هوامش على جذع نخلة السماوي
يـس الـفـيـل ـ مصر
وجوده بيننا يؤكد أن شعرنا بخير ، وأن جذوره الممتدة في تربة النفس العربية لأكثر من ألف وخمسمئة سنة ، ستظل تقاورم التصحر والجفاف .. إنه الشاعر العراقي يحيى السماوي ، الذي يؤكد بإبداعه المتجدد أنّ الأصالة لاتستوجب الجمود ، وأنّ التمسك بالموروث من القيم لا يتطلب الإنكفاء على المستهلك من المعاني والصيغ والأفكار .. ذلك أننا بالمعايشة الواعية نستطيع أن نقدم روح العصر حيّة نابضة فيما نطرح من إبداع يستوعب هذه الروح المتطلعة إلى آفاق التجاوز دائما ، وذلك بصدقنا الفني ، ثم بصدقنا مع أنفسنا ، في كل ما نطمح إليه من كمال إنساني منشود .
بعد غربة عن الأهل والوطن امتدت نحو عشرين عاما ، يعود الشاعر إلى العراق ، وهو بهذه العودة كأنما عاد إلى الحياة من جديد :
الآن َ أبـتـدئ الصِّبا ولـو انـني
جاوزتُ خمسينا ً من السـنوات ِ
ميلاد جديد بعد يأس ٍ قاتل ، وبداية مأمولة بعد نهاية مأساوية فرضها نظام بغيض ، كم عادى الأحرار ونكّل بهم ، وطاردهم أينما حلّوا ، رغم أن هؤلاء المُطارَدين كانوا أسعد حظا ً ممن لم يستطيعوا الفرار من المحارق الصدامية الكافرة .
وشاعرنا الذي جمع بين الأصالة والمعاصرة في إبداعه الممتـدّ عبر مجاميعه الشعرية ، مازال يقبض على جمر الكلمة الحية الناصعة حين يخاطب الوجدان العام مخاطبة مباشرة لاسيما وهو يتحرى قضايا وطنه الذي تهرّأ تحت سياط الأبناء والغرباء على السواء ، يتجلى ذلك بوضوح في ديوانه " نقوش على جذع نخلة / أستراليا 2005 " حيث لايكتفي الشاعر باستلهام روح العصر وانطلاقاته ، ولا تستعبده اللغة بمفرداتها العتيقة وإنما يجنح إلى المغاير معنىً والمختلف مبنىً ، ليقدم لنا سبيكة عصرية تؤكد انحيازه للموضوعية وحرصه على تجاوز السائد والمألوف :
أنــا يـا عـراق ُ حـكـايـة ٌ عـربـيـة ٌ
خُطّـتْ على رمــل ٍ بـسَـنِّ حَصـاة ِ
مولايَ كم عصفَ الزمانُ بهودجي
فـأغضْتُ مُـزبِـدَ مـوجـه ِ بـثـبـاتي
وأحسبُ أننا من خلال قصيدتين فقط ، وردتا في هذه الملحمة الشعرية ، نستطيع أن نؤكد ماذهبنا إليه ، من أنه قد تفوّق على نفسه ، وهو يتعايش على البعد مع قضايا وطنه ، ويغامر في التعبير عمّا يُعانيه هذا الوطن المنكوب بأبنائه قبل نكبته بالإحتلال الأخير ... ففي مطلع قصيدته الملحمية ( ياصابرا عقدين إلآ بضعة ) والتي سبق أن نشرها في العدد 330 من المجلة العربية في نوفمبر 2003 تحت عنوان " ما أحلى العراق " يقول الشاعر :
ألـقـيتُ بين أحـبّـتي مــرساتي
فالآن تـبـدأ ـ ياحياة ُ ـ حـياتـي
ألآن أخـتـتمُ الـبــكاءَ بـضحكة ٍ
تـمـتـدُّ من قـلبـي إلى حَـدَقـاتي
ألان ينتقمُ الحـبـورُ من الأسـى
ومن اصطباري ظامئا كاساتي
إلى أن يقول :
أنا في السماوةِ لا أشكُّ بما أرى
فـلقـد رأيـتُ بأهـلـهـا قـسَـمَـاتـي
وهنا يضعنا بصدقه الواقعي في قلب المشهد الأسيان :
سأصيحُ بالقلب ِ الأسير:ِ كفى الأسى
فـاغـلِـقْ كتابَ الحـزن ِ والـنـكـبـات ِ
ثم يتوجّه بنا إلى موطن هواه ، ليؤكد لنا أنه ما رأى الحياة جديرة بالعيش إلآ في لحظات العودة إليه ، لتتداعى الذكريات بعد ذلك ، حيث الجسر الحديد والسجن القديم وساحة الإعدامات في السماوة ، وما في هذا الحيّ من قبور للأهل وكروم للنخيل مستوحشة الأعذاق للغائبين رغم اختزال ماشهد من محن ٍ وما تجرّع من أسىً في لحظة الميلاد هذه . تلك سمت فيها نفسه وشفت فيها روحه لتطارد الضغينة مثلما يطارد الضياء جحافل الظلام ، إلآ أن الزفرات تتصاعد من وجدانه والمعاني تتطور مع أبجدياته ، لتصل إلى اللحظة الفارقة .. ويطرق الباب .. ويسأله مَنْ في الداخل .. وهنا يردّ الشاعر : حيٌّ ميّتٌ .. خبر الجحيم فتاق للجنات .. ثم يستطرد متسائلا : أين العجوز ؟ أين أمي ؟ لينهمر عليها :
فحضنتها حضن َ الغريق ِ يشـدّهُ
رمَـقٌ من الـدنـيا لـطـوق ِ نـجـاة ِ
قـبّلتُ حـتى نـعـلـهـا .. وكـأنـني
قـبّـلـتُ من ورد الـمُـنى بـاقــات ِ
وسـألـتها عفوَ الأمومة ِ عن فتىً
عَـبَـثـتْ بـه الأيـامُ بعــد شــتـات ِ
وفي رحلة سريعة معه عبر الأزقة والحارات ، وبعد استغراق ، يسير في زمان ٍ كبا وأيام تعثّرت في دروب المصير . ورغم صخر السنين الذي أثقل خطوه ، ووحشة الطرقات التي جرحت أقدامه ، إلآ أنه يهتف ـ وقد أشجته العودة وأنسته كل ماكان :
الـلـهْ .. ما أحلى السماوة َ !! ليلها
باكي الـنـداوة ِ ضـاحكُ النسَـمات ِ
فـتّـانة ٌ .. ! حتى نـبـاحُ كـلابـهــا
خلف القرى يُـغـوي ثـغـاءَ الـشـاة ِ !
وكأنما هو يؤكد مقولة مَنْ سبقه من الشعراء الذين تجرّعوا مرارة النفي والتشريد والإغتراب أزمانا .
ورغم لوعة الأسى ومرارة الأشواق ، إلآ أنّ قيم الشاعر وأخلاقياته تستصرخانه حتى وهو بين المطرقة والسندان ، ليتذكّر حينما تطلّعت نفسه ـ وهو دون سـنّ البلوغ ـ إلى جارته ، فإذا بصفعات أبيه وتهديدات أمه تذكّرانه ، إنْ كانت المراهقة قد أنسته مالايحبّ نسيانه ـ فيذكرنا بقول عنترة العبسي :
وأغضّ طرفي إن بدتْ ليَ جارتي
حـتى يــوارى جـارتي مـثـواهــــا
وحين نصل إلى بيت القصيد في ملحمته الرائعة " ما أحلى العراق " كما أسماها حين نشرها في المجلة العربية ، أو " ياصابرا عقدين إلآ بضعة " كما أسماها في ديوانه هذا ، نتعجب مما يقول فيها مخاطبا الوطن القابع في أعماقه ، المتجذر في خلايا روحه :
جَـهِّـزْ ليومي في رحابـكَ فسحة ً
وحُـفَـيـرة ً لـغـدي تضمُّ رُفـاتـي
مما يقطع بأنه هنا وجد ضالته المنشودة في هذه العودة الآملة ... لكنه يُهاتفني ضحى السبت 3/4/2004 ليخبرني أنه في زيارة يُغادر بعدها العراق إلى استراليا !! وحين أسأله : ولماذا ؟ يجيبني إجابة يقشعرّ لها بدني .. فالمفخخات والقتل الإرهابي الأعمى ووحشية المحتلّ قد اغتالت طيور أحلامه ـ ولا أستطرد بعد ذلك في الحديث عنه وعن قصيدته الأولى / لأطرق الباب على ثانية المليحات والتي جاء عنوانها عنوانا لهذه المجموعة الشعرية بكاملها ... وهي بدورها ملحمة من ملاحم الشعر الوطني وإنْ لم تخضع للنظام البيتي كسابقتها ، وبذلك اتسع أفقها واستطال مداها ، حتى شملت العاصفة وما سبقها وما خلفته على أرض الواقع من دمار ، لايعنيها اكتمال الإيقاع ولا التحام الموسيقى التي تدفقت نغما ً ربانيّا ً في شرايين الملحمة السابقة ، ثقة ً من الشاعر أنّ لكل حدثٍ حديثا ً ، ولكل فاتنة أسباب فتنتها ... من هنا لم يستسلم كلية لذكرياته المتقدة ، كذلك لم يشغله تصوير ذلك الواقع البغيض ، وإنما أصبح ـ وكل مايعنيه خلال ثلاثين لوحة رسمتها هذه المطوّلة ـ أن يستوحي الأحداث ، وأن يستثير الصمت ، ليتحدث بما كان وماجرى ... ولغة الصمت أوقع في أذن المعتدي من الصراخ والعويل ، لاسيما إذا كان هذا الصمت مما يسبق العاصفة .. لكن .. وياللأسف :
وراء كلِّ مستبدٍ نخبة ٌ
تعملُ في صناعة الألقابْ
وزمرةٌ من المصفقين
لاتتعبُ من نفاقها ..
وجحفلٌ من أشرسِ الذئابْ
وفيلقٌ من الذباب ِ البشريّ
ينشرُ الطنين َ
في المدائن ِ الخرابْ
يٌبشِّـرُ الخانعَ بالثوابْ
ويوعِدُ الثائرَ بالعقابْ
وهو هنا يُعرّي الدجل والنفاق ، ويسخر من بطانة الزيف ، حينما تستمرئ التصفيق سواء لطاغية أو لمحتلّ ٍ او للمنحرف والساقط والجبان ، دونما اعتبار إلى أنها إنما تُزايد على وطنها ، وتساند مَنْ أضمر السوء للوطن ولهذا الشعب الذي كُتِبَ عليه أن لا ينجو من محرقة إلآ ليقع في محرقة أشدّ وأقسى ... ويحسب للشاعر أنه لم يستطع غضّ البصر عن الواقع المأساوي الذي تجسده هذه اللقطة بالغة الدلالة على عنف المعتدي وشراسة العدوان :
طـفـل ٌ بلا سـاقـيـنْ
وطفلة ُ مشطورة ٌ نصفينْ
وطاعنٌ دون يـد ٍ
وامرأة ٌ مقطوعة ُ النهدينْ
وكوّة ٌ في قُـبَّـة ِ الحُسَـينْ
جميعها :
حصادُ طلقتين ِ من دبّـابـة ٍ
مـرّتْ بكربلاءْ
تحيـّـة ً ليوم ِ عـاشـوراءْ !!
وكما نرى فإن الشاعر هنا قد استنطق الحدث بعد أن أخرسته المأساة وألجمته تداعياتها ، مما يقطع بأن وحدة الصور وتجانسها داخل السياق الشعري إنما هي قد فرضت نفسها استجابة لانفعال حادّ هيمن على ذهن الشاعر ، ليقدم لنا في النهاية كلية التجربة بعد استبعاد ماهو غير متجانس مع طبيعته الخاصة .
ليس هذا فحسب .. وإنما هو يرتدي عباءة المصلح لينفذ من خلال الحمية الدينية إلى قلوب مَن تسابقوا إلى اقتسام الغنيمة :
يا كلَّ مَنْ جاءوا إلى وليمة العراق ْ
من ساسة ٍ ومن مُرابين َ
وباحثين َ عن أسواقْ
لتتقوا اللهَ به ِ
فليس من مكارم ِ الأخلاق ْ
أكلُ نطيحة ٍ على مائدة النفاق ْ !
وأحسب أنّ الشاعر وهو يتشح ويتكئ على القيم لإثارة المتهافتين ، أحسب أنه ما استخدم هذا الأسلوب إلآ ليكون أبلغ في السخرية ممن لم يستوعبوا أحداث التاريخ ... فقد يمنعهم الحياء من مواصلة الرحلة ، أو يردعهم الخجل عما تسابقوا إليه .. لكن يبدو أن وراء الأكمة ما وراءها .. لاسيما بعدما :
تعفّرتْ بذلّها الجباهْ
فطاعن ٌ يبحث ُ عن دوائه ِ
وجائعٌ يبحث ُ عن طعامه ِ
وخائف ٌ يبحث ُ عن مأواهْ
وعاشق ٌ يبحث ُ عن ليلاهْ
في الوطن ِ المحكوم ِ بالمأساهْ
ومعذرة ً ...
فهذا حديث متوجّع ٍ على هامش المجموعة الشعرية ( نقوش على جذع نخلة ) للشاعر العراقي يحيى السماوي .. وحسبي أن أقرر قبل الختام ، أنني شاعر ولستُ ناقدا ً .. ومن كان مثلي فإنه يستند إلى تجربته الذاتية وتحصيله الثقافي ... وهذا يعني أن للغير رؤاه التي قد تتقاطع معي أو تتداخل ، أو تحذف ماترى أو تضيف ماتشاء ... المهم أنه ليست هناك مصادرة على المطلوب فيما نتفق أو نختلف عليه ... فما زال الإبداع وجهة نظر.. وما زال الحديث يتسع لكل رأي يضيف الجديد إلى مايبدعه الشعراء
يس الفيل
عضو مؤسس باتحاد كتاب مصر
حائز جائزة البابطين في الشعر عام 1991
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق