الاثنين، 10 يناير 2011

الترجمة الفرنسية لقصيدة "القصيدة الأخيرة




جمال جلاصي :

 الترجمة الفرنسية لقصيدة "القصيدة الأخيرة" للشاعر  يحيى السماوي

النص العربي :
القصيدة الأخيرة

أريدُ ليْ عشرين يدا ً.. 
 وورقة ً باتساع ِ غابة ٍ اسـتوائـية  .. 
 وقـَلما ً بحجم ِ نخلة
مع بئر ٍ من حبر ٍ أسود  ..
فأنا أريدُ
 أن أكتبَ قصيدتي الأخيرة َ..
 عن فقراء يُزاحمون الكلاب َ
 على ما تجود به ِ
  براميل ُ نِفايات ِ المطاعم  ..
 عن أطفال ٍ استبدلوا آنية َ الشـَحاذة ِ
 بالدُمى   .. 
وصناديقَ صبغ ِ الأحذية ِ
بالدفاتر المدرسية ِ..
عن الأمهات اللواتي جفـَّتْ أثداؤهنَّ
فخلطن الحليبَ بالنشـَأ  ..
عن تجّار الحروب
الذين  يخلطون الطحينَ بنشارة ِ الخشب  ..
والتبغَ بروثِ البقر ِ..
عن الساسة الذين تخّشـَّبوا
لفرط تشبُّث ِ" عجيزاتهم " بكرسيِّ السلطة
متسببينَ
 في إصابة الوطن بالبواسير ..
عن القرويات يبحثن في الحقول عن الروثِ والبَعْـر ِ
للمواقد الطينية ِ
 في وطن ٍ يطفو فوق بحيرة  نفط ..
 عن الشعارات التي اتـَّـسختْ منها الجدران ..
 إليَّ .. إليَّ بأدوات الكتابة
 لأكتب قصيدتي الأخيرة َ
 فأقرأها  لا من على منبر في مسجد
أو مائدة في حانة ..
إنما
من على قمة جبل نفايات الحروب ..
 فأنا لا أمارسُ حريَّـتي إلآ على الورق ..
 ورجائي ـ لو متُّ :
 أن تتركوا عينيَّ مفتوحتين على اتساعهما ..
فأنا أريدُ أن أعرفَ
 أيهما أكثر ظلاما :
 قبري ؟
 أم
 الوطن ؟

    **
الترجمة إلى اللغة الفرنسية :




Le dernier poème

Yahia Assamawi
Trduction : jamel jlassi / Tunisie

           **


Je voudrais avoir vingt mains

ٍUne feuille aussi large q’un foret tropical

ٍEt un crayon aussi grand qu’un palmier 

Avec une puits d’encre noir 

Car je veux écrire mon dernier poème

Pour les pauvres qui se disputent contre les chiens

Afin de manger ce que contiennent les poubelles des restaurants

Pour des enfants troqué leurs poupées contre les assiettes des mendiants 

et les cahiers scolaires 

contre les caisses du cirage 

Pour des mères qui ont les seins taris

Elles ont, donc, mélangé le lait avec l’ammoniaque 

Pour les contrebandiers des guerres

qui mélangent la farine avec la sciure de bois

et le tabac avec le crottin des vaches

Pour les politiciens ankylosés à force de s’attacher aux chaises du pouvoir 

Qui ont causé l’hémorroïde à la patrie 

Pour les paysannes qui cherchent le crottin dans les 

champs

Pour les fours d’argile

dans une patrie flottante sur un lac de pétrole

Pour les écriteaux qui ont Sali les murs 

donnez moi les outils d’écriture

Pour écrire mon dernier poème

Pour le lire non pas sur le podium d’une mosquée

Ou une table dans un bar

Mais sur une montagne des rebus de la guerre

car je ne pratique ma liberté que sur le papier

Et mon souhait quand je mourrais 


De me laisser les yeux grandes ouverts

car je veux savoir

Lequel des deux et plus obscur :

Ma tombe ?

Ou la patrie ?





المرأة مابين نزار قباني ويحيى السماوي



  
المرأة مابين نزار قباني ويحيى السماوي \
 علوان حسين 

alwan_husanبنى الشاعر (نزار قباني) عمارته الشعرية على ثيمة الحب حتى تحول إلى أسطورة أو كاد بفعل إلتصاق أسمه وشعره بالمرأة التي جبلت قصيدته بماء أحاسيسها ومنحت قصيدته سرها العاطفي وبهرجتها بالحلي والجواهر الأنثوية حتى صارت هي والقصيدة وجهان للوحةٍ واحدة. من هنا نرى ما للمرأة فضل على شاعرها الذي لم يبخل عليها بكلماته التي وظفها لموضوعه الأثير (المرأة) حيث أصبحت مادته الوحيدة وشغله الشاغل بكل ما يتعلق بها من تفاصيل صغيرة وأكسسوارات ومنمنمات وكسر عواطف وأحداث ومشاهد رسمها في لوحة فسيفسائية كانت غاية في الإتقان والرهافة من حيث توزيع الألوان والظلال. أجيال متلاحقة نشأت على القصيدة النزارية التي تخاطب عواطفه بملامسة رقيقة تجلت في لغة جمعت وزاوجت مابين البساطة والبوح الشفيف المصاغ في زخرفة لغوية منتقاة بدقة ومستقاة من قاموس العشق الذي ورثه عن الشعراء الأسلاف مثل (عمر بن أبي ربيعة) و (أبن زيدون) والشعراء العذريين وغيرهم. يعتبر نزار قباني تلميذ نجيب لسعيد عقل ولعمر أبو ريشة وبشارة الخوري (الأخطل الصغير)، هذا إضافة إلى تأثره بالشعر الفرنسي في نماذجه الرومانتيكية المتمثلة في (لامارتين) و (فكتور هيجو) وغيرهم. عاش الشاعر نزار قباني طفولة ناعمة في كنف عائلة متحابة وميسورة الحال. وقد ترعرع في بيت دمشقي تظلله شجرة الياسمين وتتوسطه بحرة صغيرة هي عبارة عن حوض ماء تتوسطه نافورة على وفق الطراز الدمشقي العريق. من هنا جاءت لغته ناعمة مترفة ومفرداته أنيقة مقطوفة من واقعه المديني ومعبرة عنه كإنعكاس أبهى لصورة حياة تمتاز بالهدوء والدعة مع لمسة جمال أضافت لها بريقاً أخاذاً لعبت فيه المرأة دور الموسيقى باعثة الروح والإيقاع الهارموني لقصيدةٍ كانت مرآةً صادقةً لعصرها ومناخها الذي بدأ هادئاً وباذخاً ومر َّ كغيره من العصور في فترات قلق وتمزق وحروب وعواصف صبغت القصيدة النزارية بصبغتها هي الأخرى والذي تمثل في قصائده السياسية التي لها حالة خاصة تستحق الدراسة لوحدها. الأن لنرى كيف تعامل نزار قباني مع المرأة ثيمته الوحيدة والتي قضى عمره كله في التعبد في محرابها والصلاة إليها والتقرب لها عبر كلماته وقصائده التي أرادها تعاويذ وتمائم ورقى سحرية تمارس سطوتها وسحرها على تلك المعبودة التي تجسدت في شعره بشخصيات وأشكال متعددة ومتنوعة، فتارة يخاطبها (ماذا يهمكِ من أكون؟ حجر ٌ.. كتاب ٌ.. غيمة ٌ ماذا يهمكِ من أكون؟ خليكِ في وهمي الجميل.. فسوف يقتلك اليقينُ.. ماذا يهمكِ من أنا؟ مادمتُ أحرثُ كالحصان على السرير الواسع.. مادمتُ أزرعُ تحت جلدكِ ألف َ طفلٍ رائعِ) ومرةً يوبخها بكلمات في منتهى القسوة كقوله (لا تكوني عصبية.. لن تثيريني بتلك الكلمات البربرية.. ناقشيني بهدوءٍ وروية من بنا كان غبياً؟ ياغبية.. إنزعي عنكِ الثياب المسرحية وأجيبي من بنا كان الجبانا؟) لكنه حين يرق ويشف يُسمع امرأته أعذب الكلام كما في قوله (يتغيرُ - حين أُحُبكِ - شكل الكرة الأرضية  تتلاقى طُرُق العالم فوق يديكِ.. وفوق يديه يتغير ترتيب الأفلاك تتكاثر في البحر الأسماك ويسافر قمر ٌ في دورتي الدموية). قصائد نزار قباني كما هو واضح نتاج تجاربه معها حباً كانت تجاربه أم بغضاً كذلك هي صور عن هواجسه وثوراته ونزواته ونزقه في رقته وثورته وعنفه ولطف مزاجه وقت كتابة القصيدة. أجمل ما في نزار صدقه ووضوحه ودقة أفكاره في رسم حالاته الجوانية في تقلباته وأحواله التي تشبه حالة البحر في هدوئه وجماله الباذخ وقتها وفي عنفه وطيشه ونزقه لحظة يثور ويدمر كما يفعل الأطفال مع لعبهم. لكن المتأمل لشعر نزار قباني وعبر قراءة عميقة يستشف منها بأن نزاراً تعامل مع المرأة كموضوع أو كما يتعامل الرسام معها كموديل، دون الذهاب عميقاً في جوهر العلاقة الإنسانية في بعدها الميتافيزيقي أو لجهة سبر أغوارها حيث وقف عند التخوم ولم يكلف نفسه الغوص في الأعماق ليستخرج لنا تلك اللؤلؤة المكنونة المحاطة بالحجب والأسرار. ظلت قصيدته تحوم عند قشرة الأشياء ولم يمسك بالعصب الحي للتجربة، أعني بإنه لم ينغمس في نارها أو يلمس جمرتها كما فعل الشاعر (يحيى السماوي) مثلاً. امرأة القباني كما أسلفت القول موديل شعري، خاطبها الشاعر وقد تجسدت أمامه بحضورها الجسدي فراح يرسم كل التفاصيل الواضحة لأنوثتها بادئاً من شعرها وكحل عينيها وإستدارة عنقها مروراً بالنهد المنحوت تحت أصابعه حتى ثيابها وعطرها ومرآتها وأمشاطها وأثوابها الحريرية. لم يستطع بالرغم من حذقه وبراعته الشعرية من الدخول إلى مملكة الأنثى الجوانية بجانبها الروحي العميق أو لجهة هواجسها وأفكارها في أكثر المناطق عزلة وسرية. حتى قصيدته لم تذهب عميقاً في إتجاهها نحو المنحى الإنساني في جوهره العميق ككينونة وموقف في الحياة والموت ومعانيها الغزيرة.
في الجانب الآخر نرى المرأة في شعر وتجربة الشاعر (يحيى السماوي) وقد تجلت كأقنيم متعدد الوجوه، وهو وبالرغم من غنائيته الطاغية تراه يفكر في ثيمته (المرأة) ويراها كمخلوق شفاف أقرب إلى الحلم منه إلى الحضور المجسد في كتلة من لحم ودم وثياب. لقد طغت شهرة نزار قباني حتى كادت أن تحجب شموساً شعرية ظلت ترسل نورها قمرياً خافتاً بفعل الميديا من جهة وشيوع أغانيه عبر أصوات ذهبية صدحت بها بجمال وعذوبة كان للموسيقار الخالد (محمد عبد الوهاب) الفضل الأكبر في جعل القصيدة النزارية أليفة وقريبة من الإذهان وتضافرت جوقة من الأصوات المهمة كعبد الحليم حافظ ونجاة صغيرة وماجدة الرومي وكاظم الساهر وأصالة وغيرهم. يحيى السماوي، هو الآخر طل علينا وقد تشرب بالتراث الشعري العربي القديم، مسلحاً بلغة ثرة وإيقاعات موسيقية جاهزة وبثروة من المفردات ينهل منها ما يشاء له الخيال ليبني عمارته الشعرية مازجاً ما بين إيقاعات الخليلي وموظفاً لها تارةً وتارة نراه وقد تمرد ونفض عنه ثوب البلاغة القديم ليطل عبر قصيدة حديثة لغةً وبناء. امرأة السماوي كائن أسمى. هو وحين يتعرض للعلاقة معها تتشابك الجوانب الروحية والجسدية في صراع يتخذ طابعاً درامياً يعبر عن تمزق الذات الإنسانية وألمها العميق في مشاركة داخلية تنبع من الإعماق وتصب في الجوهر حيث التجربة في معانيها الوجودية التي تستمد من المعاناة والألم والتفكير في الحب والإحتراق في ناره لتأتي القصيدة كإبتهال روحي وصلاة ربانية تمس شغاف المعاني (الماءُ أودعها سريرتهُ.. وأودعتِ الطفولة جيدها  عقد البراءة.. والأمومة؟ أودعتها رقة القلب الجليل.. والروض أودع ثغرها وهج القرنفل في الأصيل.. والليل؟ أودع شامتها جفن َ مُقلتهِ الكحيل.. وأنا؟ أنا أودعتُ كوثر َ نهرها  جثمان بستاني القتيل) الحب عند يحيى السماوي ليس مادةً بل جوهر، والمرأة ليست موضوعاً لقصيدة إنما هي النار كما عند المجوس، نتطهر بها وتدفعنا للتأمل. هي نفسها النار التي تسري في غابة النفس النائمة وأصل العذاب البشري وعذوبته في آن. صحيح أن امرأة السماوي ليست أثيرية ولم تكون، فهي امرأة من لحم ودم أيضاً لكنها ليست جسداً محضاً، والعلاقة معها أو التعامل والنظر لها لا يكون حسياً محضاً كما عند نزار قباني، فهي بحضورها الطيفي وجسدها الذي هو صنو الطبيعة بما هي باعثة للتأمل والتفكير والحب المحض. امرأة السماوي أقرب للإقونة أو الرمز والمثال حتى في حال تجسدها كحبيبة مشتهاة.. (لا تجزعي.. لو أنني جزتُ المفاوز َ واحتبستكِ تحت خيمة أضلعي.. وغسلتُ بالقبلات نخلكِ والتراب َ بأدمعي.. قد ضاقت الأرضُ الفسيحةُ بي فجئتكِ هارباً مني إليكِ فأوسعي).
في العودة لقراءة تجربة كل من الشاعرين نزار قباني ويحيى السماوي، قراءة منصفة وواعية يجد بأن الأخير هو من تعامل مع المرأة وتناولها كمضمون وفكرة وكإنسانة ملهمة مانحة الحب والبهجة والأمل والجمال وكقيمة إنسانية متسامية في وجودها وكرمز للخصب والخير والأمومة والعطاء، يبدو لي بأن السماوي كان أكثر قرباً ودفئاً منها، وأكثر تمثلاً لمكنونانتها وبالطبع الأكثر شغفاً وولها بها والأصدق تعبيراً عن العاطفة البشرية في محتواها العميق الذاهب نحو الجوهر.. من هنا أقول بأن الشاعر يحيى السماوي هو شاعر المرأة بحق وليس نزار قباني.
شاعر من العراق
                

السبت، 8 يناير 2011

السماوي الملتزم المنتمي


سردار محمد سعيد 



توطئة:
sardar_mohamadالقانت هوالمطيع والمحب الثابت على حبه والعذراء التي لم تـُلمس، ويقال في الخدود (عذراء لم تلمس)، ويقال في النساء اللواتي لم ينكحن (عذراء لم تفض بعد)، ويقال في الخمرة الصرف (عذراء لم تشج).
فمن هي المطيعة أو الساجدة العذراء في قصيدة يحيى السماوي الشاعر الكبيرالمعنونة (مسبحة للتي ليست تسمـّى -ج 2)؟
فإذا كانت القانتة العذراء هذه إنسية، فذلك يعني ان تأثيرات الصبا المخزونة عنده طفحت، ولذلك فهو اليوم واحد آخر غير يحيى الذي عهدناه الفتى الشاعر الملتزم، وذلك يبدو من القراءة السطحية للقصيدة من خلال البيت:
فأنا أصبحت غيري.

وللصبا على نفس الفتى العاشق أوامر، لا يستطيع الإنفكاك منها إلا بالصبر والجلد الذي روض النفس عليه فهل غـُلب هذه المرة؟
ومنْ هذه التي شغفته حبا، وملكت فؤاده، حتى أن:
سفنه لاتبحر إلآ نحو شواطئها
وطيوره لا ترى إلآ ناهديها
ولا يرغب إلآ بتقبيل شفتيها.

لنلاحظ استعمال أدوات الإستثاء مثل (إلآ) وكذلك (غير) في قوله:
ويدي تصفعني لو مسدت
غير يديك.

على وفق المنظور الديني هناك مريم العذراء عليها السلام كانت قانتة وعذراء وهي ربما وحيدة الخلق التي تتصف بالميزتين معا. لكن لفظة (قانتتي) لم تستعمل أبدا على ما أعرف، فلماذا بدأ يحيى بهذا التعبير في أول القصيدة؟ أرى انه يحسن الإبتداءات، وبخبرته وحرفيـّته أراد أن يسحبنا سحبا، ويجرنا جرا ثم يلقي بنا في خضم عباراته وعباب بحره. يبدوان العودة من القوة بحيث سلبت منه الكثير أوسلبته منا الينابيع الأرطاب الأطياب الأحباب الأصحاب وأرى أنه لم يبق سوى غلق الأبواب، وأمرنا لله الواحد الوهاب.
لكن يحيى الذي قهر ذاته مرارا وصان نفسه عن الهوى هل يعقل أن عذراء إنسية تنسيه كل شيء ويتخاذل وينكص؟
يأتينا الجواب سريعا:
عطشي يسموعلى كأسي
وجوعي من رغيف اللذة السوداء
أسمى.
بل يؤكد التزامه وانتماءه فيقول:
وحينا أسأل الصفح
عن الأمس الذي عاقرت إثما.

وما أعلمه عن يحيى الشاعر الكبير أنه حي القلب، تحركه التقوى، ويميل عن الذنوب ميلا عظيما، وهذا يذكرني بالقول:
إذا مضت الأوقات من غير طاعة
ولم تك محزونا فذا أعظم الخطب
علامة موت القلب أن لا ترى به 
حراكا إلى تقوى وميلا عن الذنب.

لاشك ان يحيى في النصف الأول من الجزء الثاني من القصيدة اتخذ أسلوبا يفتن به العشاق والمتولهين المستهامين، وهذا أمر عادي لمن يرفل بالشباب وعادي لمن يجيد اختيار المفردات والعبارات التي تثير فيهم المشاعر، ولكن الأمر غير العادي هوأسلوبه في افتنان المسنين ومن فاتهم قطار الشباب ممن يتوق إلى ماض رحل، ثم لا يسكب البرد على قلوبنا نحن الذين استلبنا حتى نهاية القصيدة فيعلمنا أن العذراء القانتة ما هي إلآ الأرض التي طغت الظلمة عليها وشح المطر فيها فيتفاءل بأن:
يحبل الغيم
وتخضر البساتين
وتنهال على الظلمة
مشكاة الضياء.

ومهما غلقت الأبواب ولم تقل (هيت لكم) فإن الندم الصوفي لن يشقينا مادامت الأرض بكرا عذراء (معصومة النهدين).
هذا قدرك وقدرنا.

قد ّر الله أن نولد على هذه الأرض العذراء وربما نموت في أرض ثيب.
وأخيرا وليس آخرا أستعير فيك قول القائل:
لله د َرك ما أحفل درك وأبهج في أسلاك المعاني د ُرك.
..........................

  

قراءة لقصيدة


قراءة لقصيدة ( مسبحة للتي ليست تسمّى ليحيى السماوي ..)








أذا كان لقيس ليلاه ولجميلة بثينة ولآرغون ألساه فليحيى السماوي ملهمته التي تكتب قصيدتها بعذوبة ومن خلال شاعرها الشغوف بأنوثة تظل تحتفظ بطفولتها وفتنتها مانحة لمخيلة طفلها دهشة دائمة وقلقا ً خلاقا ً فجر ينبوعا من أبيات تتلاحق متدفقة نكاد نلمس نبض دمه مع خرير الماء وصوت تدفق العاطفة بهديرها الليلي الذي يشبه هسيس غابة نائمة في جسد يتعرى تحت ضوء القمر . لا تدري أين تنام العصافير وكيف تمارس الأشجار الحب ومتى يخفق قلب عصفور يحلم بأنثاه وهل القمر نهد مزق عري الليل وهاج ثائرا ً على هدوء الضوء وبلادة البياض ومشتعلا ً بلون الرغبة البرتقالي فاضحا ً أسرار الطبيعة وهاتكا ً عذرية سماء تخفي خلف شفافيتها شراسة أنثى متقلبة الهوى , طائشة مراهقة وسماوية المزاج وليس ثمة من يفض عذرية لونها الفيروزي ولازورد صمتها الغامض ؟ امرأة السماوي كما تجلت من خلال صور القصيدة وجرسها الموسيقي المنساب كتدفق النهر تارة وتارة كماء متساقط من شلال , امرأة مندغمة بالقصيدة التي صارت بين يدي الشاعر أنثى متشكلة من ألوان تتدرج كألوان لوحة ترسمها الطبيعة على وفق مزاج المطر والنهر والشمس والتراب . لوحة أجمل مافيها أشكالها المتعددة وألوانها التي تأخذ من الماء طراوتها ومن النار وهجها ودفء معانيها وشبق عاطفة تكاد تعصف بقارئها وتلفحه بجمر مبعثه لا ندري من القصيدة أو تلك المرأة التي تطل صورتها مجلببة بغموض منحها سحرا ً وأضفى عليها هالة ً صوفية ً حتى كادت أن تكون طلسما ً أو هي أقرب للخرافة منها إلى الأنثى التي يصدعنا جمالها الذي أتخذ هيئة جسد له قوام وشكل . هي امرأة مصنوعة من لهاث ودموع وزفرات وتنهدات قلب شاعر عاشق , لذلك هي أقرب من الهيولى منها لقديسة أو آلهة . يحفظ الشاعر حبه عاطفة مدفونة في الأعماق تحت تراب أرض تمر عليها تحولات الزمن ومن ثم نراه يستعيد هذا الحب ككنز وأثر يستخرجه من رماد الذكريات فأذا به يشع كجوهرة نادرة , هذا الأثر الثمين قد يضيع لولا القلب الحارس للعاطفة , ولولا جذوة الشعر المتقدة التي يمسك بها الشاعر جمرة ً يقلبها بين يديه كما يقلب أيامه في كتاب . كم من وقت يحتاج الشاعر لتنضج القصيدة ومن ثم لتتكور بين يديه وتطلع ساخنة وشهية كرغيف .. وكم من التجارب والحيوات والكبوات يحتاج ليمنحنا لؤلؤة كالتي جادت بها مخيلة السماوي والفضل للشعر وللمرأة فخلف كل قصيدة جميلة ثمة امرأة باهرة الجمال .


شاعر من العراق   
علوان حسين

الجمعة، 7 يناير 2011

مسبحة للتي ليست تسمى ج3






                

          مسبحة للتي ليست تسمى ج3

                 
      يحيى السماوي



        (13)

شـجّ جـدارُ الـقـلـق ِ الـوحْـشِـيِّ رأسـي ..
سـالَ خـيْـط ٌ مـن دم ٍ
عـلى رصـيْـف ِ الـوقـتِ بـيـن آخـر ِ الـلـيـل ِ
وبـيـن الـصُّـبْـحْ

فأدْخَـلـونـي غـرفـة ً بـيـضـاءَ مـثـلَ الـمِـلـح ِ
أو مـثـلَ ضَـمـاد ِ الـجُّـرح ِ
أو مـثـلَ نـديـفِ الـثـلج ِ فـي الـغـربَـة ِ
أو مـثـلَ أداة ِ الـذّبْـحْ ..

وكـنـتُ أرجـو أن أرى شـرشـفـهـا
يُـشـبـهُ فـي بـيـاضِـهِ
فـسـتـان َ عُـرس ِ غـادتـي الـزهـراء ِ
أو
يُـشـبـهُ زهـرَ الآس ِ  في لـيـلـة ِ
عِـيْـد ِ الـفـصْـحْ !
.............
.................
.....................

أجْـلـسَـتـنـي امـرأة ٌ تـعْـتـمِـرُ الـقُـبّـعَـة َ الـبـيـضاءَ
فـوق مـقـعـد ٍ شِــبـه ِ وثـيـر ٍ
سـألـتـنـي بـعـدمـا قاســتْ لـيَ الـضّـغـط َ ..
ونـبْـضـي ..
ورأتْ إشـارة َ الـمِـحْـرار ِ :
كـمْ عُـمْـرُكَ " يـايـا " ؟ *
فـأجَـبْـتُ :

أنا يـاسـيّـدتي مـا زلـتُ
فـي  رَحْـم ِ "  الـتي لـيْـسَـتْ  تُـسَـمّـى " :
نُـطْـفـة ً تـأمَـلُ أنْ  يُحـضـنـهـا  صـدرٌ وبَـَيـتُ ..


أتُـرانـي
دون َ أنْ أدري :
 اكتسـى عـظـمـيَ لـحْـمـا ً
فـوُلِـدتُ ؟

أتـرى أنَ الـدمَ الـنـازف مـن رأسـي
بـقـايـا  مـن دم الـطّـلـق ِ
ولـكـنـي جَـهـلـتُ ؟

إنـنـي أعـرفُ نـفـسـي : لـمْ أعِـشْ  بـعـدُ ..
فـهـل يُـمْـكِـنُ أنْ يـحْـدثُ قـبـلَ الـعـيْـش ِ
مـوْتُ ؟
.....
.......
فـغَـرَتْ فـاهـا ً وعـيـنـيـن ِ ..
وزمّـتْ شـفـتـيْـهـا ..
نـظـرَتْ لـيْ بـذهـول ٍ
حـدّثـتْ صـاحِـبَـهـا بـالإنـكـلـيـزيّـة ِ
لـكـنـي فـهِـمْـتُ ..

أتُـراهـا  حَـسِـبَـتـنـي
لا أعـيْ قـولـي
وأنّ الـبُـعـدَ  عـن كـعْـبـة ِ " صـوفـائـيـل َ "
أضـنـى مـا تـبـقّـى مـنْ لُـبـابـي
فـجُـنِـنـتُ ؟

فـأنـا إنْ لـمْ أكـنْ عـاشِـقـهـا الـمــجـنـونَ ..
والـمُـبْـحِـرَ حـتـى غَـرَقـي عِـشـقـا ً
لـمـاذا قـدْ خُـلِـقـتُ ؟


ســألــتـنـي مـرة ً أخـرى بـريـب ٍ :
كـمْ مـضـى " يـايـا " عـلى حـالـكَ ؟
قـلـتُ :

لـسْـتُ أدري ..
ربّـمـا مـرَّ عـلـى الـحـالـة ِ كـأسـان ِ مـن الـدّمـع ِ
وحَـبْـلٌ ـ  طـولُـهُ الـلـيـلُ ـ مـن الآهـات ِ
أو مـرَّ عـلـيـه ِ الـغـدُ ..
لا أعرف بـالـضّـبـط ِ ..
الـذي يـعـرفُه  قـانِـتـتـي الـزهـراءُ ..
لـو أعـرفُ قـلـتُ ...

حَـسَـنـا ً ـ قـالـتْ ـ بـرفـق ٍ  :
مُـدّ  لـيْ سـاعـدَكَ الأيـمـن َ " يـايـا " ...
فـمَـدَدْتُ ..

زرَقـتْـنـي ...
لـحـظـة ٌ مـرّتْ ..
وأخـرى ...
غـامَـتِ الـغـرفـة ُ ..
غـامَ الأبـيـضُ الـنـاصِـعُ ..
غـامـتْ حـدقـاتـي ...
وغـفـوتُ !

زارَنـي في الـطّـيـف ِ " صـوفـائـيـلُ "
غـطّـانـي بـورد ٍ ..
رشّ   جُـرحي بـزفـيـر ٍ
فـيـهِ  نـفـحُ الـفـلِّ ..
والـرّيـحـان ِ ..
والـنـعـنـاع ِ ..
دفءُ الـخـبـز ِ ..
طـعْـمُ الـقـبـلـة ِ الأولـى الـتـي كـانـتْ
وكـنـتُ

نـتـسـاقـاهـا  إذا  ثـرثـرَ  عِـطـرُ الـلـيـلِ
واسْـتـفـحَـلَ صَـمْـتُ !

           
______________________________________      
*  بسبب صعوبة نطق حرف الحاء بالنسبة للناطقين بالإنكليزية فإن زملائي وأصدقائي  الأستراليين في اتحاد الشعر وفي رابطة قلم ينادونني " يايا "  ، وهو نفس الإسم الذي خاطبتني به الطبيبة والممرضة .





   (14)

                                


يـا الـتـي تـخـتـزلُ الأشـيـاءَ ..
والأسـمـاءَ ..
حـتـى أصـبـحـتْ إسْـمـا ً لِـمـا
لـيْـس يُــسَـمّـى ..

يـا تُـرابـا ً ..
وسَـمـاءً ..
و نـخـيـلا ً ..
وفـراتـيـن ِ ..
ولـيـلايَ ..
ونـجـوايَ ..
ويـا حَـزمـا ً ..
وعَـزمـا  :

نِـعَـمُ الـلّـه ِ كـثـيـراتٌ ..
وبـعـضُ الـوَجَـع ِ الـقـاتِـل ِ  نُـعْـمى

حَـبّـةُ الـقـمح ِ إذا لم تـنـفـلـقْ
داخـلَ طيـنِ  الـحَـقـل ِ
لـن تصبحَ  لـلـبـيـدر رَحْـمـا

ورغـيـفُ الخـبـز لـولا الـنـارُ
مـا اسْـتُـعْـذِب طـعْـمــا

فـأذيـبـيـنـي كـمـا شِـئــتِ
فـإنّ الـذّهَــبَ الإبـريـز لـولا الـجَّـمْـرُ *
مـا كـان الأتـمّـا




وأنـا لـولا ذنـوبُ الأمْـسِ
مـا جـئـتُ إلى  واحـاتِـك ِ الـزهـراء ِ
تـوّابـا ً مـن الـشّـوك ِ
وأسْــتـسْـقـي  هَـديـلا ً يوقِـظُ الــنّـايَ الأصَـمّـا


ولـمـا  أصْـبَـحْـتُ فـي مِـحْـرابِـك ِ :
الـنّـاطـورَ ..
والـسّـادِن َ ..
والـنـاهِـلَ مـن يـنـبـوعِـك ِ الـضّـوئـيّ حِـلـمـا


فـأمِـيـتـيـنـي شـهـيـدا ً..
وابـعـثـيـنـي مـن جـديـد ٍ :
نـاسِـكَ الـقـلـب ِ ..
شــفـيــفـا ً ..
طـاهِــرَ الأردان ِ أحـلامـا ً
وهَـمّـا ..

صَـيّـريـنـي عـبـدَ عـيـنـيـك ِ
لأغـدو
لـعـيـون ِ الـحُـلـم ِ حُـلـمـا


وانـفـضـي عـن شـجَـري :
الـذابـلَ  والـيـابـسَ ..
والـغـصـنَ  الـذي يـجـلـدُ عـصـفـورا ً ..
خـذيـنـي لِـلـمُحِـبـيـن ظِـلالا ً
وعـلى مُـسْـتـذئِـبٍ  قـوسـا ً وسَـهْـمـا


وطّـنـيـنـي الـنـهــرَ ..
والــبُــسـتـان َ ..
بـيـتَ الـطـيـن ِ
لا بَـدرا ً ونـجْـمـا

فـأ نـا قـبـلـك ِ يـا مُلـهِـمـتـي كـنـتُ بَـلـيـدا ً ..
أنـبـذُ الــشّـهْــدَ ..
وأحْـسـو  فـي كـؤوس الـعِـشـقِ
سَــمّـا !


     

_________________________________ 
* الإبريز : الذهب الصافي / معربة عن اليونانية والفارسية .