الجمعة، 4 مارس 2011

المتمردون يحيى السماوي -3 - سردار محمد سعيد


المتمردون يحيى السماوي (3) / سردار محمد سعيد
سردار محمد سعيد   
sardar_mohamadالجزء الثالث
في دراسة تحليلية للدكتور محمد جاهين بدوي ينتبه الدكتور بدوي إلى بيئة يحيى أي السماوة فيذكر ذلك لأهميته في تكوين الشاعر يحيى وهنا أنقل نص تلك الفقرة:"وفي هذه البيئة البسيطة بتكوينها العميقة بفطريتها وبكارة مشاعرها نشأ السماوي متشربا أفاويق البراءة والأمان والتكافل الإجتماعي."
ويشير إلى قول يحيى بصدد ذلك:
تعلمت من تلك البيئة ان التكافل الإجتماعي هو أعظم الأسوار والحصون لدرء المخاطر وأن التقوى وحدها الكفيلة بسكب مياه الفرح في دوارق الروح وأنه ليس ما يثري فقر الجسد كغنى الروح، وتعلمت من تلك البيئة أيضا ان بذرة الصدق هي الطريق الأسهل لإقتطاف ثمرة النجاح.
في هذه الفقرة التي ينثرها يحيى بفنية واضحة نتلمس الذي سبق وان فصلته في الحلقتين السابقتين.
بالعودة للتركيز على طفولته لا ينكر يحيى شوقه ووجده فهو لايكتم ولا يخفي تفصيلات تمرده على بيئته، فيتحدث عن ( نهلة ) ولكن ليس لأبيه ولا لأمه، بل لمعلمه الذي صفق له على الرغم من سخرية زملائه فيقول:
ضاحكتني مرة   فكبرتُ
أذكر انني  في ذات وجد ٍ
قد كتبت قصيدة عنها
وحين قرأتها في الصف ِ
صفق لي المعلم
غير أن بقية الطلاب ِ
أضحكهم هيامي.
العبارة الأخيرة تنم عن هيامه الذي أضحك الطلبة ربما لصغر سنه أو لأن البيئة لا تسمح بمثل هذا، وقد مررت بمثل هذه التجربة أقصد ضحك الزملاء ليس على هيامي بل على قولي الشعر مبكرا.
إن الإفصاح عن الهيام أمام الطلبة في مثل تلك البيئة لا شك انه تمرد.
إن تمرد يحيى البيئوي كان تمردا في حدود الإلتزام بالمنظومة القيمية للمجتمع و في محاولاته إشباع الغريزة الجنسية المتوقدة فيه راح يبحث عن بديل يعشقه ويفرغ فيه أو من خلاله احساساته ومشاعره، فوجد في كل من الحيوان والنبات والجماد ما يستعيض به ليفرغ شحنات معاناته،
وتجسد عشقه للطير في الحمام
وعشقه للنبات في النخلة
وعشقه للجماد قي الطين
وهذي المعشوقات الثلاثة تحولت فيما يلي من الأيام إلى رمز، بعبارة أخرى ان أصالة الرمز في شعر يحيى جاءت من عشقه لها أولا ثم سخرها في شعره، بينما ثمة شعراء فعل العكس بمعنى انهم بحثوا عن الرمز بحثا بعد أن قالوا الشعر، أي انهم وظفوا الرمز قبل العشق في حين عشقه يحيى ثم وظفه، فكان التوظيف ذا طابع وجداني ومتحدا مع صوره الشعرية اتحادا جدليا وليس ملصقا به لصقا.
يجيء الرمز منسابا مع الفكرة والصورة، يجيء متداخلا معنى ولفظا، وهذه واحدة من النقاط المهمة في تكوين يحيى الشعري، لذا يكون لزاما ان نتحدث عن هذه المعشوقات التي أضحت رموزا مهمة في شعره وسابدأ بـ:
المعشوق الحيوان المتمثل في الحمام
وكما قلت ان يحيى عشق الحمام كبديل منطقي للأنثى المحظورة عرفا ودينا في حين لا اعتراض على عشق الحما م.
المعشوقة الثانية هي النخلة،
وأرى أنها جاءت ثانيا بعد الحمامة بعد تطور الحب في عقل وفكر المراهق، فكانت النخلة بشموخها وصمود جذعها أمام أعتى الرياح تتغلب في هذه القوة على رقة الحمام، كما ان النخلة كانت معطاءً فهي تنجب كما تنجب المرأة، إذ تحتاج إلى لقاح ذكري ومن ثم تحمل وتقضي وقتا معينا لكي ينضج الجنين أي الرطب، وهذا ولو انه يحصل للحمام، ولكن العذوق تشبه إلى حد كبير بطن المراة الحامل وهذا ما لايتوافر في بقية الشجر الحامل لثمره وان مر بأدوار النضج كما يمر به الرطب، لذا فالنخلة البديل العقلاني للمراة ليس برمز اعتيادي، بهذا التأمل ولعل التاثير الديني بدا يتضح بمفهوماته بوضوح أكثر فوجد في قصة النخلة التي تساقط رطبا جنيا على مريم فهما أكثر للرمز الجديد.
والنخلة ليست شجرة عادية لذلك سماها المعري أشرف الشجر وسماها الجواهري سيدة الشجر، والملاحظ ان يحيى لم يتخذ رمزا دينيا أو سياسيا بعينه، ولم يزج برموز أخرى مثل الآلهة والأبطال التاريخيين عنوة في شعره إنما تأتي الرموز ضمن سياق الحدث الشعري بانسياب وتبقى النخلة الرمز الجلي، إذ انها تمثل الوطن وليس الفئة أو الإنتماء الضيق.
المعشوق الثالث هو الطين،
والطين قد لا يوحي بداية بالعشق مقارنة بالحمامة والنخلة كبديل عن الأنثى، ربما يـُعتقد انه ليس ببديل مقنع، وأنا أرى انه بديل أرقى وأكثر إنسانية وشمولا، إذا تذكرنا ان أصل الإنسان طين، وأول الخلق آدم وحواء خلقا من الطين، وبفكرة وجود أو خلق آدم وحواء سرعان ما تطل فكرة الجنس وإلآ لماذا الذكر والأنثى، وفي كل الأديان السماوية وغير السماوية ترتبط فكرة الخليقة إرتباطا وثيقا بالجنس بالحمل والولادة والإنجاب والتكاثر ، غير ان الطين تعبير عن الذكر والأنثى، وعن الجنس المباح بأشكاله الإنسانية، ومن هنا يمثل الطين رمزا كبيرا يدل على الوطن، ولا فائدة من وطن عاقر، ولا تكاثر بلا جنس سواء منضبطا مقننا كما هو رأي الدين أو كان مشاعا فوضويا كما هو رأي المشاعيين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق