| المتمردون يحيى السماوي (1) / سـردار محمد سعيد |
| سردار محمد سعيد |
| قصيدة معلمي يحيى السماوي المعنونة (مسبحة للتي ليست تسمى) جعلتني أشك في النظرية التي تقول ان زمن القصائد الطوال قد رحل، ولعل النـَفـَس الملحمي للشاعر السماوى، والذي يشد القارىء و يجذبه ولا يخدش أحاسيسه مصدره ثروة لغوية كبيرة وموهبة أصيلة. ولكن ما علاقة ذلك بالتمرد؟ في الجزء ذي الرقم 32 من القصيدة جلب انتباهي هذا المقطع: جربت يوما أن أعيش تمردي في جنة المتشردين. وتذكرت يوم اعترض أحدهم على مشروع تعينني في إدارة علمية تخص الموهوبين – وليس المتميزين – أي تخص ما يسمونهم Talented or Genius فسأله أحد علماء النفس عن السبب فقال: لأنه متمرد فأجابه الباحث النفسي: الموهوبون متمردون وهي صفة تلازمهم وهذا لا يعني بالطبع ان المتمردين موهوبون إلآ ان الموهبة في أساسياتها خلق لشيء جديد والتعبير بصيغ استثنائية وهذا يراه التقليديون او غيرهم من سدنة الوصايات أيا كانت تمردا ومناطات الإبداع المعروفة في العلم والفن والأدب ثرية بأمثلة يمكن تناولها والبحث فيها. الشعراء والتمرد من الشعراء المبدعين غير التقليديين ممن تمردوا على واقعهم التقليدي فسلكوا دروبا جعلت الناس تصغي اليهم وتتناول شعرهم وفنهم في الأماكن العامة والدواوين وفي مجالس السلطة على سبيل المثال لا الحصر ابو نواس، لقد تمرد أبو نواس على الأطلال ومناجاة الرسوم والوشم والنقوش والأثافي، واتخذ مسلكا معروفا وأحدث، فعلى صعيد السلوك الشخصي الخاص كان متمردا على البيئة في عصر كانت فيه الممنوعات وإن سمح بها سرا تعد من التجاوزات الأخلاقية أو ما يطلق عليه اليوم إصطلاحا خطوطا حمراء إذ أصر النواسي على نهج انتهجه وطد فيه لنفسه شخصية متفردة وهذا هو عين التمرد كما أرى. إن التمرد يأخذ أشكالا شتى في حياة وسلوك الفرد وينعكس ذلك على شخصيته ونتاجاتها علما وفنا وأدبا و و. و هناك محور تمردي هو الأبرز الذي سيوصف به الفنان وهذه الصفة - المحور الأبرز - تلازمه تاريخيا ويبقى عندما يذكر اسمه تذكر الصفة تلك ملازمة له، فالخمرة صفة التمرد عند أبي نواس، والعشق والتشبيب صفة التمرد الملازمة لعمر ابن أبي ربيعة والكبرياء والإعتداد بالنفس صفة المتنبي والتسول صفة الأخطل والفروسية صفة عنترة وهكذا. هذا على الصعيد الشخصي اما على الصعيد العام والحقبي كان للشعر الأندلسي عامة صفة التمرد على أسلوب الطرح التقليدي. ومن المحاولات التمردية الناقصة هو شعر البند ومن المحاولات التمردية الناجحة هو الشعر الحر وكسر قيود القافية. بالنسبة لشاعر بشخصه لابد له من قصيدة متمردة أو أكثر فيها أو من خلالها يطل على الناس، فمثلا مظفر النواب أطل على الناس بقصيدة عامية هي (الريل وحمد) ومن ثم ليتواصل مع جمهور الأغلبية العربية أطل بقصيدة (القدس عروس عروبتكم). من الشعراء الذين لم ينح هذا المنحى بل أطل بمجموعات شعرية متميزة هو الشاعر يحيى السماوي، أما محور التمرد الأبرز هو التصدي للسلطة الغاشمة والفئات الظالمة أيا كانت ومهما تنوعت مناهجها واتجهاتها لكن تشترك معا في قهر الشعب والإنسان وأرى ان هذا النتاج الجامع الذي يجعله معروفا ومشهورا ومحبوبا هو نتاج عدد من المتمردين في شخص يحيى، بعبارة أخرى ان نتاجا جامعا مبهرا ليس نتيجة تمرد واحد بل نتاج محصلة التمردات التي كونت يحيى الشاعر، أولها المتمرد يحيى الطفل والمراهق: يحيى كما هو معروف ابن مدينة صغيرة يخترقها نهر الفرات وتتواصل من جهة الغرب مع الصحراء العربية وفي بيئة يحيى للعشائرية دورها في تصرفات ووعي الشخص وفيها مجموعة من الأعراف التي لا يمكن تجاوزها او الإنقلاب عليها وبعبارة أخرى التمرد عليها وللعائلة دور في المحافظة على تلك الأعراف، والحقيقة في جلها تستند على الفكر الديني والقيم السامية فيه ومجموعة القيم والأعراف هذه تقف عائقا بوجه المتمردين، ولعل في بعض المجتمعات يكون التمرد غير مفهوم للناس ويوصم بالخزي والعار كونه متقدما على عصره فكريا ولا ينسجم مع مشاعر ولا طبائع وسلوكيات المجتمع فقد عد عروة والصعاليك عامة من المتمردين المنبوذين بالرغم اننا نراهم اليوم من المتمردين الموهوبين فمن يحسو قراح الماء والماء بارد لا يفرد افراد البعير المعبد فهو ليس بأجرب، هذا نوع من التمرد الإجتماعي حقيقته جهاد من أجل الناس وإنسانيتهم. ان مقارعة السلطة ليس بالأمر السهل، لكن مقارعة النفس أصعب منها فكيف يمكن للفرد أن يحصن نفسه ويستطيع مقارعتها ويصونها من الشطط؟ هل يمكن أن تعمل الذات على تقويم ذاتها، على وفق نظرية صنت نفسي عما يدنس نفسي؟ أنا لا أرى ذلك صحيحا، هو حاصل تأثيرات شتى تعايش معها الفرد. القول ان يحيى لم يشطط أو يزلل لأنه هو وحده بوحده أراد ذلك، قول ينقصه الصواب هنا نغمط حق البيت والمدرسة والبيئة التي اعتاشها الشاعر وبمجموعها كونت يحيى. من الواضح المراهقة التي هي حلقة من حلقات التطور العضوي والنفسي يظهر فيها التمرد فالتغيرات العضوية تثير في نفس المراهق الجنس وليس الحب فالجنس هنا مغلف بالحب الفج، ولم يكن يحيى متمردا بمعنى انه استمر على تحدي البيئة وأعرافها وقوانينها لكن بمعنى ان تمرده هو تمرد المراهق على الطفولة تمرد الإحساس بشعور التغير العضوي ونتاجاته فسلك سلوك غيره من المتمردين، ومن هذه السلوكيات هو العناد، لذا يقول: وأين شقاوتي طفلا عنيدا أبى إلاّ انتهالا من سراب. ومنها وهو الأهم تأثيرات المراهقة التي بدأت تظهر في سلوكياته وممارساته، وهنا بالدقة يظهر تأثير التربية والبيئة فالأب والأم أي العائلة يشتركان في توجيه دفة السفينة نحو شواطىء السلامة ودونها ربما يكون الفرد في سبيل لا تحمد عقباه فما الذي حصل مع يحيى؟ دعونا نقرأ الآتي: كنت ابن عشر واثنتين فلملمت شفتاي ما استعذبت من كلمات غازلتها ثم انتبهت إلى أبي خلفي يكر علي بالصفعات أتخون جاري يالئيم وعرضه عرضي وكل المحصنات بناتي تب للغفور اذا اردت شفاعة واستمطر الغفران بالآيات واستكملت امي العقاب وراعني ويل باطعامي إلى السعلاة فندمت – رغم براءتي – وأظنه كان الطريق إلى جنان صلاة في هذه المقطع من القصيدة يوضح فصلا مهما من فصول تربيته فالأب البقال المواطن البسيط و الأم المواطنة البسيطة ذات الوشم كلاهما يشتركان في كبح المتمرد الصغير وإن كان بريئا وكلاهما يشترك في رسم درب العفاف وفيها يذكر يحيى سنه بالعدد فهو في زمن المراهقة أو بدايتها، وحاول التمرد على العرف الإجتماعي للمدينة الصغيرة السماوة في وقت ربما مؤذن واحد يمكنه ان يسمع صوته الجميع، مثل هذه المدينة مدائن عراقية اخرى كثيرة، صغيرة المساحة، عالية الخلق، ساميته، بوجود مثل عائلة يحيى وللأسف بدأنا نفقد مثل هذه العوائل، وأتذكر يوما عندما كنت أقف بالدور في منطقة الغزالية في بغداد لأشتري الخبز، وقفت سيارة تقودها إمرأة فاتنة وضحت عليها دلائل النعمة والتحضر – الزائف - ونزل منها صبي ووقف خلفي متخذا دوره فقالت له : تقدم وكن الأول وخذ قبلهم، ألست رجلا؟ عجبا لاحظوا كيف تعلمه فالرجولة سلب حقوق الآخرين والإعتداء على مشاعر الناس، فقلت لها ياسيدتي: سيكون أكثر رجولة لو تخذ دوره معنا، فغضبت وسحبت ولدها. في هذه الحكاية الواقعية غايتي أقارن بين من يدعون الثقافة والمدنية بالبسطاء الذين لم يتلقوا نصيبا من العلم الأكاديمي وكيف يمكن أن يؤثر ذلك مستقبلا في توجهات الفرد كيانا وممارسة.ويلاحظ في القصيدة استعمال الأب الوسيلة التي كانت سائدة في التربية وهي الضرب ولا شك ان الضرب وسيلة مفيدة أحيانا كعقاب صارم بحيث لا يؤدي لضرر جسمي وهو لن يؤدي ضررا نفسيا لو كان في محله، ولقد وجدت في إحدى زياراتي لمدرسة اسبانية عصا في غرفة الناظر فانتبه لي فقال: هي للتخويف وليس للإستعمال فقلت له، هل تعرف ان هناك نظرية إسلامية تعنى بهذا الشأن تقول بكلمتين ( أدبوهم وعلموهم) فيحيى حاول التمرد بأن يغازل أخته في الله على وفق ما قاله الأب وسلكت أمه على بساطتها سلوكا آخر فاستعملت وسيلة التخويف بإطعامه للكائن الخرافي الغول الذي لن يستطيع الهروب منه إذا قدم يحيى المراهق كوليمة شهية له، فكان لكلام الأم التخويفي بادرة لصد يحيى عن الضلال وسلوك سبيل الرشاد، ومن المهم أن نرى بوادر التوجه الديني في هذا المقطع والذي وجهه اليه أبوه بأن يتجه نحو القرآن الكريم ويتلو آياته ويطلب الغفران من خلالها ولذلك يقول: وأظنه كان الطريق إلى جنان صلاة. ما أريد تأكيده أن طفولة يحيى ومراهقته لم تكن تمردا بمعنى الشذوذ لسبب وجيه هو المراقبة العائلية وتصرفها العملي، ولو أنه تمادى في غيه وأسرف لا يمكن أن نضع اللوم على عاتق البراءة وحدها بل الملام هو العائلة والبيئة والعامل الذي يقف وراءهم واقصد الوازع الديني. |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق