سردار محمد سعيد
| توطئة: فمن هي المطيعة أو الساجدة العذراء في قصيدة يحيى السماوي الشاعر الكبيرالمعنونة (مسبحة للتي ليست تسمـّى -ج 2)؟ فإذا كانت القانتة العذراء هذه إنسية، فذلك يعني ان تأثيرات الصبا المخزونة عنده طفحت، ولذلك فهو اليوم واحد آخر غير يحيى الذي عهدناه الفتى الشاعر الملتزم، وذلك يبدو من القراءة السطحية للقصيدة من خلال البيت: فأنا أصبحت غيري. وللصبا على نفس الفتى العاشق أوامر، لا يستطيع الإنفكاك منها إلا بالصبر والجلد الذي روض النفس عليه فهل غـُلب هذه المرة؟ ومنْ هذه التي شغفته حبا، وملكت فؤاده، حتى أن: سفنه لاتبحر إلآ نحو شواطئها وطيوره لا ترى إلآ ناهديها ولا يرغب إلآ بتقبيل شفتيها. لنلاحظ استعمال أدوات الإستثاء مثل (إلآ) وكذلك (غير) في قوله: ويدي تصفعني لو مسدت غير يديك. على وفق المنظور الديني هناك مريم العذراء عليها السلام كانت قانتة وعذراء وهي ربما وحيدة الخلق التي تتصف بالميزتين معا. لكن لفظة (قانتتي) لم تستعمل أبدا على ما أعرف، فلماذا بدأ يحيى بهذا التعبير في أول القصيدة؟ أرى انه يحسن الإبتداءات، وبخبرته وحرفيـّته أراد أن يسحبنا سحبا، ويجرنا جرا ثم يلقي بنا في خضم عباراته وعباب بحره. يبدوان العودة من القوة بحيث سلبت منه الكثير أوسلبته منا الينابيع الأرطاب الأطياب الأحباب الأصحاب وأرى أنه لم يبق سوى غلق الأبواب، وأمرنا لله الواحد الوهاب. لكن يحيى الذي قهر ذاته مرارا وصان نفسه عن الهوى هل يعقل أن عذراء إنسية تنسيه كل شيء ويتخاذل وينكص؟ يأتينا الجواب سريعا: عطشي يسموعلى كأسي وجوعي من رغيف اللذة السوداء أسمى. بل يؤكد التزامه وانتماءه فيقول: وحينا أسأل الصفح عن الأمس الذي عاقرت إثما. وما أعلمه عن يحيى الشاعر الكبير أنه حي القلب، تحركه التقوى، ويميل عن الذنوب ميلا عظيما، وهذا يذكرني بالقول: إذا مضت الأوقات من غير طاعة ولم تك محزونا فذا أعظم الخطب علامة موت القلب أن لا ترى به حراكا إلى تقوى وميلا عن الذنب. لاشك ان يحيى في النصف الأول من الجزء الثاني من القصيدة اتخذ أسلوبا يفتن به العشاق والمتولهين المستهامين، وهذا أمر عادي لمن يرفل بالشباب وعادي لمن يجيد اختيار المفردات والعبارات التي تثير فيهم المشاعر، ولكن الأمر غير العادي هوأسلوبه في افتنان المسنين ومن فاتهم قطار الشباب ممن يتوق إلى ماض رحل، ثم لا يسكب البرد على قلوبنا نحن الذين استلبنا حتى نهاية القصيدة فيعلمنا أن العذراء القانتة ما هي إلآ الأرض التي طغت الظلمة عليها وشح المطر فيها فيتفاءل بأن: يحبل الغيم وتخضر البساتين وتنهال على الظلمة مشكاة الضياء. ومهما غلقت الأبواب ولم تقل (هيت لكم) فإن الندم الصوفي لن يشقينا مادامت الأرض بكرا عذراء (معصومة النهدين). هذا قدرك وقدرنا. قد ّر الله أن نولد على هذه الأرض العذراء وربما نموت في أرض ثيب. وأخيرا وليس آخرا أستعير فيك قول القائل: لله د َرك ما أحفل درك وأبهج في أسلاك المعاني د ُرك. .......................... |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق