المرأة مابين نزار قباني ويحيى السماوي \ علوان حسين |
| في الجانب الآخر نرى المرأة في شعر وتجربة الشاعر (يحيى السماوي) وقد تجلت كأقنيم متعدد الوجوه، وهو وبالرغم من غنائيته الطاغية تراه يفكر في ثيمته (المرأة) ويراها كمخلوق شفاف أقرب إلى الحلم منه إلى الحضور المجسد في كتلة من لحم ودم وثياب. لقد طغت شهرة نزار قباني حتى كادت أن تحجب شموساً شعرية ظلت ترسل نورها قمرياً خافتاً بفعل الميديا من جهة وشيوع أغانيه عبر أصوات ذهبية صدحت بها بجمال وعذوبة كان للموسيقار الخالد (محمد عبد الوهاب) الفضل الأكبر في جعل القصيدة النزارية أليفة وقريبة من الإذهان وتضافرت جوقة من الأصوات المهمة كعبد الحليم حافظ ونجاة صغيرة وماجدة الرومي وكاظم الساهر وأصالة وغيرهم. يحيى السماوي، هو الآخر طل علينا وقد تشرب بالتراث الشعري العربي القديم، مسلحاً بلغة ثرة وإيقاعات موسيقية جاهزة وبثروة من المفردات ينهل منها ما يشاء له الخيال ليبني عمارته الشعرية مازجاً ما بين إيقاعات الخليلي وموظفاً لها تارةً وتارة نراه وقد تمرد ونفض عنه ثوب البلاغة القديم ليطل عبر قصيدة حديثة لغةً وبناء. امرأة السماوي كائن أسمى. هو وحين يتعرض للعلاقة معها تتشابك الجوانب الروحية والجسدية في صراع يتخذ طابعاً درامياً يعبر عن تمزق الذات الإنسانية وألمها العميق في مشاركة داخلية تنبع من الإعماق وتصب في الجوهر حيث التجربة في معانيها الوجودية التي تستمد من المعاناة والألم والتفكير في الحب والإحتراق في ناره لتأتي القصيدة كإبتهال روحي وصلاة ربانية تمس شغاف المعاني (الماءُ أودعها سريرتهُ.. وأودعتِ الطفولة جيدها عقد البراءة.. والأمومة؟ أودعتها رقة القلب الجليل.. والروض أودع ثغرها وهج القرنفل في الأصيل.. والليل؟ أودع شامتها جفن َ مُقلتهِ الكحيل.. وأنا؟ أنا أودعتُ كوثر َ نهرها جثمان بستاني القتيل) الحب عند يحيى السماوي ليس مادةً بل جوهر، والمرأة ليست موضوعاً لقصيدة إنما هي النار كما عند المجوس، نتطهر بها وتدفعنا للتأمل. هي نفسها النار التي تسري في غابة النفس النائمة وأصل العذاب البشري وعذوبته في آن. صحيح أن امرأة السماوي ليست أثيرية ولم تكون، فهي امرأة من لحم ودم أيضاً لكنها ليست جسداً محضاً، والعلاقة معها أو التعامل والنظر لها لا يكون حسياً محضاً كما عند نزار قباني، فهي بحضورها الطيفي وجسدها الذي هو صنو الطبيعة بما هي باعثة للتأمل والتفكير والحب المحض. امرأة السماوي أقرب للإقونة أو الرمز والمثال حتى في حال تجسدها كحبيبة مشتهاة.. (لا تجزعي.. لو أنني جزتُ المفاوز َ واحتبستكِ تحت خيمة أضلعي.. وغسلتُ بالقبلات نخلكِ والتراب َ بأدمعي.. قد ضاقت الأرضُ الفسيحةُ بي فجئتكِ هارباً مني إليكِ فأوسعي). في العودة لقراءة تجربة كل من الشاعرين نزار قباني ويحيى السماوي، قراءة منصفة وواعية يجد بأن الأخير هو من تعامل مع المرأة وتناولها كمضمون وفكرة وكإنسانة ملهمة مانحة الحب والبهجة والأمل والجمال وكقيمة إنسانية متسامية في وجودها وكرمز للخصب والخير والأمومة والعطاء، يبدو لي بأن السماوي كان أكثر قرباً ودفئاً منها، وأكثر تمثلاً لمكنونانتها وبالطبع الأكثر شغفاً وولها بها والأصدق تعبيراً عن العاطفة البشرية في محتواها العميق الذاهب نحو الجوهر.. من هنا أقول بأن الشاعر يحيى السماوي هو شاعر المرأة بحق وليس نزار قباني. شاعر من العراق |
الاثنين، 10 يناير 2011
المرأة مابين نزار قباني ويحيى السماوي
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق