| سماويّات (8) مصائد اللاشعور الماكرة .. بحث في نقد النقد / حسين سرمك حسن |
| د. حسين سرمك حسن |
| تقول الناقدة القرني: (إن تغليبي لزيف مغامرات "السماوي" الغزلية، أو للجامع الحسي في فصولها يرجحه ندرة وجودها في شعره الذي كتبه في أديلايد / أستراليا بعد أن استقر هناك، مع أن طبيعة البيئة تناقض تماما ما كان عليه حاله في حجاز السعودية، بل إن حكاياته الغزلية كانت هنا / أي في الحجاز أجرأ وأظهر شغبا وطرافة، ولعل ما سبق من نصوص خير شاهد على ذلك، أما استثناءات منفاه الغربي الغزلية التي تتجلى التي تتجلى فيها المرأة آنا، فبين يدي نصان كلاهما يبرز " المقهى " الخلفية المكانية لميلاده – القرني، ص 198) . وحين نحاول توكيد " عذرية " الشاعر في سلوكه العاطفي والجنسي، فنحن، ومن جديد، سنوقع أنفسنا في معضلة موازاة الحقيقة الشعرية وهي حقيقة نفسية مع الحقيقة الموضوعية أولا، وتخطف، ثانيا، ولو سريعة، اشباح قصدية التبرير النقدي في تطهير الشاعر متسقة مع السياق التحليلي السابق الذي قدمناه . كما أنها، ثالثا، تحيلنا إلى صلة ما هو ذاتي بما هو موضوعي في عمل الناقد . يقودنا العامل الأخير إلى حقيقة مقدار الضرر الفادح الذي أحدثته التيارات البنيوية في مسيرة النقد الأدبي من ناحية، والعلوم الإنسانية ككل من ناحية أخرى . وفي العامل الثاني نجد، شئنا أم أبينا، عذرا، ولو مخففا، للناقد، عندما يدخل بذاته هو إلى ساحة النص، فيرسم، مقتنعا تماما، حقائق وقناعات للمبدع الذي يقوم بتحليل نصوصه . يُقال أن سجموند فرويد ما كان بإمكانه أن يحقق تلك النقلة الثورية في الفكر البشري لولا اكتشافه لقوى اللاشعور والعقدة الأوديبية منطلقا من تحليله الذاتي نفسه . ومن أساسيات العمل في حقل التحليل النفسي – وليس شرطا أن يكون المختص به طبيبا – هو أن يخضع المتخصص الجديد لجلسات من التحليل النفسي على يد متخصص أقدم منه لكي يتعرف على مكبوتاته وعقده وآلياته الدفاعية التي سوف تؤثر قطعا على عمله التعيادي وذلك من خلال آليتي " الطرح- transferance " و " الطرح المُضاد – countertransferancr "، ففي الطرح يقوم المريض بإسقاط مشاعره المختـزنة تجاه أحد أبويه مثلاً – سلباً أو إيجاباً – على الطبيب النفسي المعالج فيقوم الأخير، بدوره، بإسقاط مشاعره الخاصة المختـزنة في اللاّشعور على المريض الذي فتح أبواب المكبوت اللائب . ومثل هذه العلاقة، أو قريبا منها، تنشأ بين الناقد والنص / زبونه الذي يحاول أن يسبر خفاياه ومعانيه العميقة . إن من يقوم بالدراسة في العلوم الطبيعية / الرياضية كما حاولت البنيوية تقعيد قواعد العلوم الإنسانية ومنها النقد على أسسها هو العالم – وهو الإنسان ولكن المادة المطروحة للدرس والبحث هي مادة جامدة لا ردود أفعال لها تجاه الباحث ولا تتواصل معه نفسياً. ولذلك لا توجد وشائج نفسية بين الباحث وبين مادة البحث (موضوعه)، ولكن في مجال العلوم الاجتماعية والنفسية خصوصاً والعلوم الإنسانية عموماً، فإن الباحث والمبحوث من مادة واحدة، فكل الظواهر التي تعالجها هذه العلوم ترتبط مباشرة بالإنسان الذي يشكّل مادة البحث الأساس، ومن المستحيل أن لا يجري (حوار) بين الباحث وموضوعه، بين الناقد ونصّه، حوار تتأسس عليه «إسقاطات» واستجابات ونقلات انفعالية بالغة التأثير، ففي حقيقة الأمر تنطلق الدراسة أولا من (باطن) الباحث مسلحا بعدّته التجاربية والنفسية . حين نغفل هذه الحقيقة نكون كمن يجعل المنقّب يبدأ أولا بعملية التنقيب بيديه العاريتين ليجد " الأدوات " ثم يشرع في التنقيب عن " الآليء " المدفونة في أعماق تربة النص . يأتي الناقد وهو " مسلح " بأدواته التي ترتبط بتجاربه – السلبية والإيجابية - وتربيته وطبيعة مجتمعه وثقافته ومحتويات لاشعوره وغيرها . وكلها تشتغل بصورة " شبه آلية " .. بحكم العادة التي استولت على سلوكه وطرائق تفكيره عمرا كاملا . في مجموعته : " قليلك لا كثيرهن " التي صدرت في أستراليا عم 2006، هناك القصائد التالية التي تحضر فيها المرأة بصورة متسيّدة : - تماهي ص 21 – 24 -ستسافرين غدا .......ص 25 – 28 -في آخر العمر ........... فيها صدر ص 37 – 40 -ما عدتِ سرّا............... فيها صدر ص 45 – 48 -يحدث في خيالي ص 49 - 55 -طرقنا بابكم فأجاب صمت – ص 56 -61 -أين ستهربين من حبي ص 66- 68 وهناك قصائد " حلم " و " حين تكونين معي " و " رثاء مبكر " و " جحود " .. وغيرها وهي قصائد لا تكتفي بالتغزل بـ " روح " المرأة، بعطاياها الرومانسية كما يفضل بعض النقاد، ولكن بالتوق للإلتحام بجسدها المبارك المنعم، ولثم ثماره حدّ الإنصهار . لكن يحيى ليس " قبّـــانيّا " مباشرا في الإفصاح عن وقائع هذا الإلتحام الملتهبة . لكنه، بالمقابل، لا يترفع عن أن يشي، برمزية حييّة، عن المواطن الأنثوية الحساسة . فعلى سبيل المثال لا الحصر، يبدا قصيدته " في آخر العمر " بإعلان توبة متأخرة اكتشف فيها أنه غرّ قليل الخبرة .. مضى عمره وهو ينظر إلى وجه واحد من وجهي العملة .. وهو أمر مخالف لمنطق الحياة والأشياء .. اكتشف أنه كان يعيش تحت مظلة أوهام ظللته طويلا .. فقد كان يتنفج بقوته الخارقة على أن يسر وسط النار دون أن حرق بردته السعير .. وهي قدرة اسطورية من الممكن أن يختزنها العقل الطفلي المؤمن بـ " القدرة الكلية – omnipotence " التي تقول للشيء كن فيكون . كان مقتنعا بأنه يحمل في سريرته وجها واحدا : أما أسود أو أبيض، فاكتشف متأخرا طبعا أنه الزاهد والمسرف، والصعلوك والأمير .. إنه يحمل الوجهين .. ولكن هناك ما ذكره أحد الكتاب عن " الوجه الثالث للعملة " .. وعلى هذا الوجه يتأسس فعل الشاعر وتقوم بنية سيكولوجيته .. وعلى أساس نتائج وآليات ومعاني هذا الوجه علينا أن نحاكم منجز الشاعر و " ننقده " كما سنرى لاحقا . لقد اكتشف الآن الوجه الثاني المكمّل .. وبتلاحم الوجهين يتحقق وجها عملة الحياة .. عملة الحياة الطبيعية، لكن ليست الشعرية . العملة الشعرية تعيد إقناعه بتلك الحقائق السابقة والخارقة كلها ولكن بعد أن يكتشف حقيقته الإنسانية رغم الأردية الخرافية، إنه كائن إنساني صغير وبسيط .. إنه حتى ليس مكتفيا بذاته، بل هو في حاجة للآخر .. للأنثى الحبيبة التي ستمنحه مقومات معنى وجوده : .. وأنني عصفور فضاؤه قصيدة مطلعها عيناك واكتشفت أنني بلا حبك يا حبيبتي فقير ....... ويبدو أن النزوع الصوفي مستقر في نواة تكمن تحت الطبقة العميقة من طبقات نفوسنا .. طبقة غائرة من طبقات اللاشعور تتكشف بالمراجعة الحانية لمكنونات هذه النفس .. مراجعة تشعرنا بحجومنا الفعلية تجاه " المطلق " والنهائي . هنا سنعلم أن الحقائق الكبرى تكمن في الجزئيات .. وأن كل مظهر بسيط من مظاهر الكون يتضمن الكون كله . والمشكلة أن هذه القناعة – إذا جاءت – فإنها تأتي متأخرة .. في آخر العمر خصوصا عندما تضعف طاقات " الليبيدو " وتبدأ " عضلاتنا الجنسية " بالترهل . ودائما يأتي اكتشاف هذه الحقيقة البسيطة / المركبة، بعد " رحلة " أو " حادثة استثنائية " أو " صدمة هائلة " تشعرنا بحجومنا الحقيقية، والأهم أننا كائنات قابلة للفناء .. فالصوفية في جوهرها مداورة التفافية لتطويع الإنرعاب من الموت - سيكون لهذا حديث طويل آخر – وعندها يكتشف الإنسان أنه كائن صغير .. وفقير : في آخر العمر اكتشفت أن كل وردة حديقة كاملة وكل كوخ وطن وتحت كل صخرة غدير والناس – كل الناس – مادمت معي عشير .......... ولكن صوفية يحيى إذا جاز الوصف هي " صوفية أرضية " .. هي صوفية " الهنا " .. حيث الحقيقة الكبرى التي كانت تكمن في الوردة والصخرة والغدير، أحرى بها أن تتجلى " هنا " في جسد المرأة التي هي اعظم تجليات الألوهة .. بل هي التجسّد الأول لفعل الألوهة الحق : في آخر العمر اكتشفت أنني سادنك الناسك .. والخفير أركض في روضك اصطاد الفراشات التي أثملها في ثغرك العبير أحرس يا حبيبتي حمامتي صدرك حين تقربُ الصقور في آخر العمر اكتشفت أنني طفلك يا سيدتي الطفلة ( عودة للمحارم : طفلك .... إلخ ) طفل عاشق دميته ربابة ملعبه الحصير فلا تلومي الطفل حين يستفز شوكه الحرير وفي هذه القصيدة سـ " تعبر " على القاريء المداورة المحارمية البريئة التي تتكرر بصورة متقابلة وجذلة ومفعمة بالإمتنان، المحبوبة : تنادي حبيبها : يا ولدي، والعاشق يخاطب حبيبته بـ : يا ابنتي . هذا ما أسميته " مصائد اللاشعور الماكرة " التي هي ألعاب سلوكية أو خطابية أو شعرية أو حتى فلسفية يمرر لاشعورنا تحت أغطيتها حفزاته المسمومة مع إيقاف التنفيذ الفعلي العملي في الظاهر .. لكن بالنسبة للاشعور – وهذا من قواعد عمله – فإن الرغبة تساوي الفعل ( هو وريث الإنسان البدائي ) . يتكرر هذا الأمر في مواضع شعرية كثيرة مبكرة – أشرنا إليها – ولاحقة سنشير إلى بعضها هنا . مصائد اللاشعور الماكرة في قصيدة " أوصيك بي شرا إذا خنت الهوى "، وهي من مجموعته الصغيرة " القتلى لا يجديهم الإعتذار "، يخاطب الشاعر حبيبته، من خلف أستار لغة معاتبة موهمة، وخطاب مؤنّب برجاء شفيف، محكم نفسيا كي يزرع الشعور بالذنب ليس في روح الحبيبة المخاطَبة، بل في نفوسنا كمتلقين، وكلما شعرنا بالتقصير، حتى بنوع هذا التقصير الهائم غير المحدد، كلما أغمضنا جفني بصيرتنا عن التقربات المسمومة : مازلتِ غاضبة ؟ أنا ابنك يا ابنتي ولقد أتيتك شاكيا مشكيا ما سرّ خنجركِ اصطفى صدري له غِمدا وقد شلّ الجفاء يديّــا ؟ حرّضتني ضدي .. فكم من غادة أغمضت عن ياقوتها جفنيّا ؟ ومنذ استهلال هذه القصيدة يأتي موقف الشاعر المتشائم والنهائي الذي يهدّد – أو يتوعّد – فيه محبوبته، وهو في طبيعته موقف إنتحاري يتوعد فيه الحبيب الحبيبة بقتل نفسه، دعوة واضحة لكن التنفيذ يتم هنا بروح مازوخية – والأدق " سادومازوخية " – حيث يستقبل الشاعر لا إجهاز حبيبته النهائي عليه حسب، بل يتعهد لها بأنه لن يلاحق جرمها في الآخرة وهو يقف بين يدي الله سبحانه يوم يُبعث حيّا : هيّأتُ غُسلي والنعاةُ .. فهيّا تعب الهوى .. والصبر صار عصيّا مادمتِ عازمةً على وأد المنى فلتجهزي قبل الفراق عليّا أشهدتُ ربّي لن أقول قتلتني يوم الحساب غداة أبعث حيّا مرضية .. لن تشتكيك لربّها نفسي إذا أغمضتِ لي عينيا ونثرت كافورا عليّ .. وشيّعت عيناك صبّا في هواه شقيّا وقد يبدو الشرط الأخير الذي يضعه الشاعر : أن تغمض المحبوبة له عينيه وتشيعه بنظراتها .. إلخ، بعد الإجهاز عليه مقابل سكوته يوم الحساب عن قاتله، شرطا متهاونا جدا قياسا بالخسارة الفاجعة، يفرضه التعلق المستميت بموضوع الحب، إلا أنه – أي الشاعر – يلحقه بسلسلة شروط إضافية مضنية : أن تنوب عنه بشربة من زمزم وبالدعاء والسعي بين الصفا والمروة وزيارة قبر الرسول (ص) . تبدو هذه الشروط وكأنها طقوس تكفيرية يجب أن تقوم بها المحبوبة " القاتلة " بصورة تتعارض مع ذهاب نفسه المقتولة إلى ربها راضية مرضية كما وعدها قبل قليل – وقد أشارت إلى هذا المضمون الشاعرة القرني - . إنها عملية " توريط "، ولعل في هذا مدخل مضاف وتأكيدي للتعامل مع مضمون التحذير القرآني من أن الشعراء يقولن ما لا يفعلون : وأنبت عني شربة من " زمزم " وبسطت كفّا بالدعاء عليّا وسعيت لي ما بين " مروة والصفا " سبعاً .. وزرتِ عن القتيل نبيا ولن يتعرف القاريء على السبب الذي يقف خلف مثل هذه النهاية " الدموية " بصورة شافية وافية، لن يعلم لماذا تريد، بل تصرّ، هذه الحبيبة أن تجهض تجربة الحب هذه وتميتها إلى الأبد، وحتى العذر الذي يجده لها الشاعر في قتله غير مقنع، فما يقدّمه عن ذاته ( شقيّ متأبد في غربتين عن العراق ) هو توصيف لحال قائم، لا تحديد لسبب، بل على العكس من ذلك يبدو الشاعر وكأنه في موقع الضحيّة، والحبيبة في موضع جلّادها، فهي – أي المعشوقة – تبادر بقتل هذا الشقي بغربته المضاعفة بلا سبب مفهوم .. ورغم حاجته الشديدة للعطف والعون وإلى ما يداري جراح روحه، نجدها تنبذه وتسد عليه أبواب الرجاء : معذورة أن تقتلي متأبدا في الغربتين عن العراق شقيّا أبت المسرة أن تضاحك مقلة مني، وقد بلغ الوئام عتيّا أوصدتِ دوني مقلتيكِ .. وأطبقت شفةٌ ألفتُ بها الصداح شجيّا بل إن في صدودها درجة هائلة من العنف لخّصه الشاعر بفعل القتل الذي تقوم به حبيبته، لكنه يتصاعد به، من بعد، من أفعال الصدود البسيطة في استجابات المقل والشفاه إلى طحن آمال الغد وتجويع حاجاته حتى فعل الطعن المباشر الذي يستقبله الشاعر بروح مستسلمة يائسة : طحنت رحاك غدي وما أقريتني في صحن يومي من قراك شهيّا ما سرّ خنجرك اصطفى صدري له عمدا وقد شلّ الجفاء يديّا ؟ ورغم كلّ ذلك يبقى السؤال محيرا يهز مدارك المتلقي، ويتشارك به مع الشاعر / الضحية الذي يعود ليتساءل بدوره بنبرة أبوية مريرة وصبور تستدر تعاطف القاريء مع الشاعر ونقمته على " البنت " النزقة – في الظاهر – والتي تصرّ على الفتك بـ " ابنها " رغم أنه جاء " شاكيا مشكيا " بنفس قتيلة أقرت أن تغفر وتعود إلى بارئها " راضية مرضية " : مازلتِ غاضبة ؟ أنا ابنك يا ابنتي ولقـد أتـــيتك شــــاكيا مشــــــكيا لكن الشاعر، وسط احتدام مشاعره التضحيوية، ووسط موجات حماسته لدوره هذا، يمعن في " الإعتراف " المناقض .. إعتراف كاشف يُضعف ركائز شكواه كمغدور، ويسند، من حيث لا يدري – وهذا فهم مضاف لـ " ألم تر أنهم يقولون ما لا يفعلون " – الموقف الإنقاذي للمرأة – وعشتار هي الإله المنقذ وليس دموزي كما يقول جورج رو - التي يدّعي أنها تريد أن تُجهز عليه وعلى آماله في حبه المبارك . فقد أنقذته أولا من ذئاب الغرائز التي تلوب في أعماقه .. وبذلك حرّضته تحريضا بناءً ضد ذاته .. تحريضا كفل له لجم جماح غرائزه .. وكفلت له وحدة ذاته التي كانت متصارعة ممزقة قبل لقائها . لقد أنارت كهف لاشعوره المظلم / نفسه الأمارة بالسوء وطردت منه غيلان النزوات البدائية والرغبات المتوحشة : حرّضتني ضدّي .. فكم من غادةٍ أغمضت عن ياقوتها عينيّا دجّنتِ في جسدي ذئاب رغائبي وأحلتِ جنّ متاهتي أنسيّا وجعلتِ من كهفي بمغتربِ الثرى بضياء صوتكِ – لا النجوم – ثريّا وإذ يعلن الشاعر أن المرأة المنقذة قد أنارت كهف ذاته بصوتها .. أي بالكلمة، فإنه يمهّد لموقف إنقلابي تصوّفي .. سيزهد بالملذات والرغائب .. وسيقف في موضع استقبال أحزان الخسارات بعزم .. سيتحول من كائن حسّي تسوق وجوده الحاجات الحيوانية المباشرة إلى " كيان " متسام ومتعال على الإثارات اليومية المبتذلة .. سيقف في واديها المقدس بقلب خاشع وبروح راعشة بالمحبة والرغبة في الإلتحام بمطلقها / لكن ليس مطلقها المجرد المحلق بل المطلق الأنثوي المحدد : ولذاذة قربت فصحت بها : ابعدي ومناحة بعدت فصحت : إليّــا فرشت لك الأحداق عشب حقولها أما الفؤاد فقد أتاك حفيّـا عطش الهوى فأبى سواك لقلبه نبضا ودفئا للضلوع وريّــــا ودائما تتحقق النقلة الجديدة .. إنقاذية كانت أو تحولية .. صوفية أو أرضية من خلال غشارة الشاعر المتكررة إلى أنه صحيح قد اكتهل أو شاخ أو هرم بنيانه المادي، إلا أن قلبه مازال راعشا بالجمال والحب : هرمت قناديلي .. وشاخت جبهتي لكنّ قلبي ما يزال فتيّــا لعل نوعا من قلق الفناء .. من " قلق الموت – death anxiety " يقف وراء مثل هذه التأكيد المتكرر، والذي لا يتعب منه الشاعر، على فتوة جناحي قلبه .. يزداد تواتر هذا التأكيد كلما تقدّم الشاعر في العمر، وكلما نهشت وجوده مخالب النوائب .. وكلما انتفي بعيدا عن رحم الوطن الام .. إنه ؛ هذا التأكيد على أن القلب حي لا يموت، هو إجراء دفاعي ضد الفناء .. محاولة لتأمين امتداد خلودي .. ولا يترك يحيى – كما قلت مرارا – رمزا أو فكرة إو موقفا يذكره في قصيدته دون " وظيفة " في أغلب الأحوال . ففوق الإجراء الدفاعي بوجه المثكل الذي يتضمنه التأكيد على حيوية القلب وديمومة نبضه الفتي رغم هرم القناديل وشيخوخة الجبهة، فإنه يوفر الأداة اللازمة لـ " العمل " الذاكراتي المقبل .. للسكرة الصوفية حيث القلب لا العقل هو الذي يسكر ويثمل بالمحبوب .. هو الذي " يذوق " حسب حكم مولانا " جلال الدين الرومي " . فالصوفي " يذوق " المعرفة و " يشربها " لا بلسانه وشفتيه وفمه بل بفؤاده .. وهنا يقدم الشاعر " خلطة " عجيبة ليس من " تراسل الحواس " حسب، بل من " تداخلها " الآسر . هنك سلسلة من الحركات " الإيمانية " التي تتضمنها حركات " صلاة " جديدة تتوضّا فيها الروح، ويتيمم فيها القلب، وتختنق الشفتان بفيوض الذكر .. صلاة للجمال في تجلّيه الأقصى المدهش الصادم : لازلتُ أذكر سكرة صوفية ألفيتني برحيقها مغشيا فتوضأت روحي ويمم نبضه قلبي وفاض الذكر من شفتيا محضتكِ رقتها الورود وأودعت شفتيكِ سرّ الياسمين شذيّا (للحديث بقية طويلة) ............................ |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق