الاثنين، 27 ديسمبر 2010

حُـلـم ولا أبهى ...



 حُـلـم  ولا أبهى ...

يحيى السماوي



أشْـرَكتُ فيك ِ .. ولـسْـتُ بالـمُـتـأثّم ِ
فالـشِركُ في الأحلام ِ غـيرُ مُـحَـرَّم ِ

خاط َ الكرى جَفـني  ونادَمَ مُـقـلـتي
حُــلُــمٌ بـمِـثـل ِ نـعـيـمِـه ِ لـم أحـلـم ِ

حُـلـمٌ وددتُ العـمـرَ في فـردوسِـه ِ
لا صـحوَ إلآ حين يُـنـصَبُ مأتـمي

يَـمّـمْتُ حزمي نحو شـرفةِ بـيـتِهـا
بـعـفـافِ قِـدّيــس ٍ وشــوق ِ مُـتـيّـم ِ

وجـنـوح ِ  مخبول ٍ وحكمة ِ عـاقِـل ٍ
وبـعُـسْـر ِ محروم ٍ ويُـسْـرِ مُـنـعَّـم ِ

 فوجدتها بين اثـنـتيـن ِ ... عرفتها
من عِطـرِ أنفاس ٍ ومِعْضـدِ مِعصَم ِ

ومن انزلاق ِ لحافِها عن خصـرها
فرط َ الـمَـلاسَـة ِ دون باقي الـنّــوَّم ِ

ذُعِـرَتْ  فأطبَقَ فوق زنبق ِ ثغـرها
ثـغـري فـلم تصـرخْ ولـمْ  تـتـكـلّـم ِ

وسّـدْتُها صدري بحضن ِ سـحابة ٍ
هَـرَبا ً بها بـيـن الـثـرى والأنجُـم ِ

وغسلتُ بالقبُلات ِ مَهْـبَط َ جيدِهـا
غـسْـلَ الندى للورد ِ غـير ِ مُـلـثّـم ِ

معـصومة ُ النهـديـن ِ لم يلـثمْهـما
إلآ  حريرُ الـثـوب ِ فوق المِـحْـزَم ِ

أثِـمَ القـمـيصُ فكاد يـجـرحُ وردة ً
حمراءَ أنضرَ من خدود ِ البُرعُـم ِ

فـرّتْ يدي رغما ًعليّ ومَـسّـدتْ
ياقوتة ً .. لـكنْ : بعِـفّـة ِ مُـحْــرِم ِ

وشمَمْتُ ريحانا ً وعِطرَ سَفَرْجَل ٍ
 ففـمي وقـلـبي يمرعـان ِ بمَغـنَـم ِ
            
لو تعرفُ الزهراءُ  شوقَ ظميئِهـا
لرحيقِ كأس ِ زهورها لم تـفـطِـم ِ

بخلتْ وتدري أنّ خـبـز سـطورِها
زادي بصحـن صبابتي وتهَـيُّـمي

دخلتْ بسـاتيني فأنْضَجَ خـطـوُها
 الـتـينَ والزيتونَ قـبْـل الـمـوسِـم ِ !

               **

قـدسـيّـة َ العـينين ِ ناسِـكـة َ الـفـم ِ
رفـقـا ً بسادِنِك ِ الأسير ِ المُـغـرَم ِ

لا تحـذري ناري  فإنَّ لهـيـبَـهـا
لا يـسْـتَـطيبُ ضـرامُـهُ إلآ دمي

خَطَبَـتْكِ أعماقي فحاضرُ مَهْرِها
قـلبي  وأحداقي .. وغائِـبُها فـمي

إنْ تطلبي الرُّطَبَ الجنيَّ وشهدَهُ
هزّي بمبسمِك ِ المُطَيَّب ِ مبسمي

النارُ جائعـة ٌ .. فهـلْ أطْعَـمْـتِهـا
أشواكَ أمسي في الزمان ِ الأقدم ِ ؟

زفَّ الهوى قلبي إليك ِ فزغردتْ
روضٌ وباركت ِ الطيورُ ترنّمي

لا  توصدي المحرابَ عن مُـتبَـتِّل ٍ
والنهرَ والينبوعَ عن صَـبّ ٍ ظمي

قد جئتُ منهلَكِ العذوبَ مُضَرّجا ً
بالجمر ِ رفقا ً  بالظميء المُسْـلِم ِ

حسبي حججتُ  فهل يجوز لناسِـكٍ
صلى الوداعَ بغير شِـربة ِ زمزم ِ ؟

            ***
22/12/2010


قراءة في قصيدة

حلمٌ ولا أبهى
للشاعر المبدع يحي السماوي
    هذه القصيدة من الروائع الشعرية التي صاغها شاعر قدير مملوء بالأحاسيس المتدفقة الملتهبة التي تملأ قلبه بالرؤى والصور البديعة, فقلما يقرأ الإنسان قصيدة بهذا المستوى الرفيع من الجمال الذي يحرك العواطف حتى ليعيش المتلقي نفس تجربة الشاعر فيحلق معه في سماوات الخيال ويتصور نفسه مكان الشاعر.
                                       *******
   يبدأ الشاعر قصيدته بجملة قصيرة تعبر عن مدى حبه وهيامه وتعلقه بمحبوبته التي قد تكون واقعا وقد تكون خيالا وقد يختلطان معا في ذهن الشاعر فلا تستطيع التفريق بينهما,هذه الجملة هي:ـ (أشركتُ فيكِ) جملة واحدة من فاعل وفعل ومفعول به, ثم يبرر هذا القول الصادم للمتلقي بأن الموضوع كان مجرد حلم لا واقع له, حلم عابر لا يعبر عن حقيقة عبادته لله وحده فهو المعبود بحق.
ثم يتطرق إلى ما رآه في الحلم من النعيم المقيم الذي لم يحلم به واقعا, فيتمنى أن يستمر مقيما في حلمه في فردوسه المفقود طيلة حياته, فلا يصحو أبدا إلا يوم وفاته.
   ثم يبدأ الشاعر في توضيح ما رءاه في منامه البهي من توجهه نحو شرفة منزل الحبيبة التي ألهبت قلبه وألهمت خياله, وهو في حالة يعرفها أهل العشق والغرام فيبدو عفيفا كقديس ومشوقا كعاشق ولهان,يسعى بخفة من أصابه الخبل وبحكمة الحكيم, بين هذه الحالات المتناقضة التي تجتاحه يمنى نفسه بالأماني بعد اقتراب موعد اللقاء بمن يحب,وقد عرف حبيبته لا بالنظر ولكن من عطر أنفاسها, وانسيابية عضدها البض وهى تشير إليه بالاقتراب منها,وقد انزلقت ثيابها ليبين خصرها الرشيق وقد فاجأها بقدومه فتملكها الذعر, إلا أنه أحاطها بيديه وقبلها فاستكانت له ولم تتكلم.
*******
   ثم يصور لنا الشاعر ما رآه في حلمه العجيب الذي ألهمه هذه الرائعة الشعرية, فقد طارا معا متعانقين يوسدها صدره في حضن سحابة محلقين معا في سماوات الحب والنعيم,وقد انهال عليها بالقبلات على جيدها, قبلات رقيقة كالندى يعانق الورود.
  ويصور لنا الشاعر مفاتن الحبيبة التي ملكت عليه لبه في منامه, فقد بدا نهداها اللذان لم يلمسهما من عفتها إلا ثوبها الحريري الناعم الذي شف عن نهديها وأبدى مفاتنها’وهنا يلقى الشاعر باللوم على الثوب الشفاف الذي أصبح في نظر الشاعر آثما لأنه لامس هذه المفاتن وأبرزها بكل وضوح.
  وهنا تمتد يدي الشاعر خلسة في رقة لتلمس نهديها ويتوارى الشاعر خلف ثياب العفة ويتصور نفسه محرما, والصورة هنا واضحة كل الوضوح فقد تصور حبيبته بالكعبة وصور نفسه بمن يحج أو يعتمر محرما فيقبل الكعبة التي توجه إليها بكل مشاعره يبثها لواعج قلبه.
      *******
  وهنا يبث الحبيبة أشواقه ويصور لها مدى حبه لها وشوقه إليها,فيعرفها بذلك, متألما لأنه منعته عن التمادي وفطمته رغما عنه,فهو يطمع في المزيد والمزيد, وهى تتمنع فتلهب مشاعره المتوقدة ويزداد شوقا إليها.
   فلو عرفت الحبيبة مدى شوقه إليها ورغبته فيها ما فطمته ولما منعت عنه ما يريده, ولم تبخل عليه بخبزها الذي هو زاده الذي يقتات منه ويعيش عليه, فقد أنضجت خطواتها وهمساتها الرقيقة المعبرة مشاعره قبل وقت النضوج, ثم يدعوها بأن تترفق به لأنه أسير هواها المتيم بها, ويطمئنها  بقوله إن النار التي تشتعل في قلبه لن تؤذيها فهي برد وسلام عليها, وقد تقدم إليها خاطبا يسوق ما في أعماقه من شوق ولهفة وغرام إليها, مقدما إليها قلبه وعيونه كمقدم مهر لها, ومؤخرها هو ما يمكن أن يقوله لها لاحقا من عذب الحديث, فإن كانت تطلب ثمار قلبه لتبتسم له ولتقبله حتى يرتاح قلبه وتهدأ مشاعره,
                                      *******
  ويخبر حبيبة قلبه أن أشواقه لها كالنار في قلبه منذ عرفها, ولا يمكن لهذه النيران أن تهدأ أو تخمد أبدا, فهي ضالته التي يتوق إليها في كل وقت, ولا يهدأ إلا في أحضانها,
   وهنا يتخيل الشاعر نفس وقد زف إلى حبيبته فهاهي الرياض فرحة بهما تزغرد من فرحتها, والطيور هاهي قد أقبلت في موكب عرسهما تغنى وتبارك لهما وتردد أنغام قلبه.
   وهنا يعود إلى  تصوره الذي لا يفارقه أبدا فهي كعبته التي يحج إليها ويستغرب أن توصد محرابها عن ناسك , ولا تسقيه عذب سقياها وهو المحب الظمآن, وقد جاءها والنار في قلبه طالبا الرفق بالظمآن.
   وهنا تكتمل الصورة لدى الشاعر فيعاتب محبوبته وهى من تكون قدرا ومقاما والتي يشبهها بالكعبة , فقد أتى  إليها حاجا وأتم حجه بطواف الوداع, فكيف تحرم عليه الشرب من ماء زمزم.

عبد القادر الحسيني
طائر الفجر



"وقراءة ثانية "

الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان


يحيى السماوي الشاعر القدير المحلّق بين حلم وأرض ،، تحايا لهذه الزمهريرة الحبلى برائحة امرأة وبحجّ ناسك متبتّل ، يهوى الجمال والنار مستعرّة ، وها هي القصيدة تولد من رحم المأساة ، من " رحم الحلم" الخالي من الخطايا ،، والسؤال الذي يراودني : هل يحاسب الشاعر على آثامه وخطاياه في الحلم ؟؟
أشْـرَكتُ فيك ِ .. ولـسْـتُ بالـمُـتـأثّم ِ = فالـشِركُ في الأحلام ِ غـيرُ مُـحَـرَّم ِ
خاط َ الكرى جَفـني ونادَمَ مُـقـلـتي = حُــلُــمٌ بـمِـثـل ِ نـعـيـمِـه ِ لـم أحـلـم ِ
حُـلـمٌ وددتُ العـمـرَ في فـردوسِـه ِ = لا صـحوَ إلآ حين يُـنـصَبُ مأتـمي

"
أشركت فيك ولست بالمتأثّم" : والدفاع عن الاثم ليس رهينا بالحلم فقط وانما بالحياة فمنذ أن أكل آدم التفاحة تحمّل الانسان لحظة الخطيئة يحمل الاثم على ظهره وكأنه الوطن ، وهنا أيها الشاعر الآتي من السماء لتسقط سهوا على الأرض ويختلط الاثم في حلمك مع التراب النازف المعجون بدم الخطيئة ، أنت تطرق قضية خطيرة في قصيدتك باعترافك عن المحرّم من الحلال ، وأسأل هل يا سيدي اقتراف الاثم في الحلم غير محرّم وفي الحقيقة محرّم ؟ وهنا تلبس لغة الخطايا ثوبا من العفاف على " كرسي الاعتراف" أيام الآحاد أمام الكاهن ، هي الخطيئة التي تحمّلتها النفس منذ حواء وآدم فهل علينا أن نتحمّل الخطيئة حتى آخر أيامنا ؟؟ ومن المعصوم عن الخطأ ،، ولمن الكمال ،، فالكمال ليس الاّ لله وحده ونحن التعساء على هذه الأرض ندفع ضريبة الندم والكرى والحلم بدخولنا الى الجنة .قد أكون قد خرجت من مضمون القصيدة لكنني في لبّ الموضوع لأننا ضعفاء عن قول الحقيقة فنلجأ بضعفنا الى الحلم بخوف ورعشة القديسين من رحمة السماء حتى ونحن ندرك أننا لا نمارس اثما بل هو الحلم الذي لا نحقق فيه رغباتنا الاّ بالتصوّر والخيال :
يَـمّـمْتُ حزمي نحو شـرفةِ بـيـتِهـا = بـعـفـافِ قِـدّيــس ٍ وشــوق ِ مُـتـيّـم ِ
وجـنـوح ِ مخبول ٍ وحكمة ِ عـاقِـل ٍ = وبـعُـسْـر ِ محروم ٍ ويُـسْـرِ مُـنـعَّـم ِ
فوجدتها بين اثـنـتيـن ِ ... عرفتها = من عِطـرِ أنفاس ٍ ومِعْضـدِ مِعصَم ِ
هذا الوصف للقديس بشوقه المتيّم اليها لا يكتمل الاّ بتوظيف الشاعر لمفردات لغوية قد تبدو سهلة وبسيطة لكن لها دلالاتها بالدفاع عن جنوحه " مخبول ،حكمة عاقل، عسر محروم ، يسر منعّم ، عفاف قدّيس، " رد فعل الشاعر حين تتحرك الذات الصغرى فيه ليحاسبها قبل قدومه الى بيتها .

فوجدتها بين اثـنـتيـن ِ ... عرفتها = من عِطـرِ أنفاس ٍ ومِعْضـدِ مِعصَم ِ
ومن انزلاق ِ لحافِها عن خصـرها = فرط َ الـمَـلاسَـة ِ دون باقي الـنّــوَّم ِ
ذُعِـرَتْ فأطبَقَ فوق زنبق ِ ثغـرها = ثـغـري فـلم تصـرخْ ولـمْ تـتـكـلّـم ِ
وسّـدْتُها صدري بحضن ِ سـحابة ٍ = هَـرَبا ً بها بـيـن الـثـرى والأنجُـم ِ
وغسلتُ بالقبُلات ِ مَهْـبَط َ جيدِهـا = غـسْـلَ الندى للورد ِ غـير ِ مُـلـثّـم ِ
يستمر بحلمه وبخوفه الذي يتهاوى حين يراها وهي التي عرفها من عطر أنفاسها وكأنه يعرفها منذ زمن بعيد لينزلق اللحاف عن خصرها ، واستسلمت حين ( أطبق فوق زنبق ثغرها / ثغري فلم تصرخ ولم تتكلّم) ،،وببراعة نلمس في وصفه عملية الشوق بتقديم المؤخّر حين يطبق ثغره( الفاعل) فوق ثغرها ولم يكن أي ثغر بل " زنبق ثغرها" ،،ليوسّدها صدره " بحضن سحابة" وانزياح باللغة فقد كان يستطيع الاكتفاء بالحضن لكن السحابة قوّت المعنى الذي أراد ليهرب بها بين النجوم بعيدا عن الأرض حيث مكان الحلم فيغسل جيدها بقبلاته كالندى الساقط على الورد وهنا يزيل عنه جرمه بالاثم باسقاطه غسل القبلات على الندى حين يغسل الورد..!
معـصومة ُ النهـديـن ِ لم يلـثمْهـما = إلآ حريرُ الـثـوب ِ فوق المِـحْـزَم ِ
أثِـمَ القـمـيصُ فكاد يـجـرحُ وردة ً = حمراءَ أنضرَ من خدود ِ البُرعُـم ِ
ومن أروع الصور الشعرية هذه اللوحة البديعة بتصويره " نهديها المعصومين عن الخطأ" ويضيف " الاّ" ليؤكّد بتولية وعفة هذه الأنثى التي لم يلثم نهديها الاّ حرير ثوبها ، فيكيل الشاعر للثوب التهم الذي كاد أن يجرح الوردة الحمراء بخدودها المتبرعمة ...التورية في هذين البيتين تخلعنا من الواقع لنشهد الحلم ونتابعه .!
فـرّتْ يدي رغما ًعليّ ومَـسّـدتْ = ياقوتة ً .. لـكنْ : بعِـفّـة ِ مُـحْــرِم ِ
وشمَمْتُ ريحانا ً وعِطرَ سَفَرْجَل ٍ = ففـمي وقـلـبي يمرعـان ِ بمَغـنَـم ِ
لو تعرفُ الزهراءُ شوقَ ظميئِهـا = لرحيقِ كأس ِ زهورها لم تـفـطِـم ِ
بخلتْ وتدري أنّ خـبـز سـطورِها = زادي بصحـن صبابتي وتهَـيُّـمي
دخلتْ بسـاتيني فأنْضَجَ خـطـوُها = الـتـينَ والزيتونَ قـبْـل الـمـوسِـم ِ !
قـدسـيّـة َ العـينين ِ ناسِـكـة َ الـفـم ِ = رفـقـا ً بسادِنِك ِ الأسير ِ المُـغـرَم ِ
لا تحـذري ناري فإنَّ لهـيـبَـهـا = لا يـسْـتَـطيبُ ضـرامُـهُ إلآ دمي

نلاحظ أن لهجة الشاعر وصوته في القصيدة يستمر كالمدافع عن حلمه حيث يقول : " فرّت يدي" وكأنه ليس المسؤول عن يده وكأن يده لم تتحمّل هذه الياقوتة لتمتد اليها تمسّدها ،ويضيف لكن " بعفة محرم" كبرهان بدفاعه عن دخوله الى بستان من السفرجل والريحان وهو الظمآن لرحيق كأسها لما فطمته عنها ،،وحين دخلت بساتين شعره نضج التين والزيتون قبل موسمه واختيار الشاعر ( للتين ، وللزيتون ) لم يكون عشوائيا ، بل هنا علاقة ما بن الفطام وحليب التين وما بين الطفل الذي ينمو بتجذره تحت ظل زيتونة والتي هي مصدر الغذاء والعطاء والهوية .
"
رفقا بسادنك الأسير المغرم" يطلب منه أن تترفق به هو أسيرها : هنا تتبدّل الأدوار فقد كان في أول القصيدة هو من يملك زمام الأمور والآن بدخولها بستانه هي التي تتحكّم بخطواتها فيطيب له أن لا تحذر من ناره لأنه لا يستطيب الاّ دمه ،وفي الحالتين بوصفه لها " قدسيّة العينين ، ناسكة الفم " يأيتينا الى دهشة المشهد لهذه التي تدخل اليه ولم تطأ قدماها بساتين الهوى قط وانما هي كالناسكة التي لم يلثم ثغرها الاّ هو .
خَطَبَـتْكِ أعماقي فحاضرُ مَهْرِها = قـلبي وأحداقي .. وغائِـبُها فـمي
إنْ تطلبي الرُّطَبَ الجنيَّ وشهدَهُ = هزّي بمبسمِك ِ المُطَيَّب ِ مبسمي
النارُ جائعـة ٌ .. فهـلْ أطْعَـمْـتِهـا = أشواكَ أمسي في الزمان ِ الأقدم ِ ؟
زفَّ الهوى قلبي إليك ِ فزغردتْ = روضٌ وباركت ِ الطيورُ ترنّمي
لا توصدي المحرابَ عن مُـتبَـتِّل ٍ = والنهرَ والينبوعَ عن صَـبّ ٍ ظمي
قد جئتُ منهلَكِ العذوبَ مُضَرّجا ً = بالجمر ِ رفقا ً بالظميء المُسْـلِم ِ
حسبي حججتُ فهل يجوز لناسِـكٍ = صلى الوداعَ بغير شِـربة ِ زمزم ِ ؟
هل سيتم الحلم ؟؟ المهر جاهز وماذا يملك الشاعر ( القلب والأحداق ) حتى يكتمل المهر يطالبها هو الآن بأن تهزّ يمبسمها مبسمه ، ناره جائعة فهل تطعمها من أشواك الأمس ؟ ويدخلنا في موكب عرس بطقوسه التي تليق بناسك يحج الى مزار ،، فكنا أمام موكب بعرس مهيب حين زفّ الهوى قلبه اليها فزغردت الروض " وباركت الطيور ترنّمي" ان شاعرنا في النعيم واختار له المكان بطقوسه التي يهواها فيخرج عن المتعارف عليه ويكون الشاهد على هذا الزفاف الطيور والروض والنهر والينبوع ، هو المكان الذي لأأتى اليه ليطفىء لهيبه " مضرّجا بالجمر " وانزياح لغوي رائع منك شاعرنا فالمضرج بدمه للقتيل والجمر من بعده الرماد ، فما يزال في حالة من الظمأ التي تدعو الترفّق به ليقول : " حسبي حججت فهل يجوز لناسك / صلى الوداع بغير شربة زمزم " للناسك أن يحجّ وأن يطفىء جمرته المحترقة وها هو يؤكد أنه المسلم الآتي الى بئر زمزم لينهل منه ماء صافيا يسترد به ذاته الأخرى حين يعود من الحلم الى الواقع .!الشاعر يحيى السماوي : كان حلما ، لكنك لامست بالحلم الكثير من القضايا التي لا نجرؤ على النقاش فيها بالواقع فهل الاثم ان كان في الواقع كنا سنتحرّر من عبودية الحرف لنطلق لنا العنان بوصفه هذا الوصف البديع الجريء كما فعلت .. أعتقد أن المنافي تؤسس لشعرائها دولة جديدة لا يدخلها الاّ المبدعين الرافضين لطقوس هذا الزمن والالتحاف بعباءات العبودية ،، أحييك !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق