دراسة نصية تحليلية في قصيدة (جرح أكبر من الجسد)
دراسة تحليلية في المحفزات الشعرية / و أنساقها التأملية
(رؤى و مدلولات اغترابية مأزومة)
نص القصيدة
(جـرحٌ أكبـر من الجـسـد)/ يحيى السماوي
كــفـانـي مــن كــؤوسِــكَ مــا ألاقــي
أســاقــيـهــا وغــيــرَ فـمـي تُــسـاقـي
عـصـرتُ نـدى الـعـيـون وعـتّـقــتْـهــا
بـأجْــفــانـي تــبـاريـحُ اشـــتــيــاقــي
وصَــيَّـرْتُ الـمــوائـدَ مـن ضـلــوعـي
لـمُـصْــطــبَـح ٍ بـحـقـلِــكَ واغــتِــبــاقِ
وعـبّـدتُ الـطـريـقَ بـعُــشْــبِ عـيـنـي
فــمــا أشــرعْــتَ نـافــذة الــتَّــلاقــي
أتـخـشـى أن أشـــدَّ عـلـيـكَ صـدري
لــيُـطــفِـئَ مُـجْـمِـري خـمـرُ الـعِــنـاق؟
تـهـــيّــمَــنـي هـــواكَ وكـنــتُ أدري
بـحَـبـلِ الـصـدِّ ضَـيَّـقَ مـن خِـنـاقـي
وأدري أنـــنــي: لابــدَّ يــومـــــا
ســـتُــفـجِـعُــنـي بـأكـؤسِـــكَ الـدِّهــاق (1)
وهــا أنـذا فُـجِـعــتُ فــلا عــشــيـري
يُــســامِـرُ مُــقـلــتـيَّ.. ولا رفـاقــي
ولا الــغِـــيــدُ الــلــواتـي كُــنَّ مــنّــي
كـمـا الأجـفــانُ تـحـتـضِـنُ الــمـآقـي
عـجـبـتُ عـليّ كـيـف أجـوزُ بــيــداً
ضَــبـابـيَّ الـخـطـى مَــشــلـولَ ســـاقِ؟
عـقـدتُ عـلـى الحـبـيـبِ قِـرانَ قــلــبـي
فـنـبـضـي ـ لا يـواقــيــتـي ـ صِـداقــي
تـعَــكّـزْتُ الــضّـلـوعَ أجـرُّ ظِــلّــي
ذبـيـحَ الــشّـمــسِ مـنـطـفـئَ الـحِــداق (2)
أمــجــنــونٌ أنــا؟ أرجــو نــمــيـــر اً
كــشـهْـــدِ الــوردِ مـن مُــرِّ الــمَــذاق؟
أحَـرِّضُ خـنـجـري ضـدي فـجـرحـي
صـنــيـعُ يـدي ووهــمـي واخــتـلاقـي
أمِـنْ يـأسٍ وحـولـي نــهــرُ نُـعــمـى
وبُــســـتــانٌ مـن الـخُـصُــرِ الــرِّقــاق؟
ومـا عَـجَــبـي عـليَّ خـسَــرتُ أمـســي
وشـمـسَ غـدي؟ ألـسْـتُ مـن الـعــراق؟
مُــعــاقٌ مــاؤهُ ... أيُــلامُ عُـــشـــبٌ
ذوى يــمــتــارُ مــن مــاءِ مُــعــاق؟ (3)
تـرجَّــلْ... آذن الــنّـاعـي بــوصْــل
وآذنــتِ الــحــبــيــبــة بــالـــفِــــراق
وآذنـتِ الــحــقــولُ إلــى خــريــف
وآذنـتِ الـــنــجــومُ إلــى مــحــاق
لـحـاكَ الـلّـهُ يـا قـلــبـي.. أتـرضـى
بـذلّــي واحْــتِــطـابـي واحـتِــراقــي؟
وبــالآهــاتِ تــنـفــثــنــي فــيـغـــدو
قــراحُ الــمــاءِ كـالــصّـابِ الــزُّعـاقِ؟ (4)
لـحــاكَ الــلّـــهُ يــاقـــلـــبـــاً عــدوّاً (5)
كـــأنّـــكَ والـــعـــواذلَ بــاتِّـــفــاقِ
أمـا فـي الـخـلـقِ فــاتــنــةٌ سِــواهــا؟
وهــل عَــقُـمَ الــزّمـانُ فــلــن تُـلاقـي؟
تُــعــانِـدُنـي كـأنــكَ لــسْــتَ قــلــبـي
فـلـســتَ تــرى ســـواهــا مـن خَـلاقِ (6)
دخـلـتَ رحـابَـهــا فـي لـيـلِ طــيــشٍ
لـتـعْـِتــقــهــا فـصـرتَ إلـى انـعِــتـاقِ!
رأتــكَ مُـضَـرَّجا ً بـالـشَّــوقِ مُـلـقـىً
عــلـى بــابِ الــهـــوى بـدم مُـــراق
فـمــا شــدَّتْ عـلـى جـرح وشــاحـا ً
ولـمْ تـســنــدْ هــشـيــمـاتِ الـتَّـراقــي
أزاهـــرُهــا ونــحــلـي فــي خِــلافٍ
وخــنــجــرُهــا وصـدري فـي وفـاقِ
مـضـى مـنـك الـكـثـيـرُعـزيـزَ عُـمْر ٍ
فــكـيــف رضـيـتَ ذُلآ لـلــبــواقــي؟
أقـايَــضْــتَ الــمـراثـي بــالأغــانـي
ومــجْــدَكَ بــالـغــوانـي والــرِّشــاق (7)
عـرفــنـاكَ الـصّـبـورَ عـلى الــرّزايـا
ومـا اسْــتـسْـلـمْــتَ لـلـغِــيـدِ الــرِّقـاقِ
فــأيــن قــوافــلُ الآمـالِ؟ أضـحــتْ
ذلــيـــلاتِ الــهـــوادج والـــنِّــيــاق
تُــريــدُ الــنَّجـمَ بـســـتـانـا ًوتـدري
بـأنــكَ لــسْــتَ خــيّــالَ " الــبُــراقِ "
نـزيـلُ الـبــئــر أنـتَ فـكيـف تـرجـو
صــعــودا ً والـــقـــوادِمُ فــي وثـاقِ؟
روَيـدَك... لـســتَ أوّلَ مُــسْـــتـهـامٍ
غــفـا فـأفـاقَ جَــمْــرا ً فــي وجـاقِ! (8)
روَيْـدَكَ.. لا تـكـنْ لـلـسّـيْـفِ غِـمْـدا ً
كـأنَّــكَ والــفـجــيــعــة فـي سِـــبـاقِ!
فـيـا ابْـنَ الـغـربـتـيـنِ كـفـاكَ نُـصـحـاً (9)
لــمـعــشــوقِ يُــصَــدِّقُ بــالــنّــفــاقِ
يـرى فـي الـنُّـصـحِ غـيـرةَ مُـسْـتـريـبٍ
فــيــجْــنــحُ عــن صِــراطِ لانــزلاقِ
غـــزالٌ بــيــن مَــذئــبَــةٍ وغــابٍ..
طــهــورٌ بـــيــن مـــنــبـــوذٍ وعــاق
أشــفُّ مــن الــنـدى جَـهْـراً وسِــرّاً
طـهـورُ الـقـلــبِ والــفــم ِ والـنِّـطـاق (10)
مـن الأرضـيـنِ.. لـكـنْ فـرطَ طـهـر ٍ
كـأنَّ بـهِ مـن الــتِّـســعِ الــطّــبـاقِ (11)
ويـا ابـن الـغــربـتـيـنِ كـفـاكَ زهــواً
بـأنــكَ لـمْ تــخُــنْ شــرفَ الــعـــراق
ولا خـنـتَ الــنـخـيـلَ وكـوخَ طـيــنٍ
ولا مـجـدَ الــسّــنـابـل والــسّــواقـي
ويـا ابـن الـغـربـتـيـنِ أطـلـتَ شـوطـاً
بــمِــضْــمــار ٍ عَــصِـيِّ الإنــطــلاقِ
ويــا ابــن الــطــيّــبــيــن أبــا ً وأمَّــا ً
وتِــربَ الــكـادحــيــن مـن الــرِّفــاقِ
فـأنــعِــمْ بـالــذي عــانــيــتَ دهـــراً
ومــا لاقــيــتَ مـنـهــا.. أو تُــلاقــي
فـلـولا الـجّـمـرُ مـا أضـحـى شــهــيّـاً
رغـيـفُـكَ نـاضِـجـاً عـذبَ الــمــذاقِ
(1) الأكؤس الدهاق: الكؤوس المليئة.. والمراد هنا: الكؤوس الملأى علقما..
(2) حداق: كحدقات وحَدَق وأحداق: جمع حدقة
(3) يمتار: يتزوّد
(4) الصاب الزعاق: الحنظل.. الزعاق: الشديد المرارة
(5) لحاك الله: عقرك الله، قبَرَك الله..
(6) الخلاق: الخير العميم والمرتجى أو المطمح..
(7) الرشاق: جميع رشيقة
(9) ابن الغربتين: المقصود بهما غربة الوطن وغربة اللسان
(9) الوجاق: الموقد الطيني / التنور
(10) النطاق: ما يُلف على الخصر والبطن من قماش / والمراد به هنا: طاهرة الروح والجسد والثياب
(11) التسع الطباق: السماوات التسع
- التحليل النصي:
إن النص الشعري الحقيقي خلية حية تنبض بالحياة / و الكثافة / و الحساسية / و الشعور، و النص الشعري الحقيقي هو نص تجاوزي في الرؤية / عميق المداليل / شديد الكثافة / و العمق / و الإيحاء، و اختيار النص الشعري المتميز يعتمد على ذائقة الناقد الشعرية و حساسيته النقدية، و براعته في اختيار النص المناسب للتحليل و الاستنباط والتفعيل الإيحائي للرؤى الشعرية المجسدة، و مدى استطاعته فك خيوطها الخفية، و استخلاص مثيراتها الجمالية، يقول الناقد علي جعفر العلاق مؤكداً أهمية الناقد في اكتشاف كنه النص، و تحفيز القراء لاستقطابه، مايلي: " إن القارئ في تلقيه للنص الشعري، لا بد أن يولي اللغة عناية كبرى، فلغة الشعر عميقة التخفي / و شديدة الكثافة، إنها مفعمة بالانزياحات و المراوغة، و هي حين تجسد موضوعها، تمعن في الالتفاف حوله و مشاكسته و تلوين فجواته بالحيرة / أو الضوضاء / أو التردد... و لا يتوقف القارئ عند هذا المستوى من لغة النص، بل يذهب إلى ما يجسد كتلته الماثلة على الورق: حوار السواد و البياض، بعثرة كلماته، تمزيق الروابط بين عناصر الجملة الواحدة، الحجوم، و الامتداد، و الفراغات، و كثافة الحرف، و علامات الترقيم، ثم عليه أن يلتفت إلى موجهات القراءة، أو عتبات النص، أعني: عنوانه، و ما يشتمل عليه من إهداءات، و مقدمات، و تاريخ الكتابة، و مكانها، و ما يتخلله من صور و تخطيطات... و إضافة إلى هذا كله، فإن النص لم يعد صورة لغوية لانفعال الروح فقط، بل هو، أيضاً، تجسيد للحظة معرفية و رؤية، تنفتح على هواء الحاضر و الماضي معاً، و تضمهما سوية في نسيج حي مترابط لا انفصام فيه، و لهذا، كله، فإن تفاعل القارئ مع النص الشعري الحديث يتطلب إقامة أطول في مناخاته / و استغراقاً في تفاصيله و ثناياه. و هذه الإقامة المتريثة هي التي تتيح للقارئ التقاط ما يتسرب في جسد النص من التماعات أسطورية، أو دينية أو شعرية تمثل صلته بشجرة النصوص و الرؤى الأخرى " (1)
إن ما أشار إليه العلاق يؤكد أهمية الدراسات اللغوية في الكشف عن بنية الخطاب الشعري و قيمته الجمالية، فالنص الشعري الجيد هو – بالتأكيد - نص لغوي جيد، و لا يمكن أن يخلد النص إلا بخلود لغته و تميز رؤيته، و قارئ قصائد السماوي يلحظ عمقها الرؤيوي / و بثها الايحائي للرؤى بشاعرية مرهفة، و إحساس شعوري دافق بالحساسية و الرهافة الشعرية، و أول ما يلفتنا في قصيدته (جرح أكبر من الجسد) إحساسه الاغترابي / و معاناته الاغترابية إزاء بعده عن العراق / و شوقه الدائم إليها، فاختلطت - في هذه القصيدة - الرؤى الاغترابية بالغزلية / بالتأملية / بالاسترجاع الزمني / بالحس العاطفي المأزوم، إنها تحمل في طياتها لغة انسيابية، ترصد عمق الذات و معاناتها، بتمفصل شاعري على مستوى إثارة الصور و التراكيب المبتكرة، و ايحاءاتها الشفيفة، ومن تدقيقنا في مسارها النصي يمكن أن نحدد أهم قيمها الجمالية، و هي قيم ترتقي بشاعريتها، و هي كما يلي:
أ - شاعرية الرؤية.
ب - شاعرية الحدث.
جـ - شاعرية التشكيلات اللغوية.
ء - شاعرية التلاؤم الصوتي.
هـ - شاعرية المثنويَّات الصوتية.
حـ - جمالية المناخ اللغوي الرؤيوي العام.
أ – شاعرية الرؤية:
و نقصد بـ ] شاعرية الرؤية [: شاعرية المغزى الفني الذي تطرحه القصيدة، و مصداقية المنظور الفني / و تفاعل النسق الدلالي الجزئي ضمن المدلول النصي العام الذي تخطه الرؤية الشعرية في مسارها النصي إلى نهاية القصيدة، لتبث رؤية محددة / و مغزى دلالي معين، وإن هذه القصيدة خصبة بالرؤى الشعرية التي تبث ألقها بحركة دلالية مفتوحة تبين جراح الذات و عمقها التأملي / و مناخها الغزلي الشفيف، كما في قوله: "
كــفـانـي مــن كــؤوسِــكَ مــا ألاقــي
أســاقــيـهــا وغــيــرَ فـمـي تُــسـاقـي
عـصـرتُ نـدى الـعـيـون وعـتّـقــتْـهــا
بـأجْــفــانـي تــبـاريـحُ اشـــتــيــاقــي
وصَــيَّـرْتُ الـمــوائـدَ مـن ضـلــوعـي
لـمُـصْــطــبَـح ٍ بـحـقـلِــكَ واغــتِــبــاقِ
وعـبّـدتُ الـطـريـقَ بـعُــشْــبِ عـيـنـي
فــمــا أشــرعْــتَ نـافــذة الــتَّــلاقــي
إن شعرية الرؤية في هذه القصيدة تتبدى في مساقاتها التأملية / من خلال تشكيلات لغوية تحفز المنظور الغزلي / أو البث الداخلي لمعاناة الذات في تأمل غزلي عميق يشي بحجم المكابدة الشعورية / وحجم الضغط العاطفي الاسترجاعي التذكري للحظات الجمالية في الزمن الماضي، زمن الإشراق الغزلي / و التوق العاطفي / و الانفتاح الوجودي، فهو يرى في المحبوبة كنز الروح / و ألق العاطفة، فهي تسمو بروحه رغم صدها عنه، و جفائها له أحياناً، و هذا الأسلوب في البث الشعري و إن بدا للقارئ مكروراً مسترجعاً في الكثير من القصائد الكلاسيكية القديمة، غير أن السماوي استطاع أن يفعِّل قصائده الغزلية بالومضات التصويرية الجمالية المبثوثة بألق اللحظة الراهنة، و كأن الشاعر يعيش المرحلة الحقيقية لسن الصبا و الشباب و هذا ما نلحظه من خلال التمظهرات اللغوية الفاعلة التي تثير القارئ و تحفزه لمتابعتها، و لذا، فإن السماوي يرتكز على مقومين مثيرين في هذه القصيدة، يشكلان محورين مهمين في بلورة رؤيتها، المقوم الأول: (مقوم رؤيوي عاطفي) مبثوث بألق الحالة الشعورية المصطهجة التي تكتنز بالإيحاء / و التأمل / و العمق، و المقوم الثاني: (مقوم صوتي موسيقي) يتبدى هذا المقوم بتضافر القوافي الداخلية و الخارجية، لتضفي على الأبيات طابعاً موسيقياً على مستوى قوافيها الداخلية خاصة، إذ إن القوافي الداخلية عادة ما تتموضع في نهاية الفواصل الشطرية بين شطري البيت، بمعنى أن للبيت الشعري في هذه القصيدة قافيتين تقريباً قافية شطرية أولى و تنتهي عادة في نهاية الشطر الأول بتواتر (ياء المتكلم) التي تزيد النغم الصوتي في الشطر الأول لتستتبعه بتناغم تقفوي في نهاية الشطر الثاني، إذ أن القافية الشطرية الثانية تنتهي بالقاف المكسورة و تحمل في مدها الصوتي ملفوظ الياء الصوتي أيضاً، و هذا التفاعل الصوتي على مستوى شطريّ البيت يكسب البيت الشعري في هذه القصيدة تكاملا إيقاعياً، يبهج القارئ، و يحفزه جمالياً إلى تتبع هذا المد الصوتي الفاعل على المستويات كلها.
و اللافت – على صعيد شاعرية الرؤية – تبئير الرؤية صوب أربعة موضوعات / أو مثيرات دلالية هي: أولاً الاغتراب، ثانياً الأنثى، ثالثاً العراق، رابعاً الزمن، إذ إن كل موضوعة دلالية تشكل مداً ورافداً للموضوعة الأخرى، لتأتي بصدى تأملي عميق / و إحساس وجودي غزلي يصطخب بالمعاناة / و المكابدة الغرامية، كما في قوله:
عـقـدتُ عـلـى الحـبـيـبِ قِـرانَ قــلــبـي
فـنـبـضـي ـ لا يـواقــيــتـي ـ صِـداقــي
تـعَــكّـزْتُ الــضّـلـوعَ أجـرُّ ظِــلّــي
ذبـيـحَ الــشّـمــسِ مـنـطـفـئَ الـحِــداق
أمــجــنــونٌ أنــا؟ أرجــو نــمــيـــراً
كــشـهْـــدِ الــوردِ مـن مُــرِّ الــمَــذاقِ؟
أحَـرِّضُ خـنـجـري ضـدي فـجـرحـي
صـنــيـعُ يـدي ووهــمـي واخــتـلاقـي
إن هذه المكابدة الغرامية التي يبثها في قصائده – و من ضمنها هذه القصيدة – تذكرنا بشعراء الكلاسيكية العظام في سوريا أمثال عمر أبو ريشة و بدوي الجبل، فهذه الأبيات التي تضج بالروحانية / والألق الصوفي / و العمق التأملي / و الزخم العاطفي الدال على التوق و الاحتراق العاطفي تقترب في مدها الغزلي (الصوفي) من قصائد الشاعر بدوي الجبل، و للتدليل على ذلك نورد قول البدوي في هذه القصيدة: "
يُرافِقني سرابُكِ أريحيَّا
فأغمَرُ بالرحيقِ و بالمُلابِ
سرابٌ أسمرُ القسماتِ هانٍ
نديُّ اللمحِ ورديُّ الحبابِ
سرابُكِ رحمة ٌ و مُنىً حِسانٌ
سكبنَ طيوبَهُنَّ على عذابي
أحث ُّ خطايَّ في اللهَبِ المُدَمَّى
إلى أفيائِهِ الخُضْرِ الرِطابِ
سقا اللهُ السرابَ و فاءَ قلبي
و عِطرَ سريرَتي و صبا ربابي
و نضَّرهُ بأندى من دموعي
و دَلـَّــلـــهُ بأنعَمَ من عِتابي
بما بينَ الجوانِحِ من حنينٍ
مُلِحٍّ في الشهودِ و في الغيابِ
بنارِ تدلــُّـهي، برؤى جنوني
بإيماني بحُبِّكِ بارتيابي
بوجهِكِ و هو نورٌ في صلاتي
بهمسِكِ و هو وِردٌ في كتابي
و تلثُمُ ما أسَبِحُ من شِفاهٍ
و ترشِفُ ما أقدِّسُ من رُضابِ " (2)
إن هذا النفس الشعري الغزلي الصوفي يبثه الشاعر يحيى السماوي برؤى تحايث رؤى الشاعر بدوي الجبل، فكلا الشاعرين اعتمد الرهافة التصويرية و العمق التأملي الصوفي في شحن الدفقة الشعرية بمثيرات غزلية حسية، تبدو للقارئ العادي، أنها توجه لأنثى حقيقية بمثيراتها الجسدية الشهوانية التي تضج بالشهوة و الغريزة، لكن الأمر ينطوي على عمقٍ رمزي مقصود رغم محاولة الشاعرين إيهام القارئ بالمدلول المباشر لرمز الأنثى، و هذا ما يظهره لنا السماوي في قوله: "
تـهـــيّــمَــنـي هـــواكَ وكـنــتُ أدري
بـحَـبـلِ الـصـدِّ ضَـيَّـقَ مـن خِـنـاقـي
وأدري أنـــنــي: لابــدَّ يــومـــــاً
ســـتُــفـجِـعُــنـي بـأكـؤسِـــكَ الـدِّهــاقِ
وهــا أنـذا فُـجِـعــتُ فــلا عــشــيـري
يُــســامِـرُ مُــقـلــتـيَّ.. ولا رفـاقــي
ولا الــغِـــيــدُ الــلــواتـي كُــنَّ مــنّــي
كـمـا الأجـفــانُ تـحـتـضِـنُ الــمـآقـي "
إن رؤيته الصوفية شاعرية في تلمس مثيرات المواقف الغزلية / التي تجوب فضاء الروح / و التأمل / و الشفافية الغزلية، محاولاً أن يستقي جلَّ مثيراتها من الترسيمات التصويرية التي تخط ألقها بصور تشبيهية، تزيد ألق الصورة، و تعزز منحاها الدلالي / و مدها التأملي العاطفي، كما في قوله: "
وهــا أنـذا فُـجِـعــتُ فــلا عــشــيـري
يُــســامِـرُ مُــقـلــتـيَّ.. ولا رفـاقــي
ولا الــغِـــيــدُ الــلــواتـي كُــنَّ مــنّــي
كـمـا الأجـفــانُ تـحـتـضِـنُ الــمـآقـي "
و المثير – حقاً – أن هذه الشاعرية ليست مبنية على ترسيم مسبق للحالة الصوفية / أو التأملية المفتوحة، و إنما جاءت من وميض اللحظة الشعورية الدافقة (اللحظة الآنية) التي تعبر عن نفسها بألق الحاضر، و تحفز الرائي الحصيف إلى بواطنها الشعورية و مواقفها الغزلية المرهفة عبر البث التأملي للمواقف / و الصور / و الحالات / و الانفعالات / بكل مدها العاطفي / و شحنتها النفسية المصطهجة المبثوثة من أعماق أعماقه، إذ استطاع الشاعر أن يلون الأنساق الشعرية بحركة انفتاحية تزيد تدفق الصور متعة و ائتلافاً و تناغماً داخل النسق الشعري من جهة، و تزيد الأنساق اللغوية تناغماً و حساً عاطفياً مرهفاً يضج بالمواقف و الرؤى الاغترابية التي تبث الصبابة و الشجن في نهاية الدفقة الشعرية، كما في قوله: "
ويـا ابـن الـغــربـتـيـن ِ كـفـاكَ زهــواً
بـأنــكَ لـمْ تــخُــنْ شــرفَ الــعـــراق
ولا خـنـتَ الــنـخـيـلَ وكـوخَ طـيــنٍ
ولا مـجـدَ الــسّــنـابـل والــسّــواقـي
ويـا ابـن الـغـربـتـيـنِ أطـلـتَ شـوطـا ً
بــمِــضْــمــار ٍ عَــصِـيِّ الإنــطــلاقِ
ويــا ابــن الــطــيّــبــيــن أبـاً وأمَّــاً
وتِــربَ الــكـادحــيــن مـن الــرِّفــاقِ
فـأنــعِــمْ بـالــذي عــانــيــتَ دهـــراً
ومــا لاقــيــتَ مـنـهــا.. أو تُــلاقــي
فـلـولا الـجّـمـرُ مـا أضـحـى شــهــيّاً
رغـيـفُـكَ نـاضِـجـا ً عـذبَ الــمــذاق ِ "
إن الحس الغزلي التأملي للمواقف الشعورية الاغترابية، يؤكد مهارته في تكثيف مشاعره / و تعزيز رؤيته الاغترابية صوب مؤولة العراق و مأساته الوجودية، مكرساً الصور ذات الفاعلية النسقية في تعزيز شعرية الرؤية الصوفية من جهة، و شعرية الرؤية الاغترابية صوب الوطن / و مأساة اغترابه من جهة ثانية، مؤكداً ذلك بصورٍ ذات شفافية عظمى، و توق شعوري مصطهج، و إحساس اغترابي يدل على هرم الذات، و يأسها حيناً، و انبثاقها و أملها المستمر حيناً آخر، كما في قوله: "
مـضـى مـنـك الـكـثـيـرُعـزيـزَ عُـمْـرٍ
فــكـيــف رضـيـتَ ذُلآ لـلــبــواقــي؟
أقـايَــضْــتَ الــمـراثـي بــالأغــانـي
ومــجْــدَكَ بــالـغــوانـي والــرِّشــاق؟
عـرفــنـاكَ الـصّـبـورَ عـلى الــرّزايـا
ومـا اسْــتـسْـلـمْــتَ لـلـغِــيـدِ الــرِّقـاقِ
فــأيــن قــوافــلُ الآمـالِ؟ أضـحــتْ
ذلــيـــلاتِ الــهـــوادج والـــنِّــيــاق
تُــريــدُ الــنَّجـمَ بـســـتـانـا ً وتـدري
بـأنــكَ لــسْــتَ خــيّــالَ " الــبُــراق "
نـزيـلُ الـبــئـرِ أنـتَ فـكيـف تـرجـو
صــعــودا ً والـــقـــوادِمُ فــي وثـاق؟
روَيـدَك... لـســتَ أوّلَ مُــسْـــتـهـام ٍ
غــفـا فـأفـاقَ جَــمْــراً فــي وجـاقِ! "
إن مثيرات الرؤية تتبدى أولاً في تشعيرها للمحفزات الشعورية من مداليل دالة على الاغتراب حيناً، و على الإحساس باليأس و القلق من واقع الذات الذي يتبدى بالإحساس بالهرم / و أفول سنوات العمر الجميلة الدالة على عنفوان الصبا و زهو الشباب حيناً آخر، محاولاً رثاء نفسه أو هدهدة أحلامه بصور رومانسية، فهي بقدر ما فيها من حزن مبطن بين الكلمات بقدر ما فيها من توق إلى الأمل و التشبث بالحياة، و هذه الرؤى تؤكد مهارته التصويرية في بث الداخل الشعوري، بعمق تأملي / و استغراق باطني، و تتبدى – ثانياً – مثيرات الرؤية بهذه الأنساق التشكيلية التفاعلية التي تزيد بؤرة مدلول الذات و أنينها لدرجة تدل بوضوحٍ على جراحه الاغترابية و أنين الفراق و البعد عن الوطن، بحس شعوري عميق، و إحساس باطني دقيق بالحالة العاطفية المجسدة، و كأن الرؤية – لديه – مجموعة رؤى جزئية تفاعلية تحفز القارئ إلى تتبع مثيراتها على أعلى المستويات و أدقها توضيحاً و تفسيراً، و إن شعرية الرؤية في هذه القصيدة و إن بدت للقارئ سهلة متداولة / أو واضحة المداليل، فهي عكس ذلك، فهي بقدر ما فيها من رؤى بسيطة واضحة بقدر ما فيها من رؤى باطنية ترصد معاناة الذات في اغترابها و حنينها الدائم إلى وطن يأويها و يمنحها الأمان، إن رؤيته رؤية شاعرية شعورية عميقة مجسدة لكينونة الذات و قلقها الوجودي، معبراً عن ذلك بأسلوبين: أسلوب تصويري غزلي وصفي دقيق للحالة الشعورية المجسدة، و أسلوب سردي يرصد معاناة الذات و اغترابها بوجاعة داخلية / و أنين عميق، يقول السماوي: "
لـحـاكَ الـلّـهُ يـا قـلــبـي.. أتـرضـى
بـذلّــي واحْــتِــطـابـي واحـتِــراقــي؟
وبــالآهــاتِ تــنـفــثــنــي فــيـغـــدو
قــراحُ الــمــاءِ كـالــصّـابِ الــزُّعـاقِ؟
لـحــاكَ الــلّـــهُ يــاقـــلـــبـــا ً عــدواً
كـــأنّـــكَ والـــعـــواذلَ بــاتِّـــفــاق
أمـا فـي الـخـلـقِ فــاتــنــةٌ سِــواهــا؟
وهــل عَــقُـمَ الــزّمـانُ فــلــن تُـلاقـي؟
تُــعــانِـدُنـي كـأنــكَ لــسْــتَ قــلــبـي
فـلـســتَ تــرى ســـواهــا مـن خَـلاقِ
دخـلـتَ رحـابَـهــا فـي لـيـلِ طــيــشٍ
لـتـعْـِتــقــهــا فـصـرتَ إلـى انـعِــتـاقِ!"
إن هذا التفعيل الشعوري لمعاناة الذات، يؤكد أن شعرية الرؤية في هذه القصيدة تكمن في كثافة المثيرات العاطفية المبثوثة بحرقة و أنين ووجاعة داخلية حيناً، و كثافة الصور و الرؤى المصطرعة ضمن القصيدة حيناً آخر، لتعبر عن أنين الذات ووجعها، و يأسها، و عقمها تارة، و تأملها، و انفتاحها، و حرصها على الحياة تارة أخرى، بلغة هادئة تنساب سلاسة، و خصوبة، و جمالاً، لتعبر عن مغزاها الفني / و بعدها الدلالي بدقة ووضوح مقصدي إلى حد بعيد، و كأن القصيدة – لديه – خلق مستمر / و تنامٍ فاعل على المستويات التعبيرية كلها.
ب – شاعرية الحدَّث:
(و نقصد بـ شاعرية الحدث): شعرية الحدث الذي تنطوي عليه القصيدة، بتشعب الحدث الكلي إلى أحداث جزئية، تزيد بؤرة الرؤية عمقاً / و دلالة / و خصوبة في التعبير عن جوهر الذات و معاناتها، و تأملها، و استغراقها الوجودي، و تعد شاعرية الحدث من مثيرات القصائد الحداثية التي تعتمد حيوية الحدث / و سرعة تتابع المشاهد أو اللقطات الشعرية في بلورة مشهد شعري حركي يرصد حيوية المشهد و تتابعه البصري، و يمكن أن نعد تبئير الحدث صوب مثيرات دلالية محددة من محفزات القصائد الحداثية التي تعزز مدلولها في ذهن المتلقي، و قد اعتمد السماوي الحدث الشعري الطازج في خلق الرؤية الشعرية / و بلورتها لرؤى محددة، تحدد الهدف النصي من تشكيل القصيدة، و تحدد مغزاها الفني / و مدلولها الشعري، و قد بلور الشاعر أحداث هذه القصيدة صوب ثلاثة أحداث / أو مثيرات موقفية، نحددها بمايلي:
أ – حدث الاغتراب و مستلزماته اللغوية من ملفوظات (ابن الغربتين – القوافل – الهوادج – العراق – النخيل).
ب – حدث الأنثى / و العقم الوجودي، و مستلزماته اللغوية من ملفوظات (كفاك زهواً – أطلت شوطاً – عصي الإنطلاق – لست خيال البراق – ذل – احتطاب – احتراق – عقم الزمان).
جـ - حدث الحظ العاثر / و الهرم الداخلي، و مستلزماته اللغوية من ملفوظات (تعكزت الضلوع – ذبيح الشمس – منطفئ الحداق – ألست من العراق – خسرت أمسي و شمس غدي).
إن هذه الأحداث تتبطن مداليل القصيدة كلها، و تتغلغل إلى ثنايا كل جملة و مدلولاتها كافة، لتتمركز الرؤية صوب حدث الاغتراب الذي يدل على تصدع الآمال / و انهيار الأحلام بالوجاعة الداخلية، و اليأس المطبق، كما نلحظه في هذه الأبيات: "
فــأيــن قــوافــلُ الآمـالِ؟ أضـحــتْ
ذلــيـــلاتِ الــهـــوادج والـــنِّــيــاق
تُــريــدُ الــنَّجـمَ بـســـتـانـا وتـدري
بـأنــكَ لــسْــتَ خــيّــالَ " الــبُــراق "
نـزيـلُ الـبــئــر أنـتَ فـكيـف تـرجـو
صــعــودا والـــقـــوادِمُ فــي وثـاق؟
روَيـدَك... لـســتَ أوّلَ مُــسْـــتـهـامٍ
غــفـا فـأفـاقَ جَــمْــراً فــي وجـاق! "
إن حدث الاغتراب يغلف أحداث القصيدة، و يبث مدها التأملي و الشعوري رغم إيقاعها الغزلي الذي افتتح به القصيدة، و أطنب في تصويرها، فباتت كل جملة ومضة من ومضاته، و زفرة من زفراته الحزينة التي تبث ألقها الاغترابي الحزين بحدثٍ داخل حدثٍ و شعورٍ داخل شعورٍ أعمق أسى و حزناً، لدرجة ينم بوضوح عن وجاعة داخلية عميقة و إحساس باطني بالعقم الوجودي، نظراً إلى حظه العاثر الذي يزيده اغتراباً و تأزماً ووجاعة داخلية تبثها كل كلمة، و كل حرف، و كل قافية، و كأن هذه القصيدة بركة دمٍ من دمائه تخرج من جدران قلبه لتبث صداها و تثير القارئ و تدفعه إلى تأمل معاناتها و كلماتها بدقة متناهية و شعورٍ عاطفي حزين.
و اللافت أن الشاعر يبئر الحدث صوب مداليل العقم الوجودي، و الإحساس بالهرم / و سوء الطالع، دلالة على حالة اغتراب ممضة قد اعتصرته لحظة المخاض الشعري / أو لحظة الخلق الشعري، فالشاعر يرى أن سنوات العمر البهيجة ترتحل شيئاً فشيئاً إلى ماضٍ مؤلم سحيق، و تخلف وراءها رماد الذكريات المعلقة في وجاق أحلامه و ذكرياته الماضية، معبراً عن ذلك بحس تأملي / إدراكي، باثاً مثيرات الحدث بألق اللحظة الشعورية المبثوثة بحرارة، وومض عاطفي مأزوم، كما في قوله: "
روَيـدَك... لـســتَ أوّلَ مُــسْـــتـهـامٍ
غــفـا فـأفـاقَ جَــمْــرا ً فــي وجـاق!
روَيْـدَكَ.. لا تـكـنْ لـلـسّـيْـفِ غِـمْـداً
كـأنَّــكَ والــفـجــيــعــة فـي سِـــبـاق!
فـيـا ابْـنَ الـغـربـتـيـنِ كـفـاكَ نُـصـحاً
لــمـعــشــوقٍ يُــصَــدِّقُ بــالــنّــفــاق
يـرى فـي الـنُّـصـحِ غـيـرةَ مُـسْـتـريـبٍ
فــيــجْــنــحُ عــن صِــراطٍ لانــزلاق
غـــزالٌ بــيــن مَــذئــبَــة ٍ وغــابٍ..
طــهــورٌ بـــيــن مـــنــبـــوذٍ وعــاق
أشــفُّ مــن الــنـدى جَـهْـراً وسِــرّاً
طـهـورُ الـقـلــبِ والــفــمِ والـنِّـطـاقِ "
إن تبئير الحدث الشعري صوب الاغتراب / و العقم الوجودي / و الوجاعة الداخلية يعكس تأزماً نفسياً / و إحساساً شعورياً ثائراً، بالانطلاق من ربقة الأحزان، و مرارة الاغتراب، لكن غربة الذات لدى الشاعر تزداد تأزماً كلما حاول الخلاص من ربقتها، و سعى إلى تبديدها، بأحاسيس مصطرعة، تعكس تأملاً وأملاً باهتاً حيناً، ووجاعة وحزناً ممضاً حيناً آخر، ينعكس اصطراعاً تشكيلياً من خلال كثافة الأصوات المجهورة، إذ إن اختيار الشاعر للأصوات المجهورة ليبلور مدها الصوتي حمَّلَ الجمل مداليل شعورية كثيفة، كاختياره للحروف التالية: (القاف – اللام – الباء – الياء – الفاء)، حيث دلَّت هذه الأصوات على القلق النفسي الشعوري الذي يعتصر الذات، لتدل - بوضوح - على الاغتراب / و التوجس الوجودي / و الانكسار الشعوري، محاولاً تكريس الصور الدالة على حالة القلق / و الوجاعة الداخلية، بإحساس شعوري عميق، كما في قوله: "
ويـا ابـن الـغــربـتـيـن كـفـاكَ زهــوا
بـأنــكَ لـمْ تــخُــنْ شــرفَ الــعـــراق
ولا خـنـتَ الــنـخـيـلَ وكـوخَ طـيــن
ولا مـجـدَ الــسّــنـابـل والــسّــواقـي
ويـا ابـن الـغـربـتـيـنِ أطـلـتَ شـوطـا
بــمِــضْــمــارٍ عَــصِـيِّ الإنــطــلاقِ "
إن تبئير الحدث الشعري صوب دائرة الاغتراب التي تغلف مداليل القصيدة كلها قد بثَّ ألق الجمل / و تمظهراتها الفنية الشاعرية الدافقة بالشعور و الصبابة الموجعة بين الفينة و الأخرى بين الأبيات جميعها، لتسدل ستارها التام عليها، بأحداثها و مداليلها، على اختلاف تمظهراتها ضمن الأبيات، و هذا يؤكد أن شعرية الحدث – في هذه القصيدة – تتمثل في نقل الشعور الداخلي بكل اصطهاج الداخل الباطني / و اشتعال الذات بوجاعة الاغتراب / و مضاضة الحزن التي تغلف جدران قلبه، و تبث زخمها الشعوري بانبثاق تكثيفي يعتمد التكرار في بث هذه المشاعر المصطهجة، و النفثات الحارة التي تنبعث من نفس مشبعة تأملاً و حساسية ورهافة إنسانية تنعكس على كل كلمة و جملة في هذه القصيدة، فدائرة الاغتراب تبدأ من مساقات الغزل التي بثها في بداية القصيدة، فقارئ الجمل في دفقة الاستهلال يدرك حزناً و عجزاً شعورياً نابعاً عن جفاء الحبيبة / و عقم اللقاء و يأس الحب المشوب بالاغتراب و الوجاعة و الحزن منذ قوله: "
وهــا أنـذا فُـجِـعــتُ فــلا عــشــيـري
يُــســامِـرُ مُــقـلــتـيَّ.. ولا رفـاقــي
ولا الــغِـــيــدُ الــلــواتـي كُــنَّ مــنّــي
كـمـا الأجـفــانُ تـحـتـضِـنُ الــمـآقـي
عـجـبـتُ عـليّ كـيـف أجـوزُ بــيــداً
ضَــبـابـيَّ الـخـطـى مَــشــلـولَ ســـاقِ؟
عـقـدتُ عـلـى الحـبـيـبِ قِـرانَ قــلــبـي
فـنـبـضـي ـ لا يـواقــيــتـي ـ صِـداقــي
تـعَــكّـزْتُ الــضّـلـوعَ أجـرُّ ظِــلّــي
ذبـيـحَ الــشّـمــسِ مـنـطـفـئَ الـحِــداق "
إن تبئير الحدث الشعري صوب المعاناة العاطفية حيناً، و سوء الطالع و الانكسار الشعوري حيناً آخر، يبث ألق اللحظة العاطفية و يرصد جراح الذات، بعمق تأملي / و حرصٍ على نقل الباطن الشعوري بكل مصداقية و شفافية متناهية للقارئ، و هذا الأسلوب الذي اعتمده ساهم في تفعيل الحدث الاغترابي / و تبئير المثير العاطفي بإحساس دافق بالوجاعة و القلق و التأزم الداخلي، على نحو ما تبدى لنا في قوله: "
أمــجــنــونٌ أنــا؟ أرجــو نــمــيـــراً
كــشـهْـــدِ الــوردِ مـن مُــرِّ الــمَــذاق؟
أحَـرِّضُ خـنـجـري ضـدي فـجـرحـي
صـنــيـعُ يـدي ووهــمـي واخــتـلاقـي
أمِـنْ يـأس وحـولـي نــهــرُ نُـعــمـى
وبُــســـتــان مـن الـخُـصُــرِ الــرِّقــاق؟
ومـا عَـجَــبـي عـليَّ خـسَــرتُ أمـســي
وشـمـسَ غـدي؟ ألـسْـتُ مـن الـعــراق؟ "
إن سؤال الذات (ألست من العراق؟) يؤكد تأزمه النفسي / و إحساسه الشعوري المأزوم إزاء اغترابه عن العراق الذي يعاني الويلات و الأحزان في هذا العصر الدموي الذي تشهده العراق، فلا العراقي داخل العراق يشعر بالأمان و السعادة، و لا الذي في الخارج في منفاه يشعر بالراحة و الأمان، الكل يعيش في مكابدة و جراح و آلام، و هذا الأسلوب التبئيري صوب تكريس مشاعر الاغتراب / و الوجاعة الداخلية يؤكد شعرية الحدث / و عمقه في تعزيز الرؤية المأزومة التي يعانيها الشاعر في اغترابه و منفاه الوجودي، و من هنا، تتبدى شعرية الحدث من خلال بلورة النسق الشعري، بتكثيف إيحائي فاعل / و حمولات نفسية شعورية مشحونة بالقلق / و التأزم الداخلي، و قد اختار قافية مناسبة لبث هذا الزخم الانفعالي القلق للتعبير عن عمق الوجاعة / و درجة التأزم / و الاحتراق النفسي الشعوري، كما في قوله: "
مُــعــاقٌ مــاؤهُ ... أيُــلامُ عُـــشـــبٌ
ذوى يــمــتــارُ مــن مــاءِ مُــعــاق؟
تـرجَّــلْ... آذن الــنّـاعـي بــوصْـلٍ
وآذنــتِ الــحــبــيــبــة بــالـــفِــــراق
وآذنـتِ الــحــقــولُ إلــى خــريــفِ
وآذنـتِ الـــنــجــومُ إلــى مــحــاق
لـحـاكَ الـلّـهُ يـا قـلــبـي.. أتـرضـى
بـذلّــي واحْــتِــطـابـي واحـتِــراقــي؟
وبــالآهــاتِ تــنـفــثــنــي فــيـغـــدو
قــراحُ الــمــاءِ كـالــصّـابِ الــزُّعـاقِ؟ "
يعتمد السماوي تكثيف مشاعره الاغترابية، بأسى شعوري مرتد، يرتد من الباطن إلى الخارج، و من الذات إلى الآخر، و من الآخر إلى الذات، محاولاً بث إحساسه الوجودي بسوء الطالع الذي لازمه في فترات حياته كلها، في حبه وهو صغير، و في عالمه الاغترابي الذي استغرق سنوات عمره الطويلة، مبئراً الحدث صوب ماهية الأشياء، و منزلقاتها، و متغيراتها الوجودية، فالعراق التي هي جزء لا يتجزأ من كبده و معاناته و جراحه و أزماته أصبحت مأساته الدائمة، و الأنثى التي هي كنزه الوجودي و الحضن الدافئ أصبحت تجافيه و تصد عنه ودها وجمالها إلى الجفاء و التنصل من حبه كما يبدو للقارئ إذا اعتبر الأنثى حسية (لارمزا صوفياً)، إن بؤرة الحدث تتجسد في هذه المعاناة المضنية التي يبثها في ثنايا جمله بالاغتراب حيناً، و جفاء العراق له بالنفي و الاغتراب حيناً آخر، و أزمة العقم الوجودي / و الهرم النفسي الشعوري الداخلي المشوب بمضاضة اليأس و الألم، كل هذه المثيرات أسهمت في بلورة قصيدة شعرية متكاملة الإيحاءات و الدلالات و المداليل الشعرية في بث هذه المعاناة بوضوح مقصدي و شفافية متناهية، و لهذا جاء عنوانها الموسوم بـ (جرحٌ أكبر من الجسدْ) مؤشراً دلالياً واضحاً عن باطنها / و جوهرها / و مغزاها، فكل جملة من هذه القصيدة يشكل جرحاً عميقاً لا يندمل، و كل كلمة تشكل قطرة دمٍ تنزف من فؤاده، و تعتصر كيانه...، لتعبر – بعمق – عن دواخله الشعورية، و إحساسه العاطفي المأزوم بالحنين للعراق حيناً / و الاغتراب الوجودي عن العراق و مآسيه حيناً آخر، بلغة متضافرة تتصل فيما بينها بخيط شعوري موحد يجمعها من أول كلمة فيها إلى آخر كلمة في صياغتها النصية، لهذا، تبدت شاعرية الحدث من خلال التحام الرؤى / و تكاملها في بلورة رؤية نصية فاعلة توجه مسارات القصيدة / و محاورها على أعلى المستويات التعبيرية و الدلالية، لتبدو بغاية التفاعل، و التكامل، و التبلور النسقي الفاعل المثير على المستويات كلها.
جـ - شاعرية التشكيلات اللغوية:
(و نقصد بـ شاعرية التشكيلات اللغوية ): التراكيب الشعرية التي يقوم فيها الشاعر بإسناد كلمات مفاجئة في حركتها الإسنادية إلى بعضها بعضاً إسناداً مجازياً، غاية في الأناقة الشعرية / و الحساسية الشعورية / و القدرة الإيحائية، على تكثيف الرؤيا، و تعزيز مدلولها، بأنساق لغوية مباغتة تزيد درجة إيحاء الصورة / و عمقها الشعوري / و بثها العاطفي، و تعد هذه التقنية من أهم تقنيات القصيدة الشعرية الحداثية الحافلة بالتميز / و الخصوبة / و الجمال، و قد استطاع السماوي – في هذه القصيدة – أن ينتج تراكيب شعرية مرهفة، تتقطر بالأسى، و العمق، و المعاناة، و الجراح، و الآلام الاغترابية، بتكثيف دلالي شديد / و حمولات مدلولية كثيفة، تزيد بؤرة الحدث، و تعمق الرؤية الاغترابية المأزومة، بالأسى، و الحزن، و القلق، و التوتر الداخلي، كما في قوله: "
كــفـانـي مــن كــؤوسِــكَ مــا ألاقــي
أســاقــيـهــا وغــيــرَ فـمـي تُــسـاقـي
عـصـرتُ نـدى الـعـيـون وعـتّـقــتْـهــا
بـأجْــفــانـي تــبـاريـحُ اشـــتــيــاقــي
وصَــيَّـرْتُ الـمــوائـدَ مـن ضـلــوعـي
لـمُـصْــطــبَـحٍ بـحـقـلِــكَ واغــتِــبــاقِ
وعـبّـدتُ الـطـريـقَ بـعُــشْــبِ عـيـنـي
فــمــا أشــرعْــتَ نـافــذةَ الــتَّــلاقــي
أتـخـشـى أن أشـــدَّ عـلـيـكَ صـدري
لــيُـطــفِـئَ مُـجْـمِـري خـمـرُ الـعِــنـاقِ؟ "
إن من أبرز مثيرات هذه القصيدة – على الصعيد الفني – اكتنازها بالتشكيلات اللغوية المبتكرة / التي تخفي وراءها زخماً تأملياً / و معاناة باطنية / تكثف المدلول الشعري، و تعمق درجة إيحاء الجملة الشعرية، بتكامل نسقي، و ائتلاف تشكيلي، يباغت القارئ بسيرورة الأنساق اللغوية التشكيلية المبتكرة التي تعزز درجة التنامي الشعوري و الأسى الاغترابي / و أنين الذات و جراحها و معاناتها، إن عشقاً صوفياً / و إن اغتراباً شعورياً مأزوماً، كما في التشكيلات اللغوية التالية: ] ندى العيون – تباريح اشتياقي – عشب عيني – نافذة التلاقي – خمر العناق [، إن هذه التشكيلات تبث ألقها بإيقاعين: إحداهما – إيقاع جمالي تشكيلي يدهش القارئ بالحساسية الشعورية المرهفة، و ثانيهما – إيقاع عاطفي شعوري عميق ينم عن عمق جراح الذات في معاناتها الاغترابية حيناً، والغرامية اليائسة التي تضج بالقلق، و الحزن، و التوتر حيناً آخر، ملوناً حركة النسق الشعري بهذه التشكيلات التي تزيدها جمالاً / و تنامياً شعوريا مرهفاً، يعبر عن باطن الذات / و اصطراعها / و معاناتها / وزخمها النفسي الشعوري الداخلي، باختيار التقفيات المناسبة التي تبث إيحاءها الصوتي بحرص، و تكامل، و تنسيق، و تفاعل صوتي عميق، كما في التقفيات التالية: ] التلاقي – اشتياقي – اغتباقي – تساقي [، محاولاً خلق لغة شعرية تضج بالتكامل و التمازج الصوتي، لتصل إلى أرقى مستويات التفاعل / و التناغم الصوتي / و التكثيف الإيحائي، و تزداد هذه التشكيلات عمقاً و دلالة على معاناة الشاعر بدقة، عندما يرقى الشاعر بهذه الأنساق اللغوية لتعبر عن حالته الشعورية أدق تعبير، مكرساً جل المشاعر العاطفية صوبها، كما في قوله: " إيلام عشبٌ – ماءٌ معاق – ذبيح الشمس "، التي جاءت لتعبر عن جراح الذات / و أنينها / و حزنها / و معاناتها، بتصوير شعوري دقيق / و حس عاطفي متوتر يائس حزين، كما في قوله: "
تـعَــكّـزْتُ الــضّـلـوعَ أجـرُّ ظِــلّــي
ذبـيـحَ الــشّـمــسِ مـنـطـفـئَ الـحِــداق
أمــجــنــونٌ أنــا؟ أرجــو نــمــيـــراً
كــشـهْـــدِ الــوردِ مـن مُــرِّ الــمَــذاق؟
أحَـرِّضُ خـنـجـري ضـدي فـجـرحـي
صـنــيـعُ يـدي ووهــمـي واخــتـلاقـي
أمِـنْ يـأسٍ وحـولـي نــهــرُ نُـعــمـى
وبُــســـتــانٌ مـن الـخُـصُــرِ الــرِّقــاق؟
ومـا عَـجَــبـي عـليَّ خـسَــرتُ أمـســي
وشـمـسَ غـدي؟ ألـسْـتُ مـن الـعــراقِ؟
مُــعــاقٌ مــاؤهُ ... أيُــلامُ عُـــشـــبٌ
ذوى يــمــتــارُ مــن مــاءِ مُــعــاقِ؟ "
إن هذه التشكيلات تبين – بوضوح – مقدار التأزم النفسي / و المعاناة الوجودية في ظل اصطراعات داخلية عميقة بين إحساسه بالحنين إلى العراق / و إحساسه بالاغتراب المميت، الذي يجعله يغرق في اليأس، و الإحساس بالهرم، و الشيخوخة لدرجة يشعر المتلقي أن الإحساس بجهامة الزمن تسيطر على كلماته و جمله و مشاعره و أحاسيسه بهذه القصيدة، و كأن الشاعر يعاني صراعين مؤلمين هما: صراع مع إرتحال الذات و أنينها و حزنها وارتكاسها المؤلم، و صراع مع اليأس و جهامة الواقع الاغترابي المرير الذي يدل عليه بصور سوداوية قاتمة، تحمل معها عمق المعاناة / و جراح الذات و فظاظتها المؤلمة على نفسه، لدرجة تسم قصائده بالوجاعة / و الحزن / و الكآبة / و الارتحال الدائم صوب الذكريات الجميلة التي تمثلها الأنثى، بكل ما تحمله من دفق المشاعر / و عاطفة حزينة / و سموق عاطفي تدفعه قدماً إلى الخوض في غمار الحياة ببصيص أمل / ووميض تفاؤل يبث في روحه ألق الحياة من جديد، و ما قوله: "
فـلـولا الـجّـمـرُ مـا أضـحـى شــهــيّـاً
رغـيـفُـكَ نـاضِـجـاً عـذبَ الــمــذاق "
إلآ دلالة على عمق الرؤى / و التفاؤل / رغم معمعة الجراح / و آلامها / و مآسيها، بحس تأملي عميق / يبث لحظة التأمل / بكثافة، و حرص، و قلق، و شعور تفاؤلي عميق بالحالة الشعورية المجسدة، لتبدو قصيدته غاية في التفعيل الشعوري / و التكثيف الإيحائي العميق، و على هذا، جاءت التشكيلات اللغوية – في هذه القصيدة – لتزيد من شعريتها، و تدفعها إلى التناغم، و التكثيف، و عمق الإيحاء، في بلورة مشاعره الاغترابية، لتثير القارئ، و تدفعه إلى التفاعل مع مداليلها و رؤاها الشعرية، بكثافة شعورية / و تأمل عميق / و استغراق باطني في تشكيلاتها اللغوية / و مساراتها الفنية داخل المسار النصي العام.
د – شاعرية التلاؤم الصوتي:
(و نقصد بـ شاعرية التلاؤم الصوتي): تلاؤم الأصوات الشعرية – في القصيدة – في التعبير عن حالة الشعورية العميقة / التي تبثها القصيدة، من رؤى، و مداليل شعورية عميقة، تتبطن جوهر الحدث / و مغزاها الفني، بألق اللحظة العاطفية / و مسارها النفسي الشعوري الذي يضغط على ذات الشاعر لحظة المخاض الشعري / أو لحظة التشكيل / أو الخلق الشعري، و تزداد القصيدة الشعرية ومضاً جمالياً، بتناغم أصواتها على صعيد التشكيلات اللغوية في بلورة أنساق صوتية متناغمة تبين حجم الضغط الشعوري العاطفي الذي يبثه الشاعر لتبدو أنساقه الصوتية ذات فاعلية قصوى في التعبير عن الزخم الانفعالي الذي تخطه القصيدة، فالأصوات اللغوية ذات فاعلية قصوى في التعبير عن الباطن الشعوري، و لا يمكن للقارئ الحصيف أن يغفل هذا الجانب المهم في تشعير القصيدة – عند السماوي – ليسهم في تبيان درجتها الإيحائية / و ازدياد ائتلافها النفسي الشعوري، بألق عاطفي مبثوث باللحظة العاطفية الحارة، فما أجمل هذا التلاؤم / و التفاعل الصوتي، في قوله التالي: "
أحَـرِّضُ خـنـجـري ضـدي فـجـرحـي
صـنــيـعُ يـدي ووهــمـي واخــتـلاقـي
أمِـنْ يـأسٍ وحـولـي نــهــرُ نُـعــمـى
وبُــســـتــان مـن الـخُـصُــرِ الــرِّقــاق؟
ومـا عَـجَــبـي عـليَّ خـسَــرتُ أمـســي
وشـمـسَ غـدي؟ ألـسْـتُ مـن الـعــراق؟
مُــعــاقٌ مــاؤهُ ... أيُــلامُ عُـــشـــبٌ
ذوى يــمــتــارُ مــن مــاءِ مُــعــاق؟
تـرجَّــلْ... آذنَ الــنّـاعـي بــوصْـلٍ
وآذنــتِ الــحــبــيــبــةُ بــالـــفِــــراق "
هنا، تتناغم الأصوات فيما بينها تناغماً مثيراً، إذ يتلاءم صوت القاف (الذي هو صوت انفجاري شديد القوة) مع صوت الجيم و الحاء محدثاً نسقاً صوتياً حاداً، يحمل معانٍ دلالية، مثل: " القلق، الحزن، الاغتراب، الضيق، التوتر، الانفعال، التأزم، الانكسار الشعوري "، فكل حرف يبث ألق اللحظة العاطفية الانكسارية، بتأمل / و انكسار شعوري عميق، بهذه النبرة الانفعالية الصاخبة الحادة التي تبث ألق اللحظة الشعورية / و بلورتها، لتبين حجم الضغط الشعوري و الانفعال و التأزم الداخلي الذي تعانية الذات في اغترابها، كما في قوله: "
ويـا ابـن الـغــربـتـيـن كـفـاكَ زهــوا
بـأنــكَ لـمْ تــخُــنْ شــرفَ الــعـــراق
ولا خـنـتَ الــنـخـيـلَ وكـوخَ طـيــنٍ
ولا مـجـدَ الــسّــنـابـل والــسّــواقـي
ويـا ابـن الـغـربـتـيـنِ أطـلـتَ شـوطـاً
بــمِــضْــمــار ٍ عَــصِـيِّ الإنــطــلاقِ
ويــا ابــن الــطــيّــبــيــن أبـاً وأمَّـاً
وتِــربَ الــكـادحــيــن مـن الــرِّفــاقِ
فـأنــعِــمْ بـالــذي عــانــيــتَ دهـــراً
ومــا لاقــيــتَ مـنـهــا.. أو تُــلاقــي
فـلـولا الـجّـمـرُ مـا أضـحـى شــهــيّاً
رغـيـفُـكَ نـاضِـجاً عـذبَ الــمــذاق "
إن تناغم الأصوات المجهورة / و المهموسة في بلورة هذا النسق الشعري المتناغم، يعبر عن جراح الذات بعمق، إذ جاءت الحروف الانفجارية التالية: " القاف، و الميم، و اللام، و الياء "، كاشفة عن عمق الحالة الشعورية / و صخبها النفسي الشعوري، في تبيان حجم القلق / و التوتر / و الاغتراب النفسي، بقوله: " ويـا ابـن الـغـربـتـيـنِ "، مكرساً جل هذه الأصوات في بث الحالة الانفعالية المأزومة التي تعانيها الذات، بكل ألق اللحظة العاطفية / المتوترة، التي تبثها القصيدة عبر أصواتها الانفجارية التي تعمق فداحة التوتر الانفعالي الصارخ في داخله إزاء مرارة الاغتراب / و حنينه الدائم إلى العراق، فكل حرف من هذه القصيدة هو نفثة شعورية من نفثاته الحارقة، و دمعة حارة من دمعاته التي يذرفها من وميض جراحه، و مآسيه، فبدت القصيدة لحمة واحدة مشكلة شعلة متقدة على صعيد تآلف الحروف و الكلمات و الصور و التراكيب، من بدايتها إلى نهايتها، و كأنها نسيج فني مترابط موصول بخيط شعوري موحد يضمها من أولها إلى آخرها.
هـ - شاعرية المثنويات الصوتية:
(و نقصد بـ شاعرية المثنويات الصوتية): شاعرية الأصوات / و تناغمها / و تآلفها الصوتي، من خلال تلوين الأنساق الصوتية، بمزاوجاتها الصوتية الائتلافية التي تغذي مسار الإيقاع الصوتي الداخلي، على صعيد القوافي / و تضافرها النسقي من أول القصيدة إلى آخرها، و هذا الأسلوب التكاملي في بلورة الأنساق / و تفعيلها يزيد القصيدة شعرية / وومضاً جمالياً. فتآلف الأصوات و تكاملها / و انسجامها في النسق الشعري، يجعلها مظهر تحفيز / و إشراق / و تناغم صوتي بهيج، يزف ألق اللحظة الشعورية المجسدة، أو الرؤية الشعرية المبثوثة في ثنايا القصيدة، فالقصيدة – عند السماوي – ليست منمنمات صوتية متناغمة فحسب، و إنما هي مكنونات باطنية شعورية عميقة، تبث ألقها بدفق العاطفة / و عمق الإحساس / و الشعور، فتبدو القصيدة – لديه – ذات أصداء صوتية معبرة عن الباطن الشعوري، بنفثات شعورية عميقة، و مدّ صوتي انفتاحي متناغم على صعيد المثنويات الصوتية التالية: " عذب المذاق – التسع الطباق – عصي الانطلاق – تباريح اشتياقي – بأكوسك الدهاق – هشيمات التراقي – خيال البراق "، إن هذه المثنويات الصوتية تعزز جمالها الصوتي، و تعبر عن عمق المشاعر / و كثافة الشعور العاطفي / و عمق الحدث الشعري، و بلورة النسق اللغوي بتكامل / و تفاعل / و تضافر صوتي، فالشاعر مغرمٌ في خلق أنساق صوتية متآلفة تشي بحالته العاطفية من جهة، و شعوره الاغترابي المأزوم من جهة ثانية، بعمق تأملي / و إدراك تصويري عميق بالحدث الشعري / أو الرؤية المجسدة، فما أجمل هذه المثنويات التشكيلية التي تعزز فاعليتها ضمن النسق الشعري العام، كما في قوله: "
دخـلـتَ رحـابَـهــا فـي لـيـلِ طــيــشٍ
لـتـعْـِتــقــهــا فـصـرتَ إلـى انـعِــتـاق!
رأتــكَ مُـضَـرَّجـاً بـالـشَّــوقِ مُـلـقـىً
عــلـى بــابِ الــهـــوى بـدم ٍ مُـــراق
فـمــا شــدَّتْ عـلـى جـرحٍ وشــاحـاً
ولـمْ تـســنــدْ هــشـيــمـاتِ الـتَّـراقــي
أزاهـــرُهــا ونــحــلـي فــي خِــلافٍ
وخــنــجــرُهــا وصـدري فـي وفـاقِ "
إن هذه المزاوجات الصوتية التي جاءت متناغمة في نسقها الصوتي فاعلة في تبيان الحالة الشعورية التي تشي بها العبارات والجمل الشعرية في هذه القصيدة، فهي تدل بعمق، و تأمل، واستبطان نفسي شعوري عميق للحالة الاصطراعية المكثفة من خلال التشكيلات اللغوية الصوتية المتآلفة التالية: " ليل طيشٍ – دمٍ مراقٍ – هشيمات التراقي – باب الهوى "، فالشاعر يخلق هذه التآلفات الصوتية، لخلق نسق شعري مصطهج بالعاطفة، يميل إلى بلورة إحساسه الشعوري الاصطراعي بعمق و كثافة تصويرية ورصد للباطن الشعوري اليائس الحزين، فما أجمل هذا التآلف / و التداخل الصوتي بالمقابلة النسقية الفاعلة بين هذين الشطرين: "
أزاهـــرُهــا ونــحــلـي فــي خِــلافٍ
وخــنــجــرُهــا وصـدري فـي وفـاقِ "
إن هذه المقابلة النسقية بين الشطرين عززت مدلول المقابلة اللغوية الجمالية بين نقيضين دلاليين من جهة كما في قوله: ] أزاهرها / و نحلي [، و ] خنجرها / و صدري [، و ] في خلافٍ / في وفاقِ [، في خلق نسق شعري اصطراعي يبين حجم التفاعل الصوتي بين المتقابلات في تبيان حالة التوتر / و المعاناة / و المكابدة الغرامية الشعورية / الصوفية التي تضج بها ذاته، بين الاغتراب و الحنين حيناً، و التأزم و الانكسار الشعوري حيناً آخر، مما يجعل أنساق القصيدة الصوتية بغاية التلاحم، و التفاعل، و التكثيف الشعوري / و الشاعرية المرهفة.
و – جمالية المناخ اللغوي الرؤيوي العام:
إن مناخ القصيدة مناخ شعوري اغترابي يؤسسه السماوي على حركة تصويرية مكثفة، ورهافة شعورية عميقة، إذ يبني النص على محاور ارتكازية رئيسة، تشكل جوهر القصيدة / و محور ثقلها، و هذه المحاور هي:
1 – الأنثى (الذات / الوطن / الوجود).
2 – الاغتراب (الهرم / اليأس / سوء الطالع).
3 – الحنين إلى العراق (الأمل / الارتباط بالجذور / التشبث بالأمل).
1 – الأنثى (الذات / الوطن / الوجود):
تشكل الانثى محور الارتكاز الشعوري في استقطاب القارئ إلى قصيدته، فالأنثى ليست فقط هي المثير الأول لفاعلية رؤيته و تحفيزها، و إنما هي المثير العاطفي المكثف لجراح الذات / واغترابها، فالمرأة تمثل له الحضن الآمن الذي يأويه في لحظات الاغتراب / و اليأس، فهي المبددة لجراح الاغتراب وأنين الحزن، وهي السكن الروحي الذي يمنحه الأمان و الهدوء و الاستقرار بعد رحيله عن وطنه و العيش في منفاه الوجودي، وهي التي تبث في روحه دفق الحياة / و بصيص الأمل في تحفيز الابتكار وخلق الإبداع، فما أجمل قوله في استهلال قصيدته التي جاءت مثيرة للقارئ بدفقتها الغزلية الرهيفة التي حلقت بفضاءات القصيدة إلى شعرية نادرة لم نلمسها في عصرنا الحاضر إلا عند نزار قباني و بدوي الجبل، انظر إلى جمال تآلفها و انسجام إيقاعها: "
كــفـانـي مــن كــؤوسِــكَ مــا ألاقــي
أســاقــيـهــا وغــيــرَ فـمـي تُــسـاقـي
عـصـرتُ نـدى الـعـيـون وعـتّـقــتْـهــا
بـأجْــفــانـي تــبـاريـحُ اشـــتــيــاقــي
وصَــيَّـرْتُ الـمــوائـدَ مـن ضـلــوعـي
لـمُـصْــطــبَـحٍ ٍ بـحـقـلِــكَ واغــتِــبــاقِ
وعـبّـدتُ الـطـريـقَ بـعُــشْــبِ عـيـنـي
فــمــا أشــرعْــتَ نـافــذةَ الــتَّــلاقــي
أتـخـشـى أن أشـــدَّ عـلـيـكَ صـدري
لــيُـطــفِـئَ مُـجْـمِـري خـمـرُ الـعِــنـاق؟ "
إن الأنثى تمثل له الراحة / و السكينة، وهي الجوهر الروحي الذي يقوده إلى الشعور بالأمان بعدما ارتحل عن وطنه في منفى بعيد، يترصد أحوال العراق وجراحاتها، بحنين حارق يؤكد لوعة الاشتياق وحرارة الحلم باللقاء، ففي كل كلمة يشعرك السماوي أنه يبتكر إيقاعاً روحياً شفيفاً يمزج الرؤى بمثيرات الإيقاع المموسق مع أصداء الذات الداخلية التي تبث حنينها باحتراق عاطفي واغتراب باطني عميق، و هنا يلحظ القارئ أن الشاعر كثف الدوال الشعرية المشتقة من حقل دلالي واحد هو حقل " المكابدة / و الجراح / و الآلام "، و هذا ما نلحظه من خلال غلبة مفردات هذا الحقل الدلالي الذي تغذيه المفردات اللغوية التالية: " اغتباق – عصرتُ – مجمري – الفجيعة – الجمر – جرح – غمر – وثاق – احتراق – الزعاق – دم مراق – مضرج – الآهات – مشلول – ذبيح الشمس – منطفئ – جرحي – خنجري – معاق – إيلام "، إن هذه المفردات تدل على حس الفجيعة الذي يغلف المفردات بما تدل عليه من وجاعة داخلية تعتصر فؤاده لحظة الاغتراب و الحنين إلى العراق، لتبدو القصيدة مشحونة بالمكابدة و الجراح و الآلام، لدرجة أن كل جملة تشكل صرخة داخلية من أناته و جراحاته الاغترابية.
2 – الاغتراب (الهرم / اليأس / سوء الطالع):
إن المفردات المشتقة من هذه القصيدة تؤكد سوء الطالع الذي لازمه فترة طويلة من الزمن، فهو يبئر شعوره وإحساسه الداخلي صوب الأشياء الدافقة بالشعور، لحمل المتلقي على التفاعل مع قصائده / و سيرورتها النسقية المدهشة و مداليلها العميقة، لتبدو القصيدة لديه مشحونة بكثافة دلالية وعمق شعوري يرصد باطن الذات بكل ما تتضمنه من اصطراعات داخلية / ووجاعة وألم مضنٍ، و هكذا، تسيطر هذه الملفوظات اللغوية التالية على مداليل القصيدة، و هي: (الهرم / اليأس / الحزن / سوء الطالع)، لتبدو القصيدة شعلة متقدة من الجراح، و الآلام، و الإحساس بالعجز، كما في قوله: "
تـعَــكّـزْتُ الــضّـلـوعَ أجـرُّ ظِــلّــي
ذبـيـحَ الــشّـمــسِ مـنـطـفـئَ الـحِــداق
أمــجــنــونٌ أنــا؟ أرجــو نــمــيـــرا
كــشـهْـــدِ الــوردِ مـن مُــرِّ الــمَــذاق؟
أحَـرِّضُ خـنـجـري ضـدي فـجـرحـي
صـنــيـعُ يـدي ووهــمـي واخــتـلاقـي
أمِـنْ يـأس وحـولـي نــهــرُ نُـعــمـى
وبُــســـتــان مـن الـخُـصُــرِ الــرِّقــاق؟ "
إن هذا الإحساس بالهرم / و اليأس / و سوء الطالع يلازمه في ثنايا القصيدة، للدلالة على عمق الجراح التي لازمت الشاعر لحظات اغترابه / و حبه، لدرجة أن القصيدة مبثوثة بألق اللحظة العاطفية الطازجة، التي ترصد جراح الذات بعمق / و تأمل / و استبطان شعوري داخلي عميق، و على هذا، يبدو لنا أن نسق المداليل موجه صوب دلالات العجز / و الانكسار الشعوري / و الاغتراب الباطني المأزوم، لدرجة ان هذه الدلالات تسدل ستارها على صور القصيدة كلها، باثاً الجراح و الآلام و المكابدة الشعورية التي لازمته في لحظات اغترابه و حنينه الدائم إلى العراق.
3 – الحنين إلى العراق (الأمل / الارتباط بالجذور / التشبث بالأمل):
تمثل هذه القصيدة صرخة تأملية في بث حنينه و احتراقه الدائم للعراق، فهي الوجود الذي يشده إلى الحياة رغم جفائها له، بالاغتراب / و النفي / و التأزم النفسي الداخلي، فهو يراكم جراحاته وعذاباته من جراء هول المنفى / و جراح الحنين / و عمق التأمل بأفول سنوات العمر بعيداً عن ثرى الوطن، بعيداً عن الأحبة الذين خلفوا في قلبه بصمات حبهم وذكرياتهم الجميلة، وقد جاءت فاصلة الختام معبرة عن هذا الارتباط المأزوم بالعراق، ارتباط الروح بالجسد، وتمثل العراق الجسد الروحي، والجذر الوجودي الأصيل الذي نشأ منه، و لا غنى عنه، فالعراق تمثل له التاريخ و الحاضر و المستقبل و الأمل و العمر الخصيب الذي يسعى إلى إعادة إحيائه من جديد، و على هذا باتت القصيدة شعلة متقدة في تأكيد هذا الشوق العارم إلى العراق رغم الجفاء و العقوق الذي ناله من وطنه العراق بالنفي و الاغتراب، يقول الشاعر: "
ويـا ابـن الـغــربـتـيـن كـفـاكَ زهــوا
بـأنــكَ لـمْ تــخُــنْ شــرفَ الــعـــراق
ولا خـنـتَ الــنـخـيـلَ وكـوخَ طـيــن
ولا مـجـدَ الــسّــنـابـل والــسّــواقـي
ويـا ابـن الـغـربـتـيـنِ أطـلـتَ شـوطـا
بــمِــضْــمــار عَــصِـيِّ الإنــطــلاقِ
ويــا ابــن الــطــيّــبــيــن أبــا وأمَّــا
وتِــربَ الــكـادحــيــن مـن الــرِّفــاقِ
فـأنــعِــمْ بـالــذي عــانــيــتَ دهـــرا
ومــا لاقــيــتَ مـنـهــا.. أو تُــلاقــي
فـلـولا الـجّـمـرُ مـا أضـحـى شــهــيّـا
رغـيـفُـكَ نـاضِـجـا عـذبَ الــمــذاق "
إن هذه القصيدة تبلور حنينه الدائم للعراق، و تؤكد بمصداقية مهارته الفنية العالية في إنتاج نصوص شعرية متميزة، ترصد جراح الذات بكل مصداقية و شفافية متناهية و ادراك فني عميق بالمثيرات التشكيلية، لتبدو القصيدة فضاءً تأملياً مفتوحاً، من الرؤى / و المحفزات الشعورية / لدرجة تبث ألقها بزخم اللحظة الانفعالية العاطفية الراهنة و رصدها للواقع الاغترابي الراهن، فالقصيدة – لدى السماوي – نزوع دائم إلى اختراق عوالم تشكيلية جديدة، برؤى مبتكرة تستقطب الحدث الشعري، و تعبر عنه بلغة شفيفة، تخط ألقها بتكامل / و اقتصاد لغوي / و تفاعل نسقي على مستوى الأصوات، و الكلمات، و القوافي الشطرية الداخلية، و المزاوجات الصوتية، و كأن القصيدة – لديه – حركة موسيقية و إيقاعية / وحركة نفسية تخط ألقها الشعري بمدها الصوتي و مزاوجاتها الصوتية و سحرها الإيقاعي المتناغم على مستوى أنساقه التشكيلية كلها.
نتائج تحليلية استنباطية أخيرة:
إن قصيدة (جرح أكبر من الجسد) ليحيى السماوي تمتاز بخصائص متميزة، يمكن تحديدها بالخصائص التالية:
1 – تناغمها الصوتي / و التحامها النسقي / و تفعيلها للحدث الشعري، برهافة تشكيلية / و انفتاح نصي.
2 – حيوية الحدث الشعري المجسد / و عمق التعبير عنه في بث الحالة الاغترابية المأزومة التي وصل إليها الشاعر، و تبدى ذلك من خلال التشكيلات اللغوية / و تناغم القوافي الداخلية و الخارجية.
3 – الاكتناز التصويري / و مهارة الشاعر في التلاعب بالأنساق اللغوية، لتبدو القصيدة ذات حياكة نسقية متضافرة، تؤكد جسارتها الشعرية، و مهارته الفائقة على نسج قصائد شعرية متميزة على صعيد الرؤى و محفزاتها العاطفية من جهة، و على صعيد الإيقاعات الداخلية والخارجية من جهة ثانية، إذ تجعل قصائده مموسقة بإيقاعات متفاعلة تصل أرقى مستويات الإثارة و التحفيز الجمالي.
4 – التفعيل النسقي للصور الشعرية التي تزيد ألق الحس التأملي الاستغراقي الذي يبث اللحظة الشعورية المصطهجة بحس تأملي / و فن شعري عميق / في بلورة النسق الشعري المبتكر / و خلق الائتلافات التشكيلية الفاعلة على المستويات كلها.
.................................
* فصل من كتاب بنفس العنوان قيد الطبع
** ناقد أكاديمي سوري
- الحواشي:
(1) – العلاق، علي جعفر، 2007 – هاهي الغابة فأين الأشجار، دار الأزمنة، عمان، ط1، ص27 – 28.
(2) – الجبل، بدوي، 1978 – الديوان، دار العودة بيروت، ط1، ص 398 – 390.