الأحد، 27 فبراير 2011

المتمردون يحيى السماوي (2) / سـردار محمد سعيد


المتمردون يحيى السماوي (2)/ سردار محمد سعيد
سردار محمد سعيد   
sardar_mohamadتوطئة: لايمكن الإستغناء عن دراسة طفولة يحيى السماوي في تكوينه الشخصي والشعري، وفي مراهقة يحيى التي يفصح عنها في بعض قصائده هي مراهقة اعتيادية كما عند غيره تبدا بحب إبنة الجيران بعد تملصه من العقدة الأوديبية، وربما يختلس قبلة أو يحاول، لكن العرف الإجتماعي والتقاليد ومراقبة الأبوين الصارمة لا تسمح بالمزيد ويبدو ان الأم لم تكتف بتوبيخه أو تخويفه عندما يرتكب معصية، بل هي تعلمه كيف يفترض أن يكون عليه المجتمع فهو يقول عنها:
أذكر أن أمي حدثتني عن بيوت بلا أبواب
إن الحديث عن العفة والشرف له مجالات وشعب مختلفة، وليس هو الحديث عن الجنس، بل الحديث عن أنواع أخرى من الفضائل التي يتحلى بها المجتمع مهما كان بعيدا عن تقنيات الحضارة واستعمالاتها.
لكن مراهقة يحيى بسبب من التقاليد الصارمة والبيئة لا يمكن أن تحرق المرحلة العمرية التي يجب أن يمر بها، فإذا كانت الأنثى الحقيقية محرمة عليه، وممنوعة عنه، فلا بد أن يجد البديل، البديل الرقيق الناعم الهادىء، البديل الذي يستطيع أن يسامره، ويناجيه، ويبثه حزنه وافراحه دون اعتراض لا منه، ولامن مجتمع، فوجد ذلك واكتشفه، إنه الحمام، الذي أضاف له شاعرية، ولم يبخل عليه بالسماع، ولن يقول له لا ولو أشبعه قبلات، ولن يقول له لا لو تلمسه برفق، وفضلا عن ذلك كله فهو يغنيه ويبثه لواعجه وشجنه، فيشتركان في الألم اللذيذ، وهذا أثـّر في يحيى تأثيرا بليغا، فذكر الحمامة والفاختة حينه، توحي لرجولته المبكرة انه البطل الجسور الذي تعلق به أكثر من واحدة.
إن طفولة يحيى لم تكن سعيدة، هو مثل بقية الأطفال في بلدته ووطنه، لا يحصل من السلطة على حقوق الطفولة، ولهذا فهو موجـَع، وهذا الوجع والأسى سيبقى ملازما له، لأنه سيظل فاقدا لحقوقه شابا ورجلا وكهلا، على الرغم من تغير السلطة التي كان يؤمل أن تكون على وفق ما تخيله وسنراه محبطا تجاهها، وتجاه الذين نكصوا ولم يحققوا أو ينفذوا ما كانوا ينادون به، وهو شاركهم مضحيا حتى بالنفس.لذا يقول:
أنا سادن الوجع الجليل خبرته طفلا وها قاربت يوم ذهابي
كذلك يقول في قصيدة ياهند:
يا هند منذ طفولتي وأنا راع خرافي الشوق والوجد.
ويؤكد وجع الطفولة في قصيدة مهاتفة من إمراة مجهولة يقول:
ماذا سأخسر قد أضعت غدي ومشت بي الأحزان من صغري.
في قصيدة أخرى يؤكد على الطفولة بصورة غير مباشرة في قصيدة شبيه الياسمين فيقول:
وتفطمني من الأحزان اني رضعت الدمع لا الماء القراحا.
والماء القراح استعارة ليس للبن الأم لأن المخاطب هو الوطن أو انثى، وهذا الماء القراح – اللبن - يرضع الحزن ولا بد له من الفطام، وفي أية حال فهذا يفصح عن طفولة غير سعيدة
وفي قصيدة هل هذه بغداد:
يا من أضعت طفولة وفتوة ماذا ستخسر لو أضعت الباقي.
هنا يقول انه أضاع الطفولة، وهذا تصريح خطير، لا سيما وانه يأتي في سياق شرح مراحله العمرية المختلفة، ويقول:
أو لست من صام الشباب مكابرا عن ماء أعناب وخبز عناق.
ولي وقفة مع هذا البيت إذ يمثل مرحلة الشباب التي تمرد فيها يحيى على نفسه المكابرة، فأورد لفظة صام بمعنى:انه حيال المعاصي هو كالصائم، لأنها موجودة، فمن رام تجنب ومن رام اتخذ سبيله اليها، لكنه صام، وهي من المحرمات عنده، تتمثل في الخمرة معبرا عنها بماء العنب، (لكنه مارس شرب الخمرة لحين وهو يفصح عن ذلك ويسمية باللفظة العامية القزلقط)، والجنس معبرا عنه بالخبز، وهو حقا كالخبز، لأن اشباع غريزه الجوع تكون بالخبز، واشباع غريزة الجنس تكون بالعناق، وهو استعارة داخل استعارة وتمثل الفعل الجنسي، أو ممارسته، وفي مجمل هذا البيت أرى انه من عيون الشعر العربي في استعاراته، فقد استعار فيه ثلاث إستعارات، الثالثة تضم استعارتين ممتزجتين بصيغة فنية عجيبة، وهي عبارة خبز العناق.
 إن العناق تعبير عن بدء الإتصال الجنسي، والخبز رمز تاريخي للجياع عامة، في شتى أنواع الجوع، والخلاصة ان يحيى متمرد هنا متمرد على الذات متمرد على الغرائز لذلك جاءت لفظة صام،ولا بد لي أن أذكر ان الخبز والخمر أو النبيذ متلازمان كرمز تاريخي ديني يمثلان الإشباع من الجوع والعطش، فسخرهما يحيى بشكل جديد ليمثلا معا اشباع الجوع الجنسي لذا فهذا البيت دسم وكثيف جدا معنى وسبكا، فقد ورد في الكتاب المقدس في سفر التثنية اصحاح 29 عبارة – لم تأكلوا خبزا ولم تشربوا خمرا – وفي سفر القضاة اصحاح 19 مانصه – وأيضا خبز وخمر لي ولأمتك -.
ان تأثير البيئة على طفولته تتوضح في تصريحات أخرى من قصائده، وكما أسلفت التاثير الذي اشترك فيه الأم والأب، فيقول في احدى رباعياته:
قد أورثتني عفة بهوى أمي وأورثني الوفاء أبي.
لا يعني معنى التوريث هنا انها انتقلت اليه بوساطة ال – دي ان أي – بل بمعنى التربية التي وطناها فيه.
ليس غريبا أن يتربى يحيى في مؤسسة بيتية هي أقرب للأمية منها للأكاديمية، وتكون هذه المؤسسة المجتمعية ناجحة، ففي عالم اليوم هناك مؤسسات رسمية وأكاديمية تعنى بهذا الجانب من حياة الفرد بإعتمادها أساليب أكثر شفافية غيرتقليدية، لكن النمط التقليدي الذي يستعمل العصا والضرب في أحد وسائله كان فالحا في الوصول إلى نتائج مبهرة، وأعتقد ان خيمة الدين التي قننت العرف والتقاليد كانت المؤثر البليغ في شخص يحيى، ويصف يحيى انه في بعض ما كتب كان ثرثرة مراهق لم يكن قد تذوق طعم القبلة بعد، فإذا به يزعم انه زير نساء، وكان حتى هذا الزعم غير مقبول ويتنافى مع قيم المنظومة التي يراد ليحيى التربي عليها، فجاء دور الخال هذه المرة الذي سمع الزعم فاشبع يحيى رفسا – راجع الحوار بين وفاء عبد العزيز والسماوي بسؤالها حول الإيروتيكية – بمعنى ان الزعم فقط غير مرغوب به، وهذا يعني صرامة البيئة التي تربي المراهق والتي تؤسس الشخصية المستقبلية، لكن دور الأم والأب يبقى معه حتى بعد رحيلهم، فذكراهم لا تنقطع عن مخيلته، ولربما يتصور نفسه الطفل الصغير الذي يلوذ بأحضان أمه، ويبكي على كتفي أبيه فتيا، فيقول: في رد على سؤال هيام الفرفيشي – الأطفال حين يبكون من هلع ورعب، فإنهم لا يجدون حصنا أكثر مناعة من حضن أمهاتهم، اما الفتية فإنهم يجدون الأمان حين يتكئون على أكتاف آبائهم – اذن بإستلال هذا الجزء من الجواب عامة نستطيع فهم ان الأم حصن منيع مع علمه جيدا انها كانت تريد إطعامه للسعلاة، اما الأب فعنده الأمان وهو المتذكر كرّ الصفعات التي نالها منه. ويعبرهذا المقطع عن الشعور المدفون في الدواخل والتي تطفح لا شعوريا في لحظة مناسبة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق