز صوب مؤولة الغزل / بكل ما تحمله هذه الكلمة من تدفق عاطفي شمولي يتسع لمدلول الذات وأنينها وتوقها الغرامي وجراحها في العشق والغزل، وهذا الأسلوب تنوع من جملة لأخرى، حيث باتت ثورته اللغوية ظاهرة في ميدان ابتداع الصور الجديدة ذات الزخم العاطفي / والترسيم الجمالي، كما في قوله في هذا المقبوس: "
الـوردُ
لا يـسـتـنـشـق عـطـرَه..
والـقـيثارة لاتـعـزفُ لـنـفـسـهـا
فاعذري فـمـي
حـيـن يكـرُّ عـلى شـفـتـيـكِ
الـسـمــاءُ
زخّـت هـجـيـرا
فـطـفـحَـتِ الأرضُ سَــبَـخـا ..
وحده مـطـرُك
أعـشـبَ مـفـازات أبجـديـتـي "
إن هذه اللغة الانسيابية يتبدى فيها إيقاعان متنافران / متجاذبان دلالياً: إيقاع الصنعة الشعرية أو ما يسمى (الحرفنة النسقية في التشكيل)، / وإيقاع البساطة والسلاسة اللغوية / (إيقاع التدفق العاطفي) أو ما يسمى (الإيقاع الفطري في التشكيل)، إذ اجتمعت في هذه القصيدة ] الصنعة الشعرية مضافاً إليها الرهافة الشعورية [ / والبلورة النسقية في إسناد الجمل / وربط أواصر الرؤى / وابتكار الدلالات، فجاءت القصيدة مزيجاً من الإيقاعين التشكيليين معاً، فهي ليست صنعة بالكامل / وليست فطرية انسيابية بالكامل، فقد اعتمد السماوي الإيقاعين معاً في بلورة نسق شعري غزلي مثير على صعيد اللغة / وعلى صعيد الإيقاع / وعلى صعيد القوافي الداخلية ومجانساتها الصوتية / وممازجاتها النسقية ضمن الفقرات أو التشكيلات الوصفية أو الإضافية، ولئن حاول القارئ أن يتلمس مثيرات هذا النسق التشكيلي بين الإيقاعين لتبدى له أن كليهما جاء مكملاً للآخر، في بلورة / وحياكة مثل هذا النسق الشعري الغزلي الذي وإن غلبت عليه الصنعة فإنه ينساب برقة بالغة لا تخفي وراءها حساً وتأملاً وثورة روحانية عميقة فحسب، وإنما تخفي أيضاً فناً شعرياً في تشكيل الجملة لتعتصر الدلالات عصراً من بوتقة الجراح والمكابدة الغرامية، لترقى أعلى مستويات الإثارة الشعرية / والتحفيز الجمالي .
و اللافت أن التحفيز الجمالي الانزياحي في الإسناد قد ولد حركة جمالية نسقية فاعلة تبدت – بداية - من دفقة الاستهلال، وامتدت إلى النسق الشعري النصي بالكامل، وفق سلسلة مترابطة من الجمل العاطفية الشعرية التي فتحت آفاق الرؤية / وعمقت المنظور / والتأمل الغزلي الشفيف، كما في قوله: "
طاعـنٌ بالـشـوق
وأنا في مقـتـبـل العـشـق..
صَمتُ مِـدادي
أقـوى من  حـشـرجـتـي..
أما تـقـرئـيـن  دمـوع قـلـبـي؟ "
إن هذا التدفق الإنسيابي أضفى على الحركة النسقية الشعرية طابعاً إيقاعياً رهيفاً ينساب من ألق الروح الغزلية / وعمق مدادها التأملي الوجودي بمثيرات الأنثى، لهذا، جاءت هذه الدفقة معبرة عن حجم الاحتراق العاطفي / والشعور الغزلي المصطهج بالألم، والمكابدة، والمعاناة، والتأمل كما في قوله: " أما تـقـرئـيـن  دمـوع قـلـبـي ؟ "، ثم يباغتنا بالأنساق الغزلية الأخرى التي جاءت بغاية الإثارة / والانزياح التركيبي المفاجئ، كما في قوله: "
تـنـسـابـيـن
فـي أهــوار قـلـبـي
كالـذي  يـشـرب الـمـاء بـشـوكـة:
ألـمْـلِـمُ
غـبارَ المـنـافـي الـعـالـقَ بـقـدمـيـك
لأصنع مـنـه وطـنـاً
مـنـذ نـعـومـة حـزنـي
والـمنـافـي  تـقـلّـم أفـراحـي..
الـدربُ طـويـلٌ كآهـة..
والـزمـنُ قـصـيـرٌ كحـبـالِ شـمـسي.. "
إن هذه التشكيلات اللغوية المبتكرة / أو المفاجئة عبرت – بعمق – عن إحساس الشاعر الاغترابي، فبدت الأنثى في مسار القصيدة ذات دلالات متعددة / ورموز متجددة، فهي أنثى الروح / وأنثى الوجود / وأنثى الذات / وأنثى الوطن / وأنثى الأرض / والأنثى الخارقة التي تخلق الجمال / وتبث الحياة في الأشياء، فالأنثى – في هذه القصيدة – هي أنثى الوطن الذي يأوي إليه في لحظات الأسى، والحزن، وجراح الاغتراب، إنها التدفق الذي يقوده إلى الإحساس بالحياة، فهي المثير الوحيد للوجود / وهي الدافع له للإحساس بوجوده في هذا العالم الأنوي الذي تطمس فيه الأنا في خضم المتغيرات والمآسي الوجودية، لهذا تمثل له الأنثى الكيان الوجودي الذي يدفعه للحياة ويؤنسه في لحظات الأسى والاغتراب، وهذا ما تبدى في قوله: " ألـمْـلِـمُ  غـبارَ المـنـافـي الـعـالـقَ بـقـدمـيـك / لأصنع مـنـه وطـنـاً "، فالأنثى تمثل له الوطن بكل ما تتضمنه هذه الكلمة من دلالات وإيحاءات، إن الوجود الخفي الذي يمده بالقوة والثبات والاستمرار على المضي قدماً للحاق بركب الحضارة السريع .
و قد مزج الشاعر - في هذه القصيدة – المثيرات الغزلية / بالمؤثرات الميثيولوجية (الأسطورية)، مشعرناً هذه الحالة الغزلية بألق اللحظة العاطفية العميقة، والإحساس التأملي الأسطوري بمعاناته / وجراح اغترابه، قائلاً: "
يا كـاهِـنـتـي:
حـتّـامَ تحـمـلـني صـخـرةُ ســيـزيـف تحـتهـا؟
أما آن لجـبـلِ الـمـنـفـى
أن يـتـرجّـلَ عـن ظـهـري؟ "
إن هذا التأثر المثيولوجي (الأسطوري) في بث حالته الاغترابية دليل على إحساسه الحزين الذي يخفي وراءه مرارة / وجراحاً عميقة في منفاه الوجودي، وما قوله: " أما آن لجـبـلِ الـمـنـفـى / أن يـتـرجّـلَ عـن ظـهـري؟ "، إلآ دلالة على وجاعة الاغتراب / وثقله على نفسه، لدرجة أنه ينوء بحمله .
و قد عمق الشاعر مثيرات القصيدة بطابعها الغزلي، جامعاً فيها بين إيقاعين: إيقاع عاطفي شفيف / وإيقاع اغترابي حزين، محاولاً التعويض عن الوطن بالأنثى التي تمثل له السكن المريح والحضن الآمن، كما في قوله: " جِـديـنـي
إنْ لـم أكـن في غـابـة ظـنـونـي
فـفـي بـسـتـان يـقـيـنـك..
أدري لـن يـجـود عـليّ تـنّـورك بخـبـزه..
رمـادُ تـنّـورِكِ ولا خـبـزهن ..
ودياني عـمـيـقـة
لـن تـمـلأهـا غـيـر أمـطـارك..
وشـسـاعة سـهـوبـي: "
إن هذا النسق الغزلي يؤكد أن الأنثى – لديه – تمثل له الحياة بصخبها / وحركتها / وازدهارها / وتناميها الجمالي، فهي التي توقد في نفسه تنور الحياة / وهي التي – برذاذ أمطارها – تمنحه قطرات النعم / وبريق الحياة، إن هذا النسق الغزلي يعتمد على ابتداع الصور ذات المدى الغزلي المفتوح الذي يشي بحركة داخلية عميقة بمثل هذه التشكيلات التي تعبر عن عمق حالته الغرامية أو عمق تأملاته في اللحظات الغرامية الماضية التي تركت بصمة على روحه وفؤاده فترة طويلة من الزمن، فكل جملة من جمل هذه القصيدة تؤكد تمرسه الفني في صياغة مثل هذه الأنساق التشكيلية الجمالية التي ترفع سوية القصيدة إلى درجة شاعرية عظيمة وهذا ما سنلحظه في تحليلنا لجو هذه القصيدة / ومناخها النصي العام .

د – المناخ الجمالي العام للنص (جمالية التشكيل النصي):
إن قارئ هذه القصيدة لا يخفى عليه جمالية تشكيلها النصي، من خلال تفعيلها للأنساق اللغوية / والأشكال البصرية في التشكيل، وهذا الأسلوب في الصياغة – بتفاوت الأسطر الشعرية بصرياً – يمنحها ألقها الفني / وزخمها الدلالي / وبثها للحالة الشعورية المجسدة، بموجات صوتية تطول وتقصر، تمتد أو تتقلص، تبعاً لزخم الانفعال / وترسيم الحالة الشعورية المتدفقة المبثوثة بنفثات شعورية عميقة، انظر إلى جمالية البناء النصي في قوله: "
نـاقـةُ قـلـبـي
لا تُـحْــسِــنُ الـرّعـيَ
إلآ
فـي مـغـانـيـك..
(الـسـاعـة آتـيـة لا ريـبَ فـيـهـا)
سـاعـة  أحـدو بـقـوافـل سُـحُـبـك
نـحـو صـحـاراي
فأنـشُّ عـنـي بـعـصـا  ربـيـعـِـك
ذئـابَ خـريـفـي
لـيـسـتِ الـريـحُ
ولـيـس الـجـزْرُ أو الـمـدُّ..
إنّـمـا:
لـؤلـؤ  أنـوثـتِـك
حـرّك الـمـاءَ الـرّاكـدَ
فـي
بـحـور شِـعـري
فـي كتـاب قـلـبـي
كـلُّ الأسـمـاء مــنـصرفـة
إلآ إسـمـك..
فـهـو الـوحـيـدُ الـمـمـنـوعُ
مـن الـصّـرف! "
إن قارئ هذه الأسطر لا يخفى عليه مثيرات تشكيلاته اللغوية / وهندستها التشكيلية المعمارية، التي تمتد بأسطر شعرية متفاوتة بصرياً، تبعاً للموجات الصوتية التي يبثها الشاعر في نفثاته الشعورية العاطفية الغزلية، ذات الومض العاطفي / والإتقاد الشعوري العميق، كما في قوله: "
لـؤلـؤ  أنـوثـتِـك
حـرّك الـمـاءَ الـرّاكـدَ
فـي
بـحـور شِـعـري "
إن هذا الحراك البصري في اقتناص العبارة / وتفعيلها النسقي يشي بمهارة تشكيلية نسقية بالغة / وقدرة فائقة على التلاعب بالسياقات الشعرية على اختلاف أنساقها / وتموضعاتها التشكيلية، ليبث الشاعر ما يريد بكل زخم اللحظة الشعورية / وحرارتها العاطفية المتقدة، وبذلك، تختلف الأسطر الشعرية في امتدادها النسقي (طولاً / أو قصراً)، تبعاً للموجات الصوتية التي يبثها في بنية التراكيب، من موجة قصيرة إلى موجة طويلة تعبر باستقصاء عن لحظات التوتر العاطفية القصوى التي يصل إليها في التشكيل / والتركيب الشعري، كما في قوله: "
نـاقـة قـلـبـي
لا تُـحْــسِــنُ الـرّعـيَ
إلآ
فـي مـغـانـيـك..
(الـسـاعـة آتـيـة لا ريـبَ فـيـهـا)
سـاعـة أحـدو بـقـوافـل سُـحُـبـك
نـحـو صـحـاراي
فأنـشُّ عـنـي بـعـصـا  ربـيـعـِـك
ذئـابَ خـريـفـي "
إن هذا التآلف النسقي التشكيلي بين الأسطر الشعرية / والمقبوس القرآني المضمن في النسق الغزلي يشي بحالة من المهارة / والابتكار في توظيف المثيرات التراثية بما في ذلك آيات الذكر الحكيم، ليغدو النص مفعَّلاً بصرياً بفواصل قرآنية تؤكد المهارة النسقية في ابتداع التشكيلات المناسبة حتى المضمنة من نصوص سابقة، ويعد هذا الأسلوب في التشكيل من مثيرات قصائد السماوي الشعرية، وهذه القصيدة بالتحديد، إذ يلجأ فيها الشاعر إلى تعزيز بنائها الفني بالتضمينات اللغوية / والاقتباسات التراثية التي تزيد درجة نصوصه فاعلية وقدرة على التحفيز الجمالي، ومن هنا: نلحظ أن جمالية البناء الشعري - في هذه القصيدة – هي جمالية معمارية في طريقة التشكيل النصي / البصري في اتخاذ شكلها الفضائي على الصفحة الشعرية، لتعبر عن حراك الذات / وتوترها / ولحظات اغترابها من خلال نسج القصيدة نسجاً هندسياً فضائياً معيناً، لتتخذ هذا الشكل الذي يعبر عن مسارها الدلالي بوضوح واقتصاد لغوي، يرصد توتر الذات ولحظات اغترابها القصوى .
* نتيجة أخيرة  :
إن قصيدة (عمديني بنبضك) تمتاز بابتكاراتها اللغوية / وجوها الغزلي المثير الذي يسير فيه الشاعر مسارين: أ – مسار غزلي يمتد إلى نهاية القصيدة . ب – مسار اغترابي متداخل في ثناياها، وهذا الأسلوب في التشكيل الشعري قد أضفى على القصيدة طابعاً جمالياً في التشكيل الشعري، إذ حاول الشاعر خلق لغة شعرية عميقة أو لنقل: خلق لغة شعرية جديدة مبتكرة تفوق ما صنعته لغته الشعرية من سابق، من حيث عمق التأمل / وبداعة العوالم التخييلية التي يرتادها / ودرجة انفتاحها النصي، وقد وفق الشاعر – تماماً – في نقل هذه الحالة الشعورية الغزلية المثيرة ببناءٍ نصي جمالي يؤكد أن عالم القصيدة – عند السماوي – عالم فضائي معماري مثير، يشكله بأنفاسه /  وتأملاته الشعرية / وزخم انفعالاته الداخلية، لا يشكله بالكلمات فحسب، وإنما يشكل الكلمات تبعاً لأنفاسه / وتأملاته الشعورية، ولهذا، بثت هذه القصيدة نفثاتها العاطفية باكتناز جمالي / وابتكار لغوي جعلها مثيرة إلى أبعد الدرجات، وهذه السمة هي سمة النصوص الشاعرية المشرقة التي يرقى بلغتها الشاعر ورؤيتها إلى مسار جمالي إبداعي جديد على الدوام ... وإن هذه القصيدة تشكل لمحة جمالية تبصم على أرواحنا وأفئدتنا في آن معاً، لتخلد في أذهاننا كخلود الأدب / والشعر العظيم .
** ناقد أكاديمي سوري

..............................
هوامش
* فصل من كتاب (آفاق الشعرية ... دراسة في شعر يحيى السماوي) قيد الطباعة حاليا
 (1) – العلاق، علي جعفر، 2007 – هذه الغابة فأين الأشجار، دار الأزمنة الأردن، ص 65 .
(2) – المرجع نفسه، ص 65 – 66 .
(3) – ترمانيني، خلود، 2004 – الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، أطروحة دوكتوراه جامعة حلب، مخطوطة، ص 69 .
(4) – المرجع نفسه، ص 70 .
(5) – المرجع نفسه، ص 96 .
 
............................





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق