| هكذا سمعت صمت الحرائق للشاعر الكبير يحيى السماوي / سردار محمد سعيد |
| سردار محمد سعيد |
أولا: لغة الخطاب استطاع يحيى مخاطبة العواطف وإثارتها على مختلف توجهاتها ومستوياتها فتعامل في القصيدة مع شرائح عمرية مختلفة، موظفا مفردات بسيطة بصيغ قوية مثل الثغر والشفة والقبلة فبدأ بمقطع يثير عواطف الشيخ والكهل والشاب والمراهق معا، فمن لا يرنو لقبلة من حبيب أو زوج أو معشوق فقال: سفينة ثغري لا ترسو إلآ في مرفأ شفتيك و قال: كما يهتدي الفم إلى الفم في قبلات الوداع و قال: إسجري الروح بالعناق فأنا لن أقنع بألف قبلة وقبلة وقال: زهرة فمي كأس قبلات من قارورة شفتيك كذلك وظف الدمع فقال: عيناي ليستا أكبر من فستقتين خضراوين كيف اتسعتا لكل هذه الدموع؟ وقال: مناديل قلبي المبللة بدموع التهجد وقال: أكل هذه الحرائق وثيابي ما تزال مبللة بدموع الوجد. وماذا عند العشاق غير القبل في الوداع وفي اللقاء، وغير الدموع في اللقاء وفي الوداع، وغير الحرقة في الوداع وفي اللقاء. كذلك وظف الحريق وبمفردات مختلفة اللفظ واحدة المعنى مثلا قولة: اسجري الروح وقال: الأنني استنشقت زفيرك ذات احتراق وقال: مثلك اشعر بالجفاف، وحقيقة الجفاف ظاهرة ناتجة عن حرارة أتت على الماء فتبخر تبخرا شديدا فأحال موقعه جافا وقال: أكلّ هذه الحرائق وثيابي ما تزال مبللة. حقيقة الحرائق غير صامتة بل يصحبها صوت وإذا كان الحريق هائلا فيسمع شهيقه ومن المؤكد ان يحيى قد قرأ هذا في القرآن الكريم في الملك 7 (إذا ألـْقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور)، ولكن حريق المحبين مهما كان هائلا يكون بصمت، ولمـّا كان لكل شهيق زفير، فالحبيب يزفر ولكن بصمت أيضا، ومع هذا يعمد المحب لاستنشاقه ولو كان سخينا أو حارقا فذكر يحيى عبارة (ذات احتراق) والحرائق تحتاج إلى وقود وجهنم وقودها الناس والحجارة أما العشاق فوقودهم الأرواح لذا قال: اسجري الروح، ووردت لفظة المسجور في القرآن الكريم في قوله تعالى (والبحر المسجور) الطور 6 والبحر المسجور يعني الموقد كقولنا التنور المسجور وقال تعالى (وإذا البحار سجـّرت) التكوير 6 اي بمعنى ان البحار تيبس فلا تبفى قطرة ماء (وهو من سجرت التنور أسجره سجرا: إذا أحميته وسلط عليه الإيقاد نشف ما فيه من الرطوبة) راجع تفسير القرطبي وفي رسالة لأبي العلاء يقول (واضعة رأسها على ركبتها كعاشق مهجور ينطوي على قلب مسجور) وقال ديك الجن: في قلبه نار شوق ليس يخمدها بحر أحاط به الدمع مسجور وقال أحدهم: كأن تنورها الشديد حمى بقرب عهد الشباب مسجور ثانيا: بيت القصيد هذه العبارة مشهورة معروفة حتى أنها اتخذت لمدح الملوك وتمييز الناس من غيرهم، فقال أحدهم مادحا: والخلق شعر منقح وأنت بيت القصيد هذا لما أعطي لبيت واحد باهر في القصيدة من أهمية. كان علي ابن الجهم عالما بالشعر فما الذي ذكره الصولي في كتابه أخبار أبي تمام ؟: (قال لي البحتري: دعاني علي ابن الجهم فمضيت إليه، فأفضنا في أشعار المحدثين إلى أن ذكرنا أشجع السلمي، فقال لي: إنه يخلي، وأعادها مرات ولم أفهمها، وأنفت أن أسأله عن معناها، فلما انصرفت فكرت في الكلمة، ونظرت في شعر أشجع السلمي، فإذا هو مرت له الأبيات مغسولة ليس فيها بيت رائع، فإذا هو يريد هذا بعينه، أنه يعمل الأبيات فلا يصيب فيها ببيت نادر، كما أن الرامي إذا رمى برشقة فلم يصب فيه بشيء قيل أخلى). بقراءة هذا النص نصل إلى نتيجة مفادها ان الشعراء يبحثون عن بيت رائع أو أكثر يضمنوه قصائدهم فيعطي للقصيدة قوة ومكانة لذلك ظهرت عبارة بيت القصيد، وما شأن هذا بقصيدة يحيى؟ اذا كان اشجع السلمي أو غيره من الشعراء يخلي فإن يحيى لا يريد ان يكون هناك بيت قصيد واحد في القصيدة فكل بيت منها هو بيت قصيد، لنعيد قراءة القصيدة وسنرى ان كل بيت فيها هو بيت قصيد وهذه صنعة وحرفة ليست سهلة و لا يتمكن منها إلآ من حباه الله موهبة فائقة مثل معلمي يحى السماوي. |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق