الأحد، 27 فبراير 2011

المتمردون يحيى السماوي (2) / سـردار محمد سعيد


المتمردون يحيى السماوي (2)/ سردار محمد سعيد
سردار محمد سعيد   
sardar_mohamadتوطئة: لايمكن الإستغناء عن دراسة طفولة يحيى السماوي في تكوينه الشخصي والشعري، وفي مراهقة يحيى التي يفصح عنها في بعض قصائده هي مراهقة اعتيادية كما عند غيره تبدا بحب إبنة الجيران بعد تملصه من العقدة الأوديبية، وربما يختلس قبلة أو يحاول، لكن العرف الإجتماعي والتقاليد ومراقبة الأبوين الصارمة لا تسمح بالمزيد ويبدو ان الأم لم تكتف بتوبيخه أو تخويفه عندما يرتكب معصية، بل هي تعلمه كيف يفترض أن يكون عليه المجتمع فهو يقول عنها:
أذكر أن أمي حدثتني عن بيوت بلا أبواب
إن الحديث عن العفة والشرف له مجالات وشعب مختلفة، وليس هو الحديث عن الجنس، بل الحديث عن أنواع أخرى من الفضائل التي يتحلى بها المجتمع مهما كان بعيدا عن تقنيات الحضارة واستعمالاتها.
لكن مراهقة يحيى بسبب من التقاليد الصارمة والبيئة لا يمكن أن تحرق المرحلة العمرية التي يجب أن يمر بها، فإذا كانت الأنثى الحقيقية محرمة عليه، وممنوعة عنه، فلا بد أن يجد البديل، البديل الرقيق الناعم الهادىء، البديل الذي يستطيع أن يسامره، ويناجيه، ويبثه حزنه وافراحه دون اعتراض لا منه، ولامن مجتمع، فوجد ذلك واكتشفه، إنه الحمام، الذي أضاف له شاعرية، ولم يبخل عليه بالسماع، ولن يقول له لا ولو أشبعه قبلات، ولن يقول له لا لو تلمسه برفق، وفضلا عن ذلك كله فهو يغنيه ويبثه لواعجه وشجنه، فيشتركان في الألم اللذيذ، وهذا أثـّر في يحيى تأثيرا بليغا، فذكر الحمامة والفاختة حينه، توحي لرجولته المبكرة انه البطل الجسور الذي تعلق به أكثر من واحدة.
إن طفولة يحيى لم تكن سعيدة، هو مثل بقية الأطفال في بلدته ووطنه، لا يحصل من السلطة على حقوق الطفولة، ولهذا فهو موجـَع، وهذا الوجع والأسى سيبقى ملازما له، لأنه سيظل فاقدا لحقوقه شابا ورجلا وكهلا، على الرغم من تغير السلطة التي كان يؤمل أن تكون على وفق ما تخيله وسنراه محبطا تجاهها، وتجاه الذين نكصوا ولم يحققوا أو ينفذوا ما كانوا ينادون به، وهو شاركهم مضحيا حتى بالنفس.لذا يقول:
أنا سادن الوجع الجليل خبرته طفلا وها قاربت يوم ذهابي
كذلك يقول في قصيدة ياهند:
يا هند منذ طفولتي وأنا راع خرافي الشوق والوجد.
ويؤكد وجع الطفولة في قصيدة مهاتفة من إمراة مجهولة يقول:
ماذا سأخسر قد أضعت غدي ومشت بي الأحزان من صغري.
في قصيدة أخرى يؤكد على الطفولة بصورة غير مباشرة في قصيدة شبيه الياسمين فيقول:
وتفطمني من الأحزان اني رضعت الدمع لا الماء القراحا.
والماء القراح استعارة ليس للبن الأم لأن المخاطب هو الوطن أو انثى، وهذا الماء القراح – اللبن - يرضع الحزن ولا بد له من الفطام، وفي أية حال فهذا يفصح عن طفولة غير سعيدة
وفي قصيدة هل هذه بغداد:
يا من أضعت طفولة وفتوة ماذا ستخسر لو أضعت الباقي.
هنا يقول انه أضاع الطفولة، وهذا تصريح خطير، لا سيما وانه يأتي في سياق شرح مراحله العمرية المختلفة، ويقول:
أو لست من صام الشباب مكابرا عن ماء أعناب وخبز عناق.
ولي وقفة مع هذا البيت إذ يمثل مرحلة الشباب التي تمرد فيها يحيى على نفسه المكابرة، فأورد لفظة صام بمعنى:انه حيال المعاصي هو كالصائم، لأنها موجودة، فمن رام تجنب ومن رام اتخذ سبيله اليها، لكنه صام، وهي من المحرمات عنده، تتمثل في الخمرة معبرا عنها بماء العنب، (لكنه مارس شرب الخمرة لحين وهو يفصح عن ذلك ويسمية باللفظة العامية القزلقط)، والجنس معبرا عنه بالخبز، وهو حقا كالخبز، لأن اشباع غريزه الجوع تكون بالخبز، واشباع غريزة الجنس تكون بالعناق، وهو استعارة داخل استعارة وتمثل الفعل الجنسي، أو ممارسته، وفي مجمل هذا البيت أرى انه من عيون الشعر العربي في استعاراته، فقد استعار فيه ثلاث إستعارات، الثالثة تضم استعارتين ممتزجتين بصيغة فنية عجيبة، وهي عبارة خبز العناق.
 إن العناق تعبير عن بدء الإتصال الجنسي، والخبز رمز تاريخي للجياع عامة، في شتى أنواع الجوع، والخلاصة ان يحيى متمرد هنا متمرد على الذات متمرد على الغرائز لذلك جاءت لفظة صام،ولا بد لي أن أذكر ان الخبز والخمر أو النبيذ متلازمان كرمز تاريخي ديني يمثلان الإشباع من الجوع والعطش، فسخرهما يحيى بشكل جديد ليمثلا معا اشباع الجوع الجنسي لذا فهذا البيت دسم وكثيف جدا معنى وسبكا، فقد ورد في الكتاب المقدس في سفر التثنية اصحاح 29 عبارة – لم تأكلوا خبزا ولم تشربوا خمرا – وفي سفر القضاة اصحاح 19 مانصه – وأيضا خبز وخمر لي ولأمتك -.
ان تأثير البيئة على طفولته تتوضح في تصريحات أخرى من قصائده، وكما أسلفت التاثير الذي اشترك فيه الأم والأب، فيقول في احدى رباعياته:
قد أورثتني عفة بهوى أمي وأورثني الوفاء أبي.
لا يعني معنى التوريث هنا انها انتقلت اليه بوساطة ال – دي ان أي – بل بمعنى التربية التي وطناها فيه.
ليس غريبا أن يتربى يحيى في مؤسسة بيتية هي أقرب للأمية منها للأكاديمية، وتكون هذه المؤسسة المجتمعية ناجحة، ففي عالم اليوم هناك مؤسسات رسمية وأكاديمية تعنى بهذا الجانب من حياة الفرد بإعتمادها أساليب أكثر شفافية غيرتقليدية، لكن النمط التقليدي الذي يستعمل العصا والضرب في أحد وسائله كان فالحا في الوصول إلى نتائج مبهرة، وأعتقد ان خيمة الدين التي قننت العرف والتقاليد كانت المؤثر البليغ في شخص يحيى، ويصف يحيى انه في بعض ما كتب كان ثرثرة مراهق لم يكن قد تذوق طعم القبلة بعد، فإذا به يزعم انه زير نساء، وكان حتى هذا الزعم غير مقبول ويتنافى مع قيم المنظومة التي يراد ليحيى التربي عليها، فجاء دور الخال هذه المرة الذي سمع الزعم فاشبع يحيى رفسا – راجع الحوار بين وفاء عبد العزيز والسماوي بسؤالها حول الإيروتيكية – بمعنى ان الزعم فقط غير مرغوب به، وهذا يعني صرامة البيئة التي تربي المراهق والتي تؤسس الشخصية المستقبلية، لكن دور الأم والأب يبقى معه حتى بعد رحيلهم، فذكراهم لا تنقطع عن مخيلته، ولربما يتصور نفسه الطفل الصغير الذي يلوذ بأحضان أمه، ويبكي على كتفي أبيه فتيا، فيقول: في رد على سؤال هيام الفرفيشي – الأطفال حين يبكون من هلع ورعب، فإنهم لا يجدون حصنا أكثر مناعة من حضن أمهاتهم، اما الفتية فإنهم يجدون الأمان حين يتكئون على أكتاف آبائهم – اذن بإستلال هذا الجزء من الجواب عامة نستطيع فهم ان الأم حصن منيع مع علمه جيدا انها كانت تريد إطعامه للسعلاة، اما الأب فعنده الأمان وهو المتذكر كرّ الصفعات التي نالها منه. ويعبرهذا المقطع عن الشعور المدفون في الدواخل والتي تطفح لا شعوريا في لحظة مناسبة

السبت، 26 فبراير 2011

قال الشاعر قالت العاصفة



قال الشاعر قالت العاصفة .. كلام على قصيدة السماوي الكبير / علوان حسين
علوان حسين    

alwan_husanالسماوي يحيى الشاعر النبيل وصاحب الكلمة الأمضى، تظل مضيئا ً سماء الحرف بقصائد فيها قبس من الجواهري العظيم الذي أسلمك الراية ونام قرير العين . أكاد أراه يرقص مبتهجا للبراكين
 وهي تنطلق في الشوارع تواكبها قصائد تلمع كالنيازك وحروف تطير حمامات بيض في سماء مهجورة . وكأني بك تسكب الماء في نهر يابس فيفيض شعرا ً يُنعش ُ أرواح الموتى ويعمد ُ أجساد الشهداء بدمع القصيدة . آه ما أجملها تتأوه بين يديك كالصبية المستثارة بهوى طائش تلك القصيدة التي خرجت كالعروس ترتدي ثوبا ً من القرنفل أحمر . ما أبهى الشعر حين يهيج كالطوفان يقتلع وسخ الأرض . ينبع كنهر القلب من أرض الدمع ويتسلق أرض النوم فيوقظ أحلاما ً كانت هاجعة وأفكارا ً كان قد خبأها التراب ُ. أكاد أرى اللغة تقدح من بين يديك وفي كل حرف ٍ ينبت مخلب ٌ أو ناب . أصغي للجنون وهو يهدر ُ في حنجرة العصفور . لليمامة تنقض ُ على الصقر، وللشهيد يوّرث ُ حكمته ُ كالسر في الهواء المشاع الذي بات ينتقل كأغنية ٍ من بيت ٍ لبيت ومن شارع ٍ لحديقة تطل على السماء . أرى الأطفال وهم يختطفون الأغنية ككرة يتقاذفونها في ملاعب الطفولة التي تحولت إلى ساحات للثورة حيث الوردة المتسلحة بالندى والغابة بالزهرة والشعراء بالحرية .يسقط شعراء الغناء وتبقى الأغنية التي يكتبها الشهداء بدم الزهور لينقذوا براءة الزهرة وشرف التراب ونقاوة الماء وعاطفة الشجر وكرامة الإنسان من التوحش والتصحر والتماسيح وإنحلال اللغة وسقوط الخطابات وركة الحكومة وركاكة الأحزاب وفشل البلاغة وتهافت الوعاظ لينتصر المعنى على البلاغة والدم ُ على السيف والبداهة ُ على الجمال الذي بلا خيال ٍ أو معنى . قصيدتك تـُعيد ُ لي الثقة بالشعر كجوهر يُصعب ُ القبض َ عليه إلا بالكدح والإمساك بالنار في هبوبها وهي تنطلق من الإعماق لتلامس الأفئدة . محبة بكبر بلاد نحمل لها العاطفة وهي ترتدي العاصفة .
شاعر من العراق

الخميس، 24 فبراير 2011

" النقمة المقدّسة "


" النقمة المقدّسة "
تأملات في نصوص مجموعة " ...." لحميد الحريزي
----------------------------------------------------

                ( يحيى السماوي )














( .. أنا شاهد عليها
تحت ظلال رماح القصب الصفراء
ضفادع لها فحيح، تزدرد الأفاعي
أنا شاهد عليها
خراف عمياء تحرس الراعي – قصيدة " مشاهدات مجنون من عصر العولمة " )
... و " النقمة المقدسة " هي السمة المركزية الغالبة على مجموعة " حميد الحريزي " . تتجلى هذه السمة صارخة عارمة ليس من أول قصيدة في المجموعة حسب ، بل من أول مقطع في هذه القصيدة والذي استشهدت به الآن . نقمة كاسحة تعبر عن غليان انفعالي هادر يكتسح كل شيء .. الناس بانمساخها السلوكي .. والحياة بتقلباتها الجذرية المنافقة .. والقيم والعلاقات بانسفاح معانيها الأصيلة .. والموجودات طرا بانحطاطها الوجودي :
أنا شاهد عليها
تحت ظلال رماح القصب الصفراء
ضفادع لها فحيح، تزدرد الأفاعي
أنا شاهد عليها
خراف عمياء تحرس الراعي – القصيدة نفسها ) .
.. وحميد حين يربط هذا التدهور البشري والحياتي المرعب بالعولمة فهو يعبر عن وعي دقيق بما أحدثته هذه الثورة الماحقة في عالم اليوم من تفجرات جاء أغلبها سلبيا رغم المنافع العظيمة التي لا تُنكر .. يعبر عن وعيه الدقيق هذا من خلال رفع سبابة الإتهام بوجه مجتمع أساء ، بكل جهاته المرجعية ،  فهم طبيعة هذا المد التغييري الذي لا يُقاوم في مجال العلاقات والهوية وتماسك الوجود :
( في قاعات الدرس
يعلمنا فن الخطابة اخرس
ومتسول أعمى
يعلمنا فن ادخار الفلس
وشيخ الحي
يُعلمنا فنون المنكر والرجس – القصيدة نفسها ) .
.. وحين يضع حميد عنوانا مفارقا لقصيدته هذه هو ( مشاهدات مجنون في عصر العولمة ) فإنه يعبر عن هذا التناقض الشامل الذي يسم حياتنا .. تناقض يكاد يودي بما تبقى لدينا من ذخيرة بصيرة نحاكم بها المتغيرات والتحولات إن لم يكن قد أودى بها حقا .. تناقض مربك لا ينفع معه تقييم يأتي من " منطق " وهو يغطس في لجة اللامنطق حتى أذنيه .. أو من عقل وهو يعيش زمن " اللاعقل ".. وهذا التناقض يسم قصائد المجموعة كلها ، بدءا من القصيدة الأولى " مشاهدات مجنون من عصر العولمة " التي استشهدت بمقطعها الاستهلالي ، وانتهاء بالمقطع الختامي من القصيدة الأخيرة " كلاب الروح " :
( تَعَوَدْ
عواءَ  كلابِ
الروح
أو اسكُبْ الدمعَ
لتروي
براعم
الزهور
أو فتش لك  عن  مأوى
بين
ملايين
القبور )
وحين يفتتح حميد مجموعته بجملة " أنا شاهد عليها " فلإنه يمسك بالحقيقة المؤصلة التي يحاول السياسيون العولميون تغييبها ، بل محوها ، وهي أن الشاهد الحق على خراب هذا العصر هو الإنسان الذي يحاول الإمساك بشعلة الشعر .  فهو الجسور الذي يرى عمق الأشياء .. وهو الرائي الذي يستشرف الخراب المقبل .. ولنقل – بلغة حميد – إنه " المجنون " الذي يستطيع محاكمة لاعقل دوامة الانحطاط  والتمزق :
( أنا شاهد عليها
تحت ظلال رماح القصب الصفراء
ضفادع لها فحيح، تزدرد الأفاعي
أنا شاهد عليها
خراف عمياء تحرس الراعي – قصيدة " مشاهدات مجنون في عصر العولمة ) .
وبالمناسبة فإن موقف " الشاهد على عصر " الدمار والمفارقات الوجودية الكاريكاتورية يستمر في أغلب نصوص المجموعة في صورة إعلان شهادة مباشر كما بيّنا ، أو في صورة نقل صورة مدمرة وأمينة لكنها مفزعة لهذا التدهور العجيب الصادم :
( تعالوا هلموا سراعاً
لأخبركم بالنبأ الخطير
لقد تُوّجَ الثورُ أميراً
وصار الحمارُ وزيراً
تعالوا
نزفَ التهاني
وأطيب الأماني
لكلِ أصحابِ الذيول
للكلابِ والقرودِ والعجول
بأمر من فخامةِ الأمير
بأمر العجل الكبير:-
 الكلُ على الأربع يسير
يغطي أستَهُ بذيلٍ جميلٍ
يزيد إذنيه طولا
ويتقن صوتَ النهيقِ
مَن قالَ أنكر الأصواتِ صوتُ ((المدير))؟؟ - قصيدة " إمارة العجول " - ).
ولو تنبهت ، أيها القارىء الكريم ، لطبيعة التساؤل الأخير ومضمونه وشكله التهكمي الصارخ الذي يوظف موروثا قرآنيا لفضح السمة المتردية لجهة مرجعية ، فستجد ، فوق الصياغة التساؤلية التي تتسيد في أغلب نصوص المجموعة :
خير أ
( هل تَعرِفُ سرَّ حِكْمَتِنا
في:-
أِقفالِ فمكْ
هل تُدرِكُ حِكْمَتنا
في تكبيلِ يَدكْ؟؟
يا جاحداً حَقَّنا إنّا خلَّصناك :-
من ذُلِّ السؤالِ
إنّا  أغلقنا أُذنَيكَ وأعطيناكَ
((النَّقال))
خلَّصناكُم من وحشتِكُم
خلَّصناكم من غُربةِ الغربِ
ومَنْ
الوَحدةِ والكَربِ – قصيدة " بركات السلطان " - ) .
.. أو :
( انصهر الجلمدُ
ذاب الفولاذُ
اختلط السائلُ بالسائلِ
اندمجَ
المنقولُ في جسدِ
الناقلِ
ما عد نا
نميز بين:-
المجنون وبين
العاقل
مَّــــــــــــــنْ المسئول ومَّـــــنْ
السائل؟؟؟
سلال القمامة زائدة
القمامةُ تُرمى
في التيجانِ
لا حاجة لترجمةٍ
موحدة
لغة الخوفِ
كما الضحكة
الصرخة
 واحدة
مَّــــــــــــــــــــــــــــــنْ جمع الجن مع
 الجرذ
لقضمِ
دماغ الإنسانِ؟؟؟ - قصيدة " مطر الدولار " - ).
ويمكن للقارىء أن يقف طويلا عند قصيدة " صديقي الشاعر " التي تجمع في بنيتها بين التساؤل الجارح وموقف الشهادة الدامي الذي يطرحه حميد على لسان سبعة شهداء غدرت أحلامهم .. أقول فوق الصيغة التساؤلية ، فإنك ستجد هذه الروح الساخرة السوداء التي تزرع في روحك أقصى غصص المرارة .. مرارة موقف نفسي " جنوني " متصارع لا تعرف إلى أين تفر فيه : إإلى الضحك أم إلى البكاء :
( العالم مشغول بسر عولمتنا
تمثلنا ((الدي)) فهي الرأس
أل((مقراطية)) ذيل ،
 يجرح عزتنا  لا نقبله
نحن علمنا الناس سر الحرف
وسر النهب وسر((الكرف))
فليتوجه كل العالم صوب قبلتنا
فالعالم مشغوف بسحرِ عولمتنا – مقطوعة " الرقم المنحوس " - ).
.. أو :
( ممنوع
احتضانُ
المطرقةِ للمنجلِ
محظورُ
وضع ((الخيارَ)) في الأعلى
و((الطماطةِ)) في الأسفل
ممارسة الموتِ
في الشارعِ مقبول
أما الفرحَ
محظور حتى
خلف الباب المقفل
إياكَ
ان تَبلَّ ريقكَ
بـ ((المنكر)) ..  – قصيدة " بانوراما نزيف القصب " - ).
.. وهناك أيضا توظيف الموروث القرآني الذي اشرت إليه سريعا ، والذي يتكرر في أغلب نصوص المجموعة ، وهو توظيف يكتسي بالطابع التهكمي المرير ذاته ؛ طابع يفرضه السياق اللامعقول " الجنوني " الذي نحياه والذي يمزق ثوابت حياتنا ، مهما كانت مقدسة ، بلا رحمة :    
( كيف
لك ولدي
ان تقرا
((باسم ربك الأكرم))
احرقوا القلم وقالوا:-
((اقرأ باسم ربك (( الملثم )) الذي يعلم ((بالألم))
علم الطفل مالا يفهم))
آه لو تعلم
ولاشك انك تعلم
ان ((الإله الملثم))
بدماء أبيك
تيمم
يا طفلي
ممنوع عليك
ان تحلم – قصدة " حقائب الأمير " - ) .
.. أو ، وهذا توظيف غير مباشر أفضل نسبيا :

( حصد الموت  شبيبتنا
شابت رؤوس الصبيه
أعجاز
نخلٍ نمشي
نَحِلَّ العود وأنكسر
الظَّهرِ
حللنا لكم صيد البر
 وصيد النهر
مباح لكم ذو الريش
وذو القشر
ولكن إيـــــــــــــــــــــــــــــــــــاكم
 أن تصطادوا
    الفقر – من قصيدة " الكأس السوداء " - ) .




الثلاثاء، 22 فبراير 2011

المتمردون يحيى السماوي (1) / سـردار محمد سعيد


المتمردون يحيى السماوي (1) / سـردار محمد سعيد
سردار محمد سعيد   
sardar_mohamadمقدمة
قصيدة معلمي يحيى السماوي المعنونة (مسبحة للتي ليست تسمى) جعلتني أشك في النظرية التي تقول ان زمن القصائد الطوال قد رحل، ولعل النـَفـَس الملحمي للشاعر السماوى، والذي يشد القارىء و يجذبه ولا يخدش أحاسيسه مصدره ثروة لغوية كبيرة وموهبة أصيلة. ولكن ما علاقة ذلك بالتمرد؟
في الجزء ذي الرقم 32 من القصيدة جلب انتباهي هذا المقطع:
جربت يوما أن أعيش تمردي
في جنة المتشردين.
وتذكرت يوم اعترض أحدهم على مشروع تعينني في إدارة علمية تخص الموهوبين – وليس المتميزين – أي تخص ما يسمونهم Talented or Genius فسأله أحد علماء النفس عن السبب فقال: لأنه متمرد فأجابه الباحث النفسي: الموهوبون متمردون وهي صفة تلازمهم وهذا لا يعني بالطبع ان المتمردين موهوبون إلآ ان الموهبة في أساسياتها خلق لشيء جديد والتعبير بصيغ استثنائية وهذا يراه التقليديون او غيرهم من سدنة الوصايات أيا كانت تمردا ومناطات الإبداع المعروفة في العلم والفن والأدب ثرية بأمثلة يمكن تناولها والبحث فيها.
الشعراء والتمرد
من الشعراء المبدعين غير التقليديين ممن تمردوا على واقعهم التقليدي فسلكوا دروبا جعلت الناس تصغي اليهم وتتناول شعرهم وفنهم في الأماكن العامة والدواوين وفي مجالس السلطة على سبيل المثال لا الحصر ابو نواس، لقد تمرد أبو نواس على الأطلال ومناجاة الرسوم والوشم والنقوش والأثافي، واتخذ مسلكا معروفا وأحدث، فعلى صعيد السلوك الشخصي الخاص كان متمردا على البيئة في عصر كانت فيه الممنوعات وإن سمح بها سرا تعد من التجاوزات الأخلاقية أو ما يطلق عليه اليوم إصطلاحا خطوطا حمراء إذ أصر النواسي على نهج انتهجه وطد فيه لنفسه شخصية متفردة وهذا هو عين التمرد كما أرى.
إن التمرد يأخذ أشكالا شتى في حياة وسلوك الفرد وينعكس ذلك على شخصيته ونتاجاتها علما وفنا وأدبا و و. و هناك محور تمردي هو الأبرز الذي سيوصف به الفنان وهذه الصفة - المحور الأبرز - تلازمه تاريخيا ويبقى عندما يذكر اسمه تذكر الصفة تلك ملازمة له، فالخمرة صفة التمرد عند أبي نواس، والعشق والتشبيب صفة التمرد الملازمة لعمر ابن أبي ربيعة والكبرياء والإعتداد بالنفس صفة المتنبي والتسول صفة الأخطل والفروسية صفة عنترة وهكذا.
هذا على الصعيد الشخصي اما على الصعيد العام والحقبي كان للشعر الأندلسي عامة صفة التمرد على أسلوب الطرح التقليدي. ومن المحاولات التمردية الناقصة هو شعر البند ومن المحاولات التمردية الناجحة هو الشعر الحر وكسر قيود القافية.
بالنسبة لشاعر بشخصه لابد له من قصيدة متمردة أو أكثر فيها أو من خلالها يطل على الناس، فمثلا مظفر النواب أطل على الناس بقصيدة عامية هي (الريل وحمد) ومن ثم ليتواصل مع جمهور الأغلبية العربية أطل بقصيدة (القدس عروس عروبتكم).
من الشعراء الذين لم ينح هذا المنحى بل أطل بمجموعات شعرية متميزة هو الشاعر يحيى السماوي، أما محور التمرد الأبرز هو التصدي للسلطة الغاشمة والفئات الظالمة أيا كانت ومهما تنوعت مناهجها واتجهاتها لكن تشترك معا في قهر الشعب والإنسان وأرى ان هذا النتاج الجامع الذي يجعله معروفا ومشهورا ومحبوبا هو نتاج عدد من المتمردين في شخص يحيى، بعبارة أخرى ان نتاجا جامعا مبهرا ليس نتيجة تمرد واحد بل نتاج محصلة التمردات التي كونت يحيى الشاعر، أولها المتمرد يحيى الطفل والمراهق:
يحيى كما هو معروف ابن مدينة صغيرة يخترقها نهر الفرات وتتواصل من جهة الغرب مع الصحراء العربية وفي بيئة يحيى للعشائرية دورها في تصرفات ووعي الشخص وفيها مجموعة من الأعراف التي لا يمكن تجاوزها او الإنقلاب عليها وبعبارة أخرى التمرد عليها وللعائلة دور في المحافظة على تلك الأعراف، والحقيقة في جلها تستند على الفكر الديني والقيم السامية فيه ومجموعة القيم والأعراف هذه تقف عائقا بوجه المتمردين، ولعل في بعض المجتمعات يكون التمرد غير مفهوم للناس ويوصم بالخزي والعار كونه متقدما على عصره فكريا ولا ينسجم مع مشاعر ولا طبائع وسلوكيات المجتمع فقد عد عروة والصعاليك عامة من المتمردين المنبوذين بالرغم اننا نراهم اليوم من المتمردين الموهوبين فمن يحسو قراح الماء والماء بارد لا يفرد افراد البعير المعبد فهو ليس بأجرب، هذا نوع من التمرد الإجتماعي حقيقته جهاد من أجل الناس وإنسانيتهم.
ان مقارعة السلطة ليس بالأمر السهل، لكن مقارعة النفس أصعب منها فكيف يمكن للفرد أن يحصن نفسه ويستطيع مقارعتها ويصونها من الشطط؟ هل يمكن أن تعمل الذات على تقويم ذاتها، على وفق نظرية صنت نفسي عما يدنس نفسي؟ أنا لا أرى ذلك صحيحا، هو حاصل تأثيرات شتى تعايش معها الفرد.
القول ان يحيى لم يشطط أو يزلل لأنه هو وحده بوحده أراد ذلك، قول ينقصه الصواب هنا نغمط حق البيت والمدرسة والبيئة التي اعتاشها الشاعر وبمجموعها كونت يحيى.
من الواضح المراهقة التي هي حلقة من حلقات التطور العضوي والنفسي يظهر فيها التمرد فالتغيرات العضوية تثير في نفس المراهق الجنس وليس الحب فالجنس هنا مغلف بالحب الفج، ولم يكن يحيى متمردا بمعنى انه استمر على تحدي البيئة وأعرافها وقوانينها لكن بمعنى ان تمرده هو تمرد المراهق على الطفولة تمرد الإحساس بشعور التغير العضوي ونتاجاته فسلك سلوك غيره من المتمردين، ومن هذه السلوكيات هو العناد، لذا يقول:
وأين شقاوتي طفلا عنيدا أبى إلاّ انتهالا من سراب.
ومنها وهو الأهم تأثيرات المراهقة التي بدأت تظهر في سلوكياته وممارساته، وهنا بالدقة يظهر تأثير التربية والبيئة فالأب والأم أي العائلة يشتركان في توجيه دفة السفينة نحو شواطىء السلامة ودونها ربما يكون الفرد في سبيل لا تحمد عقباه فما الذي حصل مع يحيى؟
دعونا نقرأ الآتي:
كنت ابن عشر واثنتين فلملمت
شفتاي ما استعذبت من كلمات
غازلتها ثم انتبهت إلى أبي
خلفي يكر علي بالصفعات
أتخون جاري يالئيم وعرضه
عرضي وكل المحصنات بناتي
تب للغفور اذا اردت شفاعة
واستمطر الغفران بالآيات
واستكملت امي العقاب وراعني
ويل باطعامي إلى السعلاة
فندمت – رغم براءتي – وأظنه
كان الطريق إلى جنان صلاة
في هذه المقطع من القصيدة يوضح فصلا مهما من فصول تربيته فالأب البقال المواطن البسيط و الأم المواطنة البسيطة ذات الوشم كلاهما يشتركان في كبح المتمرد الصغير وإن كان بريئا وكلاهما يشترك في رسم درب العفاف وفيها يذكر يحيى سنه بالعدد فهو في زمن المراهقة أو بدايتها، وحاول التمرد على العرف الإجتماعي للمدينة الصغيرة السماوة في وقت ربما مؤذن واحد يمكنه ان يسمع صوته الجميع، مثل هذه المدينة مدائن عراقية اخرى كثيرة، صغيرة المساحة، عالية الخلق، ساميته، بوجود مثل عائلة يحيى وللأسف بدأنا نفقد مثل هذه العوائل، وأتذكر يوما عندما كنت أقف بالدور في منطقة الغزالية في بغداد لأشتري الخبز، وقفت سيارة تقودها إمرأة فاتنة وضحت عليها دلائل النعمة والتحضر – الزائف - ونزل منها صبي ووقف خلفي متخذا دوره فقالت له : تقدم وكن الأول وخذ قبلهم، ألست رجلا؟ عجبا لاحظوا كيف تعلمه فالرجولة سلب حقوق الآخرين والإعتداء على مشاعر الناس، فقلت لها ياسيدتي: سيكون أكثر رجولة لو تخذ دوره معنا، فغضبت وسحبت ولدها.
في هذه الحكاية الواقعية غايتي أقارن بين من يدعون الثقافة والمدنية بالبسطاء الذين لم يتلقوا نصيبا من العلم الأكاديمي وكيف يمكن أن يؤثر ذلك مستقبلا في توجهات الفرد كيانا وممارسة.ويلاحظ في القصيدة استعمال الأب الوسيلة التي كانت سائدة في التربية وهي الضرب ولا شك ان الضرب وسيلة مفيدة أحيانا كعقاب صارم بحيث لا يؤدي لضرر جسمي وهو لن يؤدي ضررا نفسيا لو كان في محله، ولقد وجدت في إحدى زياراتي لمدرسة اسبانية عصا في غرفة الناظر فانتبه لي فقال: هي للتخويف وليس للإستعمال فقلت له، هل تعرف ان هناك نظرية إسلامية تعنى بهذا الشأن تقول بكلمتين ( أدبوهم وعلموهم) فيحيى حاول التمرد بأن يغازل أخته في الله على وفق ما قاله الأب وسلكت أمه على بساطتها سلوكا آخر فاستعملت وسيلة التخويف بإطعامه للكائن الخرافي الغول الذي لن يستطيع الهروب منه إذا قدم يحيى المراهق كوليمة شهية له، فكان لكلام الأم التخويفي بادرة لصد يحيى عن الضلال وسلوك سبيل الرشاد، ومن المهم أن نرى بوادر التوجه الديني في هذا المقطع والذي وجهه اليه أبوه بأن يتجه نحو القرآن الكريم ويتلو آياته ويطلب الغفران من خلالها ولذلك يقول:
وأظنه كان الطريق إلى جنان صلاة.
ما أريد تأكيده أن طفولة يحيى ومراهقته لم تكن تمردا بمعنى الشذوذ لسبب وجيه هو المراقبة العائلية وتصرفها العملي، ولو أنه تمادى في غيه وأسرف لا يمكن أن نضع اللوم على عاتق البراءة وحدها بل الملام هو العائلة والبيئة والعامل الذي يقف وراءهم واقصد الوازع الديني.

الأحد، 20 فبراير 2011

مسبحة للتي ليست تسمى / الجزء الأخير









مسبحة للتي ليست تسمى / الجزء الأخير

يحيى السماوي





(31)


جـرّبْـتُ يومـا ً أن أكون سِـوايَ ..
غـيـرَ الـسّـومـريّ الـزّاهـد ِ
المـسـكـون ِ  بأمـرأة ٍ
ومـشـحـوف ٍ " يـطـرُّ الـهـورَ " ..
يـخـرجُ فـي الـصّـبـاح ِ بـعُـدّة ِ الـصّـيْـد ِ الـقـديـمـة ِ :
" فـالـة ٌ " و " الـزّهْـرُ " ..
" قوري الـشّـاي " و " الـخـبـزُ الـرقـيـقُ "
فلا يعـودُ قُـبَـيْـلَ قـهـقـهـة ِ الأصـيــلْ


جَـرّبْـتُ يـومـا ً أنْ أكـون  سِـوايَ
غـيـرَ الـبـابـلـيِّ ..
كأنْ أكون الطائـرَ الـجَـوّالَ
والغـجـريَّ لا وطـن ٌ لـهُ غـيـرُ الفضاءِ
وخيمةٍ  تُـطـوى بلا تـعَـبٍ
إذا أزِفَ الـرّحِـيــلْ

أبدلـتُ بـالـيـشـمـاغِ  قُــبَّـعـة ً ..
وبـالـمَـشـحوفِ نـعْـلَ  تـزلّـج ٍ ..
وبـطـاسَـة ِ الـلـبَـنِ الـخـضيـض ِ الكأسَ  ..
والـسُّـمَ  الـمُـعـتّـقَ
بالـنّـمـيـر ِ الـسّـلـسـبـيـلْ


طـوَّفـتُ  في مُـدُنِ الـنُّـحـاس ..
قـطـفْـتُ مـن روض ِ الـثـغـور ِ الـوردَ  ..
لـكـنْ :
فـي الـحقـيـقـةِ  لم يـكنْ إلآ رمـادا ً
غـيـرُ أنَّ الـسّـومـريَّ
تـوهَّـمَ الـجـنـفـاصَ قَـزّا ً ...
كان  يـجْـهَـلُ مـا  يُـريـدُ
ولـم تـكـنْ فـي حـيـنـهِ الـعـنـقـاءُ قـد هَـبَـطـتْ ..
و" صـوفـائـيـلُ " ذاك الـوقـتُ
لـمْ تـبْـعَـثْـه ُ بـالـبُـشـرى
لـذا فـالـسّـومـريُّ أضـاعَ قِـنـديـلَ الـسّـبـيـلْ


جـرّبْـتُ يـومـا ً أنْ أعـيـشَ تـمَـرُّدي
فـي جَـنّـة َ الـمُـتـشـرّديـنَ :
غـفـوتُ في الـمُـتـنـزّهـاتِ
وفي مَـحـطـاتِ الـقـطـاراتِ  الـقـديـمـة ِ ..
قـاسَـمَـتْـنـي غـادةٌ " روسِـيّـة ٌ " مـأوايَ
فـوق الـمَـصْـطـبـات ِ ..
وفي  الـمـزارع ِ ..
فـي  بـيـوت ٍ بَـخـسَـة ِ الإيـجـار ِ
يَـنْـدرُ أنْ يـعـودَ  إلـى أسِـرّتِـهـا  ـ إذا خـرجَ ـ الـنّـزيـلْ


وصَحَـبْـتـهـا فـي رحْـلـتـيْـن ِ ..
وحـيْـنـمـا أفـلـسْـتُ :
بـعـتُ الـخـاتـمَ  الـذهـبـيَّ  والـسّـلـسـالَ..
عِـشـنـا لـيْـلــة ً حـمـراءَ
فـي نُـزْل ٍ يُـطِـلُّ عـلـى  مَـضـيــق ِ " الـدّرْدَنـيـلْ "..

ثـمّ افـتـرقْـنـا  بـعـد  يـوم ٍ واحِـد ٍ
ذهـبَـتْ إلى " هِـنـغـارِيـا " ..
وأنـا اتّـجـهْـتُ إلـى " بـلـغـرادَ " ..
الـحـقـيـقـة ُ لـمْ أفـكّـرْ بـالـرّحـيــلْ

لـكـنّـمـا " اسْــتـنـبـولُ " :
مـوحِـشـة ٌ بلا مـال ٍ  تـنـشُّ بـه ِ
ذئـابَ الـوحـشـة ِ الـخـرسـاء ِ
فـي الـلـيـل الـطـويـلْ

 

ودّعـتُ " آشـا "
صـارتِ  " اسـتـنـبـولُ "  ضـيّـقـة ً
وكـنـتُ عـلـى شـفـا الإفلاسِ
فـاخـتـرتُ الـتـوجّـه َ لـلـسـمـاوة ِ
غـيـر أنّ الـمـارق َ الـشّـيـطـانَ أغـوانـي ..
فـيَـمَّـمْـتُ الـحـقـيـبـة َ نـحـوَ " صـوفِـيّـا " ..
رقـصْـتُ ...
ثـمـلـتُ ...
نـمـتُ بـفـنـدق ٍ ..
أفـلـسْـتُ  :
بعـتُ الـسّـاعـة َ الـرّولـكـس ..
بعـتُ الـسـتـرةَ الـجـلـديـّـة َ ..
الـقـمـصـان َ ..
بعـتُ حـقـيـبـتي ..
سـأعـودُ ـ قـالَ الـسّــومَـريُّ ـ إلى الـحـقـيـقـة ِ :
لـنْ أكـون سـوايَ ..
يـأبـى أنْ يـفـرَّ مـن الحـمـامـة ِ
ســيّـدُ الـشـجـر ِ الـنـخـيـلْ


فـرجـعـتُ  صَـبّـا ً سـومَـريّـا ً :
يـرتـدي وردا ً
ويـصـنـعُ لـلـتـي لـيـسَـتْ تُــسـمّـى :
مِـعْـضَـدا ً مـن فِـضّـة ِ الـكـلـمـات ِ ..
ثـوبـا ً مـن زهـور الـيـاسـمـيـن ِ ..
حُـلـىً ... ومِـسْــبـحـة ً.. وشـالا ً
مـن يـواقـيـتِ الـهَـديـلْ !

ورسـالـة ً بـيـضـاءَ مـن عَـتَـبٍ
مُـبَـلـلـة ً
بـدَمـع ِ  نـدامَـة ِ الـقـلـبِ  الـمـوَزّع ِ
بـيـن مـفـتـاح ِ الـغـد ِ الـمـاضـي
وبـاب ِ الـمـسْـتـحـيـلْ :

أأنـا قـتـلـتُ  بـسـيْـفِ  وهْـمـي
الـسّـومـريَّ  الــعـاشـقَ
الـمـسـكون َ بـامـرأة ٍ
ومـشـحـوف ٍ " يـطـرُّ الـهـورَ "
أمْ كـنـتُ الـقـتـيـلْ ؟

 

أيّـا ً أكـونُ  :
فـإن مُـلـهِـمَـتـي الـتي لـيـســتْ تُـسـمّـى
لم تـكـنْ قـد أرسـلـتْ بالأمـس " صـوفـائـيـلَ "
فـانـزَلـقَ الـفـؤادُ عـن الـسّـبـيـلْ

***





(32)

 

خـلـعْـتُ أمـسـي
فـانـسـجـي لـيْ بُـردةً تـسْـتُـرُ يـومـي ..
طـهّـريـنـي مـن ذنـوبِ الـمـطـر الأسـود ِ ..
مـن خـطـيـئـةِ الـلـذاذةِ الـحـمـقـاءْ

أنـا هـو الــنـهــرُ الـذي جَـفَّ
وحـيـن جـئـتِـهِ فـاض نـدىً
فـقـامـتِ الـواحـاتُ فـي الـصـحـراءْ

وكـنـتُ  يـاقـانـتـتـي قـبـلَ هـواكِ تـائـهـا ً
أبـحـثُ فـي الأرضِ عـن الـنـجـم ِ
وفـي الـسـمـاءِ عـن ظِـبـاءْ

كـان سـريـري وطـنـا ً
حـدودُهُ الـنـسـاءْ

مـئـذنـتـي غـادَرَهـا الأذان ُ ..
فـالـوضـوءُ راحٌ ..
والـتـراتـيـلُ الـتـي أحـفـظـهـا عـن ظـهـرِ لـهـو ٍ
كـانـتِ الـغـنـاءْ

وكـان من قـبـلِـكِ نـهـري
مـحـضَ قـبـر ٍ
لـجـثـامـيـن الـنـدى والـمـاءْ


أبـرهـةُ الـضـلّـيـلُ كـان فـي دمـي
وحـيـنـمـا بـعـثـتِ " صـوفـائـيـلَ " لـيْ
صـار فـمـي مـئـذنـة ً
وفـي عـروقي دمُ أولـيـاءْ

 
كـفـرتُ بالـيـاقـوتِ والـفـضَّـةِ  ..
كوخي جَـنـة ٌ أرضـيـة ٌ
يـجـري بـهـا  نـهـران ِ يَـمـتـدّانِ
بـيـن الأرضِ والـسـمـاءْ

أبدأ كـلَّ  لـيـلـة ٍ عـلـى بُـراقِ نـخـلـةٍ
بـرحـلـةِ  الإسْـراءْ

مـا  لـيْ ولـلـحـسـانِ يـاقـانـتـتـي
وأنـتِ عـنـدي غـابـةٌ شــاسِـعـةٌ
مـن شـجَـرِ الـنـسـاءْ ؟




(33)

 
فـي عـيـدِ مـيـلادِ الـحـدائـقِ
راودَتْـنـي وردة ٌ عـن عِـطـرهـا ..
بـيـضـاءَ كـانـتْ
مـثـلَ أحـلام ِ الـتـي لـيـســتْ تُـسـمّـى ..
قـلـتُ فـي نـفـسـي : سـأقـطـفـهـا ..
مـددتُ يـدي
فـكَـرَّ عـلـيَّ سِـربٌ مـن فـراشـات ٍ
سـقـطـتُ مُـضَـرَّجـا ً بـالـخـوفِ
مَـغـشِـيّـا ً عـلـيّـا





هل  كان يومَ الـحَـشْــر ِ ؟
أمْ أنّ الـذي أبـصـرتُهُ
هـذيٌ ثـقـيـلُ الـهـذر ِ
مـن أثـر ِ الـحُـمَـيّـا ؟

أبصـرتُ  أزهـارَ الـحـديـقـة ِ تـشـتـكي حَـمَـقـي
وحـيـن نـكـرْتُ
جـاء الـصـوتُ ـ يـشـهـدُ  للـحـديـقـة ِ ـ
مـن يـديّـا

فـخـجـلـتُ مـنـي
واسْـتـحْـتْ عـيـنـايَ مـن وجـهـي
وروحـي غـادرَتْ جـسـدي
فـصـحـتُ بـهـا : أغـيـثيـنـي ..
فـقـالـتْ : لاتَ وقـتَ نـدامـة ٍ
فـاخـلـدْ بـنـار الإثـم ِ
مـلـعـونـا ً شـقِـيّـا

فـسـقـطـتُ ثـانـيـة ً بـبـئـر الـخـوفِ
مـغـشـيّـا ً عـلـيّـا


قُـمْ ـ صـاحَ صـوتٌ ...
فـاسْـتـفـقـتُ ..
وجـدتُ " صـوفـائـيـلَ " قـربـي ..
قـال :
تُـهـديـكَ "  الـتـي لــيــسَــتْ تُـسـمّـى " :
عِــشـقــهـا  ..
وكـتـابَ عِـفّــتِـهـا ..
فـخـذهُ بـقـوّة ٍ
واصْـدعْ بـنـورِ صَـبـاحِـهِ
الـلـيـلَ الـدّجـيّـا





وتـقـولُ  : يـا يـحـيـى الـسـمـاويُّ  الذي خَـبَـرَ :
الخـنـادقَ ..
والحـدائـقَ ..
والـعـذابـاتِ ..
الـمـســرّات ِ..
الـذي مـضـغَ الـلـظـى والـصّـابَ ..
والـعـذبَ الـشّـهـيّـا

إنـي قَـبَــلـتُـكَ تـائِـبـا ً
فـاحـذرْ جـنـوحَـا ً عـن صِـراطِ   الـيـاسـمـيـن ِ ..
كُـن ِ الـحـديـقـة َ لـلـفـراشـةِ ..
والـظـلـيـلـة َ لـلـحَـمـامَـة ِ ..
لـلـضّـريـر ِ الـدربَ والـعـكـازَ ..
لـلـرّاعـي الـرّبـابـة َ ..
لـلـغـزالِ الـخـائِـفِ الـظـمـآن ِ رِيّـا ..

 

وتـقـولُ :
يـا يـحـيـى الـسّـمـاويُّ
الـشـهـيـدُ الـحـيُّ
والـحـيُّ الـشـهـيـدُ
وخـاتـمُ  الـعـشّـاق ِ فـي عـصـر ٍ
يـضـجُّ خـنـا ً وغـيّـا

الـيـومَ قـد أكـمـلـتُ سِــفْـرَكَ ..
فـانـطـلِـقْ بـرسـالـة ِ الـعـشـقِ  الـمُـقـدَّس ِ
كـنْ رسـولـي فـي الـهـوى
حـتـى يُـعـادَ الإعـتِـبـارُ
لـعَـقـلِ " قـيـسِ بـنِ الـمـلـوّحِ "
و" الـشـريـدِ الـسّـومـريِّ "
ويـسْـتـعـيـدَ عَـفـافـهُ :
الـوَجْــدُ ..
الـتـهَــيُّــمُ ..
يَـسْــتـحـيـلُ الـعِــشــقُ خـبـزا ً لـلـقـلـوبِ
فـلا يـعـودُ الـحـزنُ سـيـمـاءَ الـمُـحَـيّـا


وتـقـولُ
يـا يـحـيـى الـسّـمـاويُّ
الـمُـضـرَّجُ بـالصَّـبـابـة ِ
كـنْ بـعِـزّة ِ سَــيِّـدِ الـشّـجَـر ِ الـنـخـيـل ِ :
يـمـوتُ مُـنـتــصِـبـا ً ..
ومـثـلَ الـوردِ :
لـو ذبـحـوهُ يـبـقـى  عـطـرُهُ
يـذكـو شـذِيّـا

الـعِــشْـقُ بـابٌ لـلـخـلـودِ
فـإنَّ " قـيـسَ بـنَ الـمـلـوّح ِ "
لـمْ يـزلْ لـلـيـوم ِ حَـيّـا !