الجمعة، 25 مارس 2011

سماويات -9 مصائد اللاشعور الماكرة


سماويّات (9) .. مصائد اللاشعور الماكرة (بحث في نقد النقد) / حسين سرمك حسن
د. حسين سرمك حسن   
husan_sarmakوبتأكيده على اخضرار قلبه لا يهيئه فقط لاستدعاء ذكرى السكرة الصوفية الباذخة، ولكن ليواصل " توظيفه " كقرين حيّ نابض قادر على شهادة لا تقوى عليها قرائن تهرم أو تشيخ .. شهادة على الفاجعات
 التي سحقت روح الشاعر لكنها لم تمته .. يتحطم الإنسان لكن لا يُهزم .. وروح الشاعر قد استخاصت التجارب العصيبة من كل النوائب الماحقة التي ألمت به .. واستوعبتها، ولكنها لا تقوى على استيعاب إمكانية شماتة من اختاره قلبه – وهنا عودة مدروسة لتوظيف القلب – خليلا .. إنها الضربة التي لا تقصم ظهر وجود الفرد، بل ظهر قلبه ايضا:
يا قلب عشتُ الفاجعات جميعها
وخبرت منها شاخصا وقصيّا
لكن أثقلها عليّ شماتة
ممن تخيّره الفؤاد صفيّا
القلب هو المبتدأ والمنتهى .. هو نقطة انطلاق دائرة العذاب وختامها .. هو الضحية والشاهد على عذابات هذه الضحية .. الضحية التي تقع الآن في المصدية الخانقة الناجمة عن اختيارها هي .. اختيارها صفيا غادرا .. وهنا تعود الربكة العلاقاتية والتصويرية من جديد .. ويثور وبصورة مضاعفة وأكثر استفزازا الآن السؤال الملغز السابق الذي طرحناه في مدخلنا التمهيدي وهو: لماذا؟؟ .. لماذا تصرّ الأنثى المحبوبة على الإجهاز على آمال القلب المكلوم الذي انتشى بسكرتها، والتي كانت سببا في نقله من حال إلى حال أكثر بهاء وتماسكا وغبطة؟؟ .. لماذا؟؟ . ويأتي رجاء الشاعر المنكسر ليزيد تعقيد الموقف تعقيدا أكبر .. وليمعن في إلغاز الحال بصورة أكثف واشد تشابكا:
لا تنفني من حقل قلبك .. إنني
عشت الحياة مشرّدا منفيا
وها هو – بوعي ودراية بنائية عاليين – يقابل القلب بالقلب ويشهده عليه ... قلبه الشاهد المنجرح والممزق بتوسلاته الحسيرة الحارقة .. وقلبها المتجبّر الضاري القسوة الذي يريد نفيه خارج فردوسه الذي كان يعتقد أن فيه الخلاص والأمان . تزيد مجانسة الرجاء (لا تنفني ..) مع حال العاشق المعذّب القائم (منفيّا ..) من مضاعفة لهيب الخيبة، مثلما ستضاعف من تشابك عقدة الخيوط التساؤلية حول سرّ هذه العملية كلها .. العملية السادومازوخية المتأججة والمميتة .. من سيهجر من؟ من هو الباديء الأظلم كما يُقال؟ خصوصا وأننا نعود عبر وصية الختام الذهبية التي ينهي بها الشاعر قصيدته بهدوء مبيت:
أوصيكِ بي شرّا إذا خنت الهوى
ونكثتُ عهد محبة عذريّا
... فيغلق دائرتها الفنية، ولكنه يفتح دلالاتها المضمونية على تساؤل حارق متطاول ومديد .. لماذا بدأنا بإجهاز منهي من المحبوب، مادمنا نختم بنداء تحسّبي من المفروض أن يكون استباقيا يعيدنا إلى نقطة البدء؟
أليس الشعراء فعلا هم الذين يقولون ما لا يفعلون؟ وأنهم في كل واد يهيمون؟ . ولكن يا له من تناقض خلاق .. وهيمان ضروري لصحة عقولنا .. عفوا قلوبنا ..
 وعن هذه القصيدة تقول القرني في أحد هوامش كتابها: (.. والقصيدة تصرف همها في مجمله مستشرفة حزن الحبيبة بعد موت الشاعر، أو ميلاده في موته، ولهذا المنحى شواهد سابقة في شعره جزئية التموضع، منها:
-ديوان " نقوش على جذع نخلة " / ص 45 – 46
-ديوان " قليلك لا كثيرهن " / ص 60 – 61
وتختم استنتاجاتها حول هذه القصيدة وشعر السماوي عموما بالقول: (لم تكن المحصلة التي انتهت إليها هذه الدراسة في مواطن سابقة خاطئة حين مالت إلى تصنيف السماوي شاعرا عذريا من حيث سلوكه العشقي لا انسياقا وراء تأكيداته القولية " الشعرية " المتواترة على ذلك، ويأتي هذا المنحى، منحى نُشــدان الكينونة من خلال العدم، أو الحضور في مخاض الغياب من أظهر شواهد عذرية مذهب شاعرنا وجْداً وتوجّدا، فالمنعاة والوصية والخط على القبر وما يُسمى " إنتاج العجيب الجنائزي " بمعنى تناقل الرواة عن العشاق مزاعم سيطرتهم القصوى على أجسادهم حتى ليكاد بعضهم يتوسم تحديد موته كما شاء ومتى شاء .. كل أولئك مرحليات " طقوسية " ينضح بها الشعر العذري راصدا محاولات رموزه النظر إلى " الأنا " وتمثّلها من علٍ، أي بعد مبارحتها – القرني / ص 251- 252) .
تساؤلات خطيرة حول الحب العذري
حول سمة " الشاعر العذري " التي تُضفى على الشاعر تنفتح تساؤلات كثيرة ومربكة ومعقدة . هذه التساؤلات نحاول – بتأثير من مخزونات لاشعورنا الجمعي وموروثنا من النواهي الدينية والتابوات الإجتماعية – أن ندفنها ولا نلا حظها .. أن نتجاوز وجودها الشاخص لكي لا نجيب عليها .. وكل هذا ليس خطيرا جدا .. فيه خطورة في تثبيت أسس ممارسات سلوكية وقناعات فكرية مخطوئة، لكنه لا يوغل – وفي عملية مركبة – في التواطؤ مع تلك الممارسات بقناعة متحمسة ومستميتة .. وفي خلق أطر " نظرية " تبريرية وعقلانية مضافة لكنها أكثر إحكاما .. هنا نسهم بفعل التصافق اللاشعوري في ليس إقرار الأطروحات الموروثة التي تتضمن الكثير من الأحكام الخاطئة، ولكن في الإمعان في تدمير البنى الصحيحة المحايثة التي كان من الممكن أن تفلت من دائرة الأذى لو لم نقع تحت تأثير قوى الإيحاءات اللاشعورية المدمرة . أجدني مجبرا على إعادة حقيقة قد لا يقرها أغلبنا لكنها من منجزات التحليل النفسي التاريخية وهي أن الإنسان ليس كائنا منطقيا ولكنه " يمنطق " الاشياء بعد حصولها، إنه ليس كائنا عقلانيا ولكنه كائن "معقلِن"- not a ration humanbeing , but rationalized humanbeing إنه حيوان تبريري .. إن غرائزه ورغباته – وهي النواة الأسبق تاريخيا في بنية النفس البشرية - هي التي تضغط، وتلح على الإشباع السريع الذي لا يقبل التأجيل، ولا يعترف بالموانع والحدود الواقعية والقيمية – ما نسمّيه في التحليل النفسي بـ " العمليات الأولية – primary processes " وأغلبها يجري بصورة لاواعية – لينطلق بلدوزر العقل البشري الواعي الذي يقوده سائق عيناه ممأمأتان ليشق، بعنف وحماسة، الطرق " النظرية " التي تحقق الأهداف النظرية البازغة دون أن يدرك أين تكمن جذور إشعاعاتها . لنبق في دائرة موضوعة " الحب العذري " ولنسأل سؤالا سيقلب كل الموازين البليدة لكن المهيمنة – ومستنتج هذا السؤال الأصلي هو الدكتور " صادق جلال العظم " – وهو: أليس الحب العذري نوع من " الزنى "؟ . لا تنفعلوا، فتضيعوا الجواب الواثق على السؤال الماحق من جديد بعد أن ظلت عقولنا متواطئة لأكثر من ألف سنة مع أطروحات مغيّبة، تشاركنا فيها بفعل " لامنطقيتنا المنطقية ": (تزوجت بثينة غير جميل وقيل في وصف زوجها أنه كان دميما أعور ولم تعش معه طول حياتها . كما أن حكاية عروة بن حزام وابنة عمه عفراء تروي زواجها من غير حبيبها . وكما هو معروف استمرت علاقات العشاق على حالها بعد الزواج . بعبارة أخرى، من خصائص الحب العذري الأولية أنه قائم على الزنى وعلى خرق فاضح لمؤسسة الزواج . ولنذكر هنا وصية يسوع المسيح: " وقد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن . وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى في قلبه "، ونقارنها بنظرة فيدرا إلى هيامها بابن زوجها هيبوليت التي تضمنت المعنى نفسه:
There is no blood stain , child upon your hands
My hands are clean , the stain is on my heart .
يبدو أن الحب العذري ضد مؤسسة الزواج وما تعنيه وهو يبقي على نفسه بالرغم عنها وبتحدّيها تحديا مباشرا ومستمرا . ومع أن الحبر سال في الكلام عن عفة هذا الحب وطهارته ومثاليته، كان العاشق العذري يزور عشيقته المتزوجة في عقر دارها ويقضي الليالي مختبئا عندها بالرغم من أنف زوجها وأهلها . ومن طرائف هذا الحب أن الزوج كان يخرج دوما وكأنه الشخصية الشريرة في القصة، وتتم الأحداث دوما على حساب شخصيته وكرامته . فهو دميم أو أعور أو فظ قاسي القلب يقف حائلا بين لقاء العاشقين . وحين نقرأ قصص الحب العذري لا نشعر بالعطف على الزوج المخدوع الذي لا ذنب له في الحقيقة سوى التقيد بأعراف مجتمع البادية وعاداته، ولا نشعر بالتجاوب مع ذوي الفتاة الذين يمنعونها عن حبيبها تمسكا منهم بأخلاقهم وقيمهم وشرائعهم لا حبّا بالقسوة بذاتها أو رغبة بإنزال الشر ببناتهم . كما أننا، انسجاما مع الرواية، لا ننظر إلى العاشقين نظرة الزانيين اللذين ارتكبا خطيئة شنيعة عقابها صارم جدا في الشرائع السائدة والمعمول بها، ولا يزعجنا أنهما لا يندمان قط على ما ارتكبا من معصية، كل ذلك باسم الحب الطاهر العفيف وفي سبيله !! – صادق العظم / في الحب والحب العذري / ص 69 و70) .
والأمثلة على هذا السلوك اللاأخلاقي اجتماعيا والذي نعده " أنموذجيا " ونتعاطف معه بفعل ضغوط قوانا اللاشعورية المتواطئة كثيرة، أنقل لكم واحدا منها مع تعليق الباحث العظم: (كان جميل في دار بثينة وفوجيء بمجيء ذويها:
" فأقسمتْ عليه أن يلقي نفسه تحت متاع البيت، وأفهمتْه أنها إنما تسأله ذلك خوفا على نفسها من الفضيحة لا خوفا عليه . ففعل كارهاً، ونامت هي كما كانت وإلى جانبها أم الجسير (حيث كان جميل نائما) ثم أقبل زوجها ومعه أبوها وأخوها يأخذ بأيديهما ولا يشك في أنه سيطلعهما على ريبة كما أنبأه غلامه . فلما كشفوا الثوب إذا أم الجسير حيث كانوا ينظرون جميلاً !! فخجل الزوج وصاحت أختها ليلى، قبحكما الله، أفي كل يوم تفضحان فتاتكما ويلقاكما هذا الأعور – تعني زوج بثينة – بكل قبيح ! – ص 60 و 71 "
يتساءل العظم: (لنسأل أنفسنا الآن من يستحق عطفنا في القصة: الزوج المخدوع الذي كان كريم النفس فخجل من فعلته أم العاشقان الماكران القليلا الحياء؟ ولم يكتف العاشقان بما فعلا بل وضعا الملح في الجرح وتشفّيا – على لسان ليلى – بإهانة الزوج التعيس – ص 71) .
يقول الدكتور أحمد عبد الستار الجواري: (لم يحتمل عروة المقام بعيدا عن عفراء، فارتحل إلى البقاء،حيث ارتحل بها زوجها، وأقام قريبا من بيتها، تأتيه فيشكو إليها ويأنس بحديثها، وكان زوجها يعلم ذلك ولا ينكره، ولا يمنع عفراء منه، فقد كان عروة يختلي بها دون أن يقرب منها أو ينال منها نيلا . وأقام على هذه الحال زمانا وعادت إليه العافية، ولكنه آثر بعد لأي أن يرحل إكراما لابن عمه، واعترافا بفضله . فلما رحل انتكس وعادت إليه علته، وأصابه الخفقان، فكان إذا أغمي عليه ألقوا على وجهه خمارا لعفراء زودته إياه فيفيق – الجواري، ص 69) .
ويبدو أن الأمثلة التي يمكن أن يستعين بها العظم كثيرة جدا، وكلها تطلق سبابة الإتهام التي تخز عين بصيرتنا المغيبة والمتواطئة، تغييبا وتواطئا يكشف حقيقة معرفية وتاريخية كبرى تتمثل في أن هذا التغييب متأصل و " عضوي "، بل هو منزرع في " جينات " خلايانا الفكرية فلا خلاص منه .. لكن يمكن فقط تقليل تاثيراته السلبية المدمرة . يقول العظم: (تتردد القصة نفسها في حكاية عروة وعفراء حيث: " ينطلق عروة إلى الشام، وينزل ضيفا على زوج عفراء، والزوج لا يعرفه بطبيعة الحال، ثم ما يزال يحتال حتى يبعث إليهالابخاتمه في إناء لبن مع جارية لها، وتعرف عفراء أن ضيف زوجها هو حبيبها القديم . ويلتقي العاشقان بعد تلك الأيام الطويلة الحزينة التي باعدت بينهما، ويتذكرام ماضيهما السعيد فوق أرض الوطن البعيدة وما فعلت بهما الأيام ... (وبعد ذلك) يصمم عروة على العودة إلى وطنه حرصا على سمعة عفراء وكرامتها، واحتراما لزوجها الذي أحسن وفادته وأكرم مثواه – طبعا هذا حسب رأي الدكتور " يوسف خليف " في كتابه " الحب المثالي عن العرب " والذي يرد عليه العظم بالقول: (بعد الذي فعله عروة تبدو غيرته على سمعة عفراء وعرض زوجها وكأنها من باب الإمعان بالإستهتار بالزوج والإستهزاء بمؤسسة الزواج بأسرها . وذكر الرواة – بإسناد – أن زيارات " المجنون " لحبيبته " ليلى " كانت كثيرة ومتعددة بعد زواجها وأنه كان يغار عليها من زوجها وخاصة حين كان يتجاسر الزوج على تقبيل زوجته !!! – هذه المعلومة من "موسى سليمان" صاحب كتاب " الحب العذري " – ويتساءل العظم من جديد: (أين حقيقة العشاق العذريين من الأوهام التي ينسجها الكتّاب والمعلقون حول الطهارة والبراءة والعفة؟ ألم يشبّبوا بصواحبهن ويشهروا بهن؟ ألم تستمتع العشيقات بدورهن، بهذا الهيام والتشبيب؟ لقد فطن ابن حزم بنظره الثاقب إلى هذه الحقيقة فكتب عنها القول المفصّل: " وقرأت في بعض أخبار الأعراب أن نساءهم لا يقنعن ولا يصدّقن في عشق عاشق لهن حتى يشتهر ويكشف حبه ويجاهر ويعلن وينوه بذكرهن، ولا أدري ما معنى هذا، على أنه يذكر عنهن العفاف، وأي عفاف مع امرأة اقصى مناها وسرورها الشهرة في هذا المعنى " – انتهى كلام ابن حزم – العظم / ص 72 و 73 " .
والمشكلة أن باحثينا ومنهم علماء أجلاء ثابروا - من دون مراجعة نقدية وبحماسة - على نقل الحوادث التي تخص سلوك العشاق العذريين أمثال جميل بن معمر، وقيس بن الملوح (مجنون بني عامر)، وقيس بن ذريح صاحب البيت المشهور الذي أهدر الخليفة بسببه دمه كما سنرى لاحقا:
عواء كلب بأعلى الواد من شرف
أشهى إلى النفس من تأذين ايوبِ
وعروة بن حزام وغيرهم . والمشكلة التي لا تقل أهمية هو أن كلا منهم – من الباحثين – يوغل في شرعنة سلوك العشاق العذريين حتى يصل حدا يجعلهم في مراتب القديسين والشهداء . خذ – على سبيل المثال لا الحصر – الدكتور (أحمد عبد الستار الجواري) في بحثه المعروف (الحب العذري: نشأته وتطوّره) الذي يقول في مقدمة طبعته الثانية: (إن الحب العذري ... عاطفة متسامية عرفها التاريخ الأدبي مثالا لما تصوغه العفة والترفع عن الإنقياد للشهوات، وصورة من صور الأثر الإسلامي في نفوس رقيقة المشاعر مرهفة الأحاسيس، كانت تستمتع بالجمال استمتاعا يقرب من التقديس، وتعبر عن إعجابها وتعلقها به تعبيرا يحوطه التعفف والتسامي والذوق الرفيع، نفوس تمثلت قول المصطفى صلوات الله عليه في ما يروى من الحديث الشريف (من أحب فعفّ فكتم فمات مات شهيدا) – الحب العذري: نشأته وتطوره، ص 11) . وينسى الدكتور أن العفة متوفرة في سلوك العشاق العذريين لكن لا أحد منهم كتم حبه ابدا، بل كانوا يفشون تجاربهم وأسماء حبيباتهم حدّ الإنفضاح . ومنهم من يقع في مصيدة الكتمان " الشعري " كجميل الذي قال بيتا من الشعر يؤكد فيه أنه سيكتم حب " بثنة " كما يسميها ولن يكشفه وهو وعبر ذكر اسمها في البيت الشعري قد نشرها وفضحها في الآفاق . وحتى تسامي العاشق العذري بغرائزه الجنسية كان وقفا على محبوبته المحددة حسب، فهو يفرّغ حاجاته مع أخريات كما هو معروف في الأخبار التراثية عن العشاق العذريين . لكن تأثّر هذا الباحث بـ " الإيحاء – suggestion " التراثي العذري يصل حدا عجيبا وذلك عندما يبدأ بشرعنة العلاقات العاطفية (الجنسية) المثلية – homosexuality ليقحمها ضمن إطار مفهوم الحب العذري بمعناه العربي الذي تعارفنا عليه . يحصل هذا في الكتاب الثالث من بحثه: الحب العذري تطوره: الحب عند الفقهاء، حينما يتناول في الباب الأول منه سيرة ونتاج " محمد بن داود الظاهري " في مجال الحب العذري، وهو صاحب كتاب " الزهرة " المعروف . يتحدث الجواري ويعيد في أكثر من موضع – وكتابه بالمناسبة مليء بالشرح والاستطالات والتكرار الممل – عن " حبّ " الظاهري الذي أضناه وأماته . فما هو " حبّ " الظاهري العذري هذا؟ . يقول الجواري: (وقد تعلق أبو بكر بفتى كان يزامله في الكتّاب هو محمد بن جامع الصيدلاني، وكان يقطن في الكرخ، وقد صرح أبو بكر باسمه وباسم محلته في قوله:
أهيم بذكر الكرخ مني صبابة
وما بي إلا حبّ من حلّ بالكرخ
تجرعت كأسا من صدود محمدٍ
فقد أوهنت عظمي وجازت على المخِ
أحبه أبو بكر في صباه، وبادله محمد حبه بحب مثله، فكان يُنفق عليه فيما بعد (وما عرف فيما مضى من الزمان معشوق ينفق على عاشقه إلا هو كما يقول الخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد " – ص 123) . ويواصل الجواري شرح أبعاد هذه التجربة " العذرية " أمامنا فيقول: (واشتهر أمرهما وشاع، وقال أبو بكر فيه الشعر الذي سارت به الركبان وانتشر في أوساط الغناء، وعرفته المقامات الأدبية والفقهية في بغداد ... وبلغ أمرهما من الإشتهار مبلغا لم يريا معه أن يخفياه، فكانا يظهرانه ولا يباليان، بل لقد بلغ بهما ذلك مبلغ الاستهتار إن جاز أن يطلق هذا الوصف على العلاقة التي كانت بينهما . يُروى أن محمد بن جامع جاءه يوما وهو يضع على وجهه برقعا، فلما رآه أبو بكر أغمي عليه، فأخبره ابن جامع أن ليس به بأس ولكنه خرج من الحمام فأعجبه وجهه، فأراد أن لا يُمتّع به أحدا قبله – ص 123 و 124) . ولا يكتفي الباحث بنقل تجربة الحب " العذرية " هذه حسب، بل يتفنن في تزيينها والتغني بأبعادها والتأسف على موت الظاهري أبي بكر وهو في ريعان شبابه في الثانية والأربعين من عمره بعد موت " حبيبه " محمد الصيدلاني: (وقد كان له ما أراد، فقد عاجلته المنية وهو في شرخ شبابه، ولحق بحبيبه وشيكا كما تمنى ... كان حب أبي بكر مثالا من مثل لحب العذري، الذي لا يتعلق بالحاجة الجسمية ولا تعصف به نزوة الشهوة، وكان كل شيء أو أكبر شيء في حياته، ثم أنه كان حبا موحداً لا إشراك فيه (كذا!!)، وذلك قوام الحب العذري كما سبق وألممنا به – ص 127) .
غشاوة لاشعورية على البصيرة النقدية: حب السماوي العذري
هذه المداخلة الافتتاحية حول الحب العذري ضرورية جدا لغرض توضيح أي مفاهيم متناقضة ومرائية استولت وتستولي على الثقافة العربية، وعلى السلوك العربي ولقرون طويلة، وأي حاجة ملحة لعملية " نقد نقد " جذرية يجب أن نقوم بها .
(للحديث صلة طويلة)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق