السبت، 25 ديسمبر 2010

استراحة داخل صومعة الفكر مع ديوان ( ألأفق نافذتي ) لـ (يحيى السماوي) *



                 استراحة داخل صومعة الفكر
  مع ديوان ( ألأفق نافذتي )  لـ (يحيى السماوي) *
 
سعد البواردي













ديوان بهذا الحجم من الصفحات يسلمني إلى حيرة بلهاء.. أيها أختار.. وأيها أتجاوز وفق ما تسمح به المساحة المتاحة للإستراحة، وإذا لم يكن من الإختيار  بدّ  فمن العدل أن لا أعذل.
شاعرنا اقتنع من الكثير بالقليل.. ولكن ما قلّ.. ودلَّ.. لنستمع إليه:

أنـا أرضى بالـذي قـلَّ ودلْ
خيمة ٌفي وطني دون وجَـلْ :

خيمة ٌ أغسلُ بالـلثم بها
يدَ أمي كلما الصبحُ أطلْ

ورغـيـفٌ دافئٌ تـخبـزهُ
" أم شيماءَ " وكأسٌ من وشلْ

وحصيرٌ يُنبـِضُ الخوصُ به
عبقَ الأهوار  فوحا ً وظللْ




حلمه بالعودة إلى وطنه.. إلى العراق الغارق في أحزانه.. إلى حيث عاش صبياً.. وفتيا لا يعرف للحروب ولا للخراب وجهاً ولا صدى.. ويرنم لنا آياته على وقع حسراته وهو يخاطب الشهيدة الفلسطينية البطلة " آيات الأخرس " :

مَنْ تُسمعين َ؟ جميعهم أمواتُ !
أيُـصيـخ سمـعـا ً للجهـاد رفاتُ ؟

مَنْ تُسمعين ؟ وهل تُعيدُ لِـجيفة ٍ
نبضا ً وكِبْرَ كـرامة ٍ أصواتُ ؟

أمْ أنتِ صدّقتِ الخطابات التي
فقدتْ معانيها بها الكلمات ُ ؟

عربٌ إذا نطقوا .. وإنْ ركبوا فما
لهمُ سوى خبثِ اليهود ِ سِماتُ !


تشخيص لحالة مَرَضية غير مُرضية يعانيها عالمنا العربي في ظل العجز.. والتناحر.. وفقدان الذاكرة التاريخية..
السماوي عشق ديار ليلى قبل ليلى التي نعرفها.. ليلى نهار.. وليلى ليل :

دعيني من أماسيكِ العِذاب ِ
فما أبقى التغرّبُ من شبابي

قلبتُ موائدي ورميتُ كأسي
وشيّعتُ الهوى ورتجتُ بابي

خبرتُ لذائذ الدنيا فكانتْ
أمرَّ عليَّ من سمّ ٍ وصاب ِ

وجدتُ حلاوة الإيمان ِ أشهى
وأبقى من لُماك ِ ومن إهابي  



للجسد ظمأٌ مرّ.. وللروح ظمأٌ أكثر مرارة.. هذا ما عبّر عنه :

ظميءٌ واللهيبُ همي
فما يحسو سوى ضَرَم ِ

يُفتّشُ في صحارى العمر ِ
عن مُسـتـعـذَب ٍ شَــبـِم ِ

وفـانـوس ٍ يـنـشُّ بــه ِ
عَـثـارَ طـريقهِ الـعَـتِـم ِ

يُـقوِّسُ ظهرَهُ تعَبٌ
يشـدُّ يدا ً إلى قـدَم ِ

ينامُ على ندى أمَـل ٍ
فيوقظهُ لظى ألـم ِ



حين تظمأ الروح لا يبلّ عطشها كل ينابيع وجداول وأنهار وبحيرات الدنيا.. لأنه عطش أسمى وأقوى من عطش الجسد..
«نسيب» عنوان مناسب لفكرة مناسبة من تمثل حسرة الغرابة.. وحيرة الضياع..

ظام ٍ وكوثـرُهُ النسيبُ ..
أيَـبـلُّ ظمـآنـا ً لهـيـبُ ؟

يحدو بهودجـه ِ الضياعُ
ولا عـشيـرٌ أو حبـيـبُ

غـفـتِ البدورُ  وأيقظتْ
شتّى من العَثَـرِ الدروبُ

مُتشابهان ِ بمـقـلـتيـه ِ
طلوعُ شمس ٍ والمغيبُ



جهام الظلام أعتى منه وأشد وحشية جهام الظلم..
«آمنت بالنار» عنوان لاهب يتطاير شرراً أهداه شاعرنا إلى روح الشهيد شادي توباس ـ منفذ عملية شمال حيفا ـ في فلسطين المحتلة :

مُـســافِرٌ عَـبَـرَ الــدنـيـا ولم يَـجُب ِ
إلآ مـسافـة َأجفـان ٍ مـن الـهـُـدُب ِ

صلّى وسَـلَّ يـقينَ العزم ِ يشحذهُ
جمرٌ من الثأرِ في ريح ٍ من الغضَـب ِ

تـمـاثـلا عـنـدهُ في ظلـلّ ِ نـخـوتِـه ِ
تاجٌ مـن الـجـلـد ِ أو نعلٌ من الـذهَب ِ

رأى الـحـاةَ مَـواتـا ً فاستـخار ردىً
حيّـا ً حياةَ رفيف ِ الضوءِ في الشُّهُب ِ

فصاحَ بالأرضِ : شقّي القبرَ وانتظري
ماسوف تحصدُ أشلائي من الحَطَب ِ

سَـلَّ الضلوعَ رماحا ً .. ثمّ فـجّرَهـا
مابين مُـنـتَهِك ٍ عـرضا ً ومُـغـتَصِب ِ

هكذا يبدو مشهد النداء أقوى من هزيمة الحياة.. وضعف إرادتها.. لأنها الحياة نفسها دون إحساس بالعجز في مقاومة الاحتلال.. الجاثم على الأنفاس.. اطلب الموت توهب لك الحياة.
«أهلوك أهلي يا ديار» إحدى نوافذ أفقه الشعرية :

خَتَمَ الذهولُ فمي وشَـلَّ صوابي
لـمـّـا دخلـتُ الـدارَ بــعـد غـيــاب ِ

لـعِـبَ الهـيـامُ بمعزفي فتناغمتْ
قُـبَلُ الـلقـاء ِ ولـوعــة ُ الــتِـغـراب ِ

فـبـِمَنْ سـأبـتـدئ العناقَ مُـقـبِّلا ً
أحـداقـهُ وجـمـيـعـهـم أحـبـابــي ؟

وبـأيِّ دار ٍ أسـتـريـحُ  وكـلُّـهـــا
فـاءتْ عـلـيَّ بـأعذب ِ الأطـيـاب ِ ؟ 


أنا أقول بأي دار ..  إنها الدار التي أحبها شاعرنا القديم وقال عنها:

أحنّ إلى الديار ديار سلمى
أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا

يروي لنا شاعرنا الإبداعي يحيى السماوي حكايته.. وقد تطلع إلى مرآة صورته كبدوي عاشق:

يـشـقـيك ِ يا ليلايَ ما يُشـقـيـني
مـنـفـايَ دونـك ِ والمشانـقُ دوني

بـتـنـا ـ وقد غرَّبْتُ مذبوحَ الخطى ـ
مـجـنـونـة ً تـصـبـو إلى مـجـنــون ِ

مُـتَـرَقِّـبـيـن بشارة َ الـنخلِ الذي
أضحى سقيمَ الـسّعْـفِ والعرجون ِ

نُـخفي إذا اصطخبَ الضحى آهاتِنا
فـيـنزـُّ جمرا ً فـي ظــلامِ سـكـون ِ


«ليالينا عقيمات. ولكن!» عنوان لا يخلو من شكوى :  
تـأمّلـنـي طـويـلاً.. ثـمَّ قـالا
أظنُّـكَ تشتكي داءً عُـضـالا :

شحوبٌ وارتِجافُ يد ٍ وخطـوٌ
لِثِقل ِ همومِه ِ إنْ سارَ مالا

دواؤك في العراقِ فإنْ تحامى
من الزحفِ الوشيكِ حسُنتَ حالا

ولستَ بذي خـيـول ٍ ضـامـرات ٍ
تـصـدُّ بـها عن الـوطـن ِ الـوبـالا


«كن لأحطابي لهيبا» إنه ينشد الاحتراق في نار الأشواق دون أن يخاف.. الحب الدافئ لا يرد رعشة الخريف ..  إنه الحب لأقرب الناس إلى قلبه :

ولـدي أنـتَ ـ وإنْ كـنـتَ أبــا
وأنا لازلتُ في وهـجِ الـصِّـبـا

حـدّثـتـني عنكَ عيـنـاكَ وقـد
تـفضـحُ الـعَيـنُ فــؤادا ً وُصِـبا

سِـرُّكَ المفضوحُ أغوى زينتي
ومـرايـايَ .. وقـنـديــلا ً خـبـا

وفـمــا ً لـمّــا تــزلْ روضـتُــهُ
بـاكِـرَ الورد ِ .. ضحوكا ً .. ذَرِبا

هذه المرة يريد مَن يمسّ عليه.. بماذا؟ ولماذا؟ القول قول جهينة وعنده الخبر اليقين :

هلْ غيرُ مائِكَ يافراتُ نـمـيـرُ
يعفى بـهِ  واه ٍ وتُعْشِبُ بُـورُ ؟

أزجي السلامَ إلى نخيلِكَ صابراً
وقد اسْـتـبَـدَّ بأهـلِـهِ مسعورُ

للنائمين على الطوى لمّا  كبا
صـبـحٌ فـغـادَرَ خـبـزهُ الـتـنّـورُ

لطفولـة ٍ شًـدَّتْ لصحنِ شحاذة ٍ
وكهـولــةٍ ٍ فيها الإبـاءُ كـسـيـرُ



الحلم أقوى من أن يناله قنوط و يأس.. الفرات.. ودجلة.. والنخيل.. وجسر الرصافة.. ومقاهي أبي نواس.. وشارع الرشيد.. وعراق التاريخ لن يظل أسيراً كثيراً.. سيعود معافى كما كان.. وستعود إليه.. وكل من في الاغتراب من أهله.. لكل ظالم نهاية .
«شراك» يذكرني بقوارب الصيد على ضفاف دجلة.. والشباك تلقى لتلقف ما سمح به النصيب.. حتى شراك الحب لها نصيب آخر :

يـا ناصِـبـا ً لـيْ صــوتَـهُ شَـرَكــا
واصِل] حديثكَ .. طاب ليْ شِبِكا

هـاتَـفـتَـنـي .. فَهَفَـتْ مُـطـرَّزّة ً
بــالـوردِ روحٌ خُـرِّزَتْ حَــسَـكـا

أشْـمِـسْ بوجهِك غـربتي فلقد
أضْحـَتْ صَـباحاتي بها حُـلَـكــا

رقصَـتْ لصوتِك مُـقـلـتي طـرَبـا ً
لكنّمـا قلبي المـشـوٌقُ بـكـى !




طرب.. وبكاء.. هكذا الوجدان بين انفعالين متقاطعين أمام مشهد واحد.. وهذا ما عبر عنه شاعرنا العظيم حين قال :
أبكي وأضحك لا حزنا ولا فرحا
كعاشق خط سطراً للهوى ومحا

إنها حالتك.. وحالة من يكتوي بحرارة الشوق.. ومرارة الشوك..
«توغل» مقطوعة ذات نكهة حداثية أبياتها تقول :

توغلت في داخلي
باحثاً عن رمادِ السنينْ

عن السرِّ في عثراتي
وجدتُ من الشك دغلا كثيراً
وشوكا يخرّزُ وردَ اليقينْ

رأيت شمالي لهيباً
يحاصر
عشبَ اليمينُ
فكنت الطليقَ السجين ْ

جميل أن نتوغل في دواخلنا من خلال مرآة صادقة وعاكسة نرى فيها أنفسنا وحقيقتنا دون طلاء، أو ماكياج.. نشهد فيها الحسن فنطلب منه المزيد.. ونرى فيها القبح فنسعى إلى تحسينه.. المهم أن لا يستفزنا الغضب فنهشم المرآة نكاية في الدمامة :

بعيداً توغلت في كهف ذاتي
أفتش عمّـا أضعتُ !..
ذهلتُ ..
وجدت رفاتي
يعيب عليّ حياتي
وليلاي تبرأ من صبواتي..
إذن.. هاتني برهةً منك  .. هات ِ
لأغسل عتمة روحي بضوء الصلاةِ

حسنا فعلت..
شاعرنا السماوي له وطنان لا واحد.. وطن طين.. ووطن رغبة.. وله قبران قبر قلب.. وقبر جسد.. عن الوطنين يقول :

لي وطنانْ
 الأول من طين الدهشةِ
يمتدّ كما حبل السرة ِ
يربط بين نخيل البصرة
 وبساتين التين بكردستانْ

ينضح عشباً
وحبوراً
وأمان ْ ..

الوطن الثاني من ورق الرغبة ِ
أغرس فيه زهور العشق ِ
فتنبت شعراً
ومناديل حرير ٍ
وأنا ما بينهما طيرُ أغانْ

وله قبران:

لي قبرانْ
 الأول في قلبي
حيث دفنت بلاداً
كانت يوماً ضاحكةَ الشطآنْ

الثاني
جسدٌ لا يعرف أين تقيم الروحُ الآنْ
وأنا ما بينهما تابوتٌ يتمشى ..
صرخةُ صمتٍ
 تطلقها في كهف المنفى
حنجرةُ النسيانْ

ويبقى في النهاية وطن واحد لا يعوض.. وقبر واحد لا خشية عليه من الضياع.. ما بين الوطنين والقبرين حركة امتداد ما تلبث أن تتحول إلى حركة ارتداء.
أخيراً مع شاعر الاغتراب الإبداعي يحيى السماوي في آخر مقطوعاته «حطام» وفي ختام
ديوانه الثرُّ بعنوان «الأفق نافذتي» :

معتمراً خوفي
أجوب المدن الصخرية الأشجارْ

أخفي عن الجفاف في عينيّ
ما في القلبِ
 من أمطارْ

أنسلُّ من تحت حطامي  
قمري الطينيُّ في حقيبتي..
وفي يدي عكازةٌ عمياءْ
أبحث في برية الغربةِ عن مدينةٍ
 لا يهرم الضياءْ
 فيها ..
ولا يهرب فيها النجم مذعوراً من المساءْ

أنفخ في رماد أمسي
 فلعل جمرةً تعيد للوجاقْ

مبخرة الدفء التي
 أطفأها الفراق..

عن خيمتي..
وناقتي..
وعن دِلال قهوتي
ورقصةِ الفنجان في ملاعبِ الأحداقْ

في وطن كان يسمى جنة الأرض..
أو العراقْ !

بهذه الرحلة السياحية من الإغتراب يومئ بحلم الإقتراب من وطن ضاق بأهله مُرغماً لا بطلا.. وما ضاق به أهله حلماً وأملاً..
هكذا.. وبهذا الشوق المحموم قطع شاعرنا مرحلة عذابه وعذوبته دون أن يجف له قلم ودون أن يخف في دواخله ألم.. حنينه أمضى من أنينه.. وكلاهما صوت نماء.. وانتماء لا يخبو.. ولا يلوذ إلى صمت..

                 ***
* ( الأفق نافذتي) 212 صفحة / ط 1 أستراليا 2003

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق