الأربعاء، 29 يونيو 2011

يا مسؤولي عراقنا الجديد : أنقذوا حياة الشاعر الكبير محمد علي الخفاجي


في كلمة لرئيس وزراء بريطانيا الأسبق ووزير مستعمراتها ونستون تشرشل مفادها : إن بريطانيا مستعدة للتضحية بكل مستعمراتها على أن لا تضحي بقصيدة واحدة من شعر شيكسبير ..

لست بليدا فأتوقع أن يصل مسؤولية قيادة السلطة في العراق ساسة يحملون تواضع تشرشل ووطنية تشرشل وثقافة تشرشل واهتمام تشرشل بأدباء ومبدعي وطنه بعدما أثبتت دورات الحكم المتعاقبة أن أكثر الذين قادوا عربة السلطة في العراق كانوا غير مؤهلين لقيادة سرية من سرايا الشرطة الخيالة أو لشغل منصب " مختار محلة " لولا الظروف غير الطبيعية التي بوّأتهم مواقع صنع القرار وتنفيذه في غفلة من الزمن ـ ولكن ليس في غفلة من عين وإرادة المحتل أو الدبابات الإنقلابية وإرادات هذه الجهة الإقليمية أو تلك الدولية ـ باستثناء ابن الشعب البار الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم ..

لست بليدا فأتوقّع مجيء قائد له مواصفات حامل جائزة نوبل في الآداب ونستون تشرشل ،أو يتمتع بوطنية وثقافة الشاعر العالمي الرئيس السنغالي الأسبق ليوبولد سنغور ... فالفساد المالي والسياسي واحتراب " الأخوة الأعداء " من أجل عرش " قصر الخلافة " والهيمنة على " بيت المال " قد أثبتت بما لا يقبل اللبس أن الأدب سيبقى خارج اهتمام أصحاب السيادة والفخامة والمعالي ، وبالتالي سيبقى الأديب والمبدع العراقي منفيا في وطنه ، مُهملاً طالما انتمى للوطن والشعب وليس بوقا ً لهذا الحانوت السياسي أو ذلك التكتل المذهبي والطائفي ـ والأمثلة كثيرة ، منها فنان الشعب العراقي المناضل فؤاد سالم والذي يرقد حاليا في أحد مشافي دمشق ، مع أنه قدّم للعراق أضعاف ماقدّمه ثلاثة أرباع أعضاء برلماننا بما فيهم أصحاب الشهادات المزورة ... أو الشاعر المناضل الفقيد رحيم الغالبي الذي أجزم أن النظام الديكتاتوري المقبور سيكون أرأف بحاله من نظامنا الحالي على رغم معارضته للديكتاتورية طيلة عقود .

الان يرقد الشاعر العراقي الكبير محمد علي الخفاجي طريح الفراش ، بعد إصابته بعجز كلوي شبه كامل ( 86%) وحالته المرضية تستوجب علاجه خارج العراق ... فهل سـتـكـفّـر حكومتنا ووزارة ثقافتنا عن أخطائهما ـ إن لم أقل خطيئاتهما ـ في تجاهل أدباء ومبدعي العراق فتأخذان على عاتقهما مسؤولية نقل الشاعر الكبير محمد علي الخفاجي للعلاج في الخارج ؟ أرجو ذلك فعلا ... فالخفاجي ثروة وطنية على صعيد الإبداع شعرا ً وتأليفا مسرحيا ً ، بل وعلى صعيد مواقفه الوطنية الصلبة في رفضه العنيد مدح الديكتاتور مما عرّضه للطرد من مهنة التدريس فارتضى الفاقة والعوز في وقت كان بمستطاعه أن ينعم بالجاه والنعيم لو شاء ذلك وسمح لنفسه بمنح ديكتاتور العراق قطرة واحدة من حبر قلمه الوطني الشريف !

لقد تحمّل الخفاجي تكاليف عملية جراحية في استانبول ، ولم يعد بمستطاعه تحمّل تكاليف علاج الفشل الكلوي الذي يتهدد حياته ... فهل كثير على " أولي الأمر" تخصيص مبلغ من " بيت مال الشعب " لعلاج شاعر الشعب وابنه البار محمد علي الخفاجي الذي نشر في أوج قوة النظام المقبور مسرحيته الرائدة " ثانية يجيء الحسين " بما تحمله من رمزية بحتمية سقوط الصنم ـ في وقت كان فيه الكثير من أعضاء برلماننا الحالي ومسؤولي عراقنا الجديد لا يفتحون أفواههم إلآ عند طبيب الأسنان ؟

أرجو صادقا ً أن تبادر حكومتنا فتأخذ على عاتقها الإنابة عن الشعب العراقي في معالجة الشاعر الوطني الكبير محمد علي الخفاجي .... إن بمستطاع حكومتنا صنع ألف مدير عام وعضو برلمان في شهر واحد ... لكنها لن تستطيع صنع شاعر كبير واحد كالخفاجي بمئة عام ...

أرجو أن تجد صرختي هذه آذانا صاغية من لدن مسؤولي عراقنا قبل فوات الأوان ، لإنقاذ حياة الشاعر الكبير محمد علي الخفاجي ، لنصدّق أن الثقافة الوطنية قد أعيد إليها الإعتبار . 

الثلاثاء، 21 يونيو 2011

سماويّات (14) : غزل معاكس جديد : تطبيقان




(بحث في نقد النقد) 

 أعود الآن إلى القصيدتين اللتين تجاوزتهما وقتيا وهما : موشح : يا صبا جدّة ، وأيها البدر العسيري . ولاحظ أن القصيدتين تشتركان في سمة غير موجودة في النصوص الأخرى في ما يرتبط بالهوية الجنسية للمرسل والمرسل إليه في طرفي الخطاب الشعري . ففيهما يلعب الشاعر ببراعة مربكة على هذا الوتر الحسّاس فيبدأ الخطاب بصوت المذكر لينتقل إلى صوت الأنثى وبالعكس . وتتكرر معضلة الإلتباس التي تصعّد وقعها المضطرب اللغة ذاتها . ففي موشح : يا صبا جدّة يستقر في أذهاننا أن المتكلم متعادل الهوية أي أن الخطاب من الممكن أن تطلقه شفتا رجل أو امرأة على حدّ سواء :
يا صبا " جدّة " .. ضيّعتُ الصبا
وأضاعتني دروب السفرِ
كان لي حقل وقنديل ودار
وعلى غصني زهور وهزار
ثم أطفأ الليل النهار
أصحر الحقل .. ونهري نضبا
فإذا القيثار قبرُ الوترِ
وحتى من ناحية الرمزية اللغوية لا تسعفنا الكلمات المستخدمة في تحديد جنس المتكلم كما فعلنا في النصّين السابقين حيث اعتمدنا على الدلالات الرمزية اللغوية كما أعاد اكتشافها ووظّفها  منهج التحليل النفسي وخصوصا في مراجعة التمثلات الرمزية في الأحلام ، والقصيدة حلم . لكن بعد خطوة قصيرة جدا تتكشف الملامح الأنثوية لصوت المتكلم من خلا النداء المباشر : يا حبيباً :
يا حبيبا كلما أدعوه صد
صعّر القلب وما صعّر خد
فالهوى ما بيننا جزر ومد
أفؤادي ؟ أم  حبيبي كذبا
فحقولي كاذبات الشجرِ ؟ 
لكن الشاعر يثير في حقلنا الإدراكي ربكة شديدة ومباغتة حين يتحول مباشرة إلى الخطاب الذكوري وتصبح المخاطبة محبوبة هي " ليلى " الأثيرة على نفسه ، فيتساءل فورا :
ما ( لليلى ) تعبت من تعبي ؟
وحروفي هربت من كتبي ؟
فإذا أسألها لم تجب
إن عمري مثل مائ سكبا
فوق كثبان رمال القدر
ثم يعود مباشرة إلى الصوت الأنثوي حتى لتعتقد أن القصيدة هي حوار - وأعتقد أن هذه من سمات الموشح الأصيلة - بين عاشق ومعشوقته سوى أن للعاشق صوت ( دور ) واحد في حين تستولي العاشقة المُحبطة على الدور الأكبر :
ما الذي يجمع ماء الحلم ؟
لغتي يخذلها صمتُ فمي
فأرحني منكَ .. أو من سقمي
أعطني منك لهجرٍ سببا
ربما أطفيء جمر الضجرِ
تتكرر هذه المناوبة المربكة - وحتى الملغزة - في القصيدة الثانية " ايها البدر العسيري " حيث تجتمع خلطة عجيبة من استخدام الضمائر المعلنة و ( المستترة ) . فالقصيدة مكونة من مقطعين الأول منها " يُحكى " - والسمة السردية سمة أصيلة في المنجز الشعري للسماوي كما شخصت القرني ذلك بحق - بضمير المتكلم الذي لا نستطيع تحديد هويته الجنسية إلا إذا أخذنا هوية الشاعر بنظر الإعتبار وأنه الحاضر فعليا في ساحة النص :
أنا لا أعجب لو قِيل : على الأرض قمر
يتمشى
خطوُهُ يعزف موالا " عسيريا "
له دفء قناديل السمر
........................
أنا لا أعجب لو قيل :
هلالٌ ، كل يوم كان يكمل
يبزغ الصبح وعند الليل يأفل
فتمهّل
والبدر الذي يخاطبه السماوي هو رمز مؤنث في أغلب الحضارات واللغات في العالم عدا الحضارات العراقية القديمة التي تعامله كأنثى . والسماوي يخاطب القمر العسيري بهيئة المذكّر ، أي من موقع الأنثى ، لكن الأبيات الأخيرة أو التساؤلات الأخيرة ( البنية التساؤلية من السمات الأسلوبية الراسخة في المنجز الشعري للسماوي - راجع كتابنا السابق ) تخلط حدسنا بالضمائر ( المستترة ) حيث تشي اللغة المستخدمة بأفعالها ورموزها وطبيعة تساؤلاتها الجنسية ( الحسّية ) بأن هوية طرفي الخطاب أنثوية :
أيها البدر العسيري .. تمهّل
وأجبني عن سؤال :
عطرك المترَف قد أثمل روحي
أترى هل أنت مثلي
بعبيرٍ منك تثمل ؟
وإذا مشطت شعرا
وتعرّى جيدكَ المقمر من عقد ومخمل
أفلا ينهض في المرآة
بستان وجدول ؟
لكن - في القسم الثاني - تكون المهمة أكثر يسرا حيث تكشف اللغة بسهولة طبيعة هوية المتكلم من خلال " الأحوال " المستخدمة ، وإلا فإن الذكر والأنثى يتشاركان في تاء الفاعل التي يستخدمها الشاعر في الأفعال :
كنتُ كالضوء طليقا
ونديّا كالزنابق
تائها بين ضفافٍ وحدائق
لكن الإشكال يثور ثانية عندما يتحول العاشق إلى مخاطبة معشوقه بصيغة الأنثى بعد أن وجه لوعته وبث انسحاره طول المقطع الأول إلى معشوق مذكر :
لم أكن أعرف ما معنى الهوى
دفء اللقاء
ثم أبصرتكِ في ذات المساء
قلتُ : إن الليل عاشق
فلماذا أنتِ من دون النساء
سكب الليل على خديكِ أقداح أصيلٍ
وضياءً من قناديل السماء ؟
  
  
  
  
  
محاولة في التفسير النفسي لظاهرة الغزل المعاكس
--------------------------------------------------
فما معنى أن " يلعب " الشاعر هذه الأدوار المتنوعة في " نص " واحد ؟ ما هو السر الذي يدفعه إلى أن لا يكتفي بتلبس صوت وهوية الأنثى في نص ما ويخاطب محبوبا مذكرا ، ولكن يتلبس صوتين وهويتين : أنثوية وذكرية يخاطب فيهما معشوقا ذكرا ، ثم معشوقة أنثى في نص واحد ؟ . يجب أن نتفق أولا على حقيقة جوهرية وشديدة الحسم وهي أن الشاعر ليس " كاتب عرائض " " عرضحال " أو " عرضحالجي " كما يقال في الحياة اليومية ، يأتي المشتكي إليه ليجلس بجواره ويعرض أمامه معاناته ، فيقوم الشاعر بتصويرها بأمانة عالية وبصورة تعبيرية فنية مؤثرة إلى حد أن المشتكي يبدأ بالبكاء غير مصدّق أنه كان يتحمل كل هذا الضيم الذي صوره الكاتب / الشاعر مثلما تصوّر ذلك الطرفة الشعبية المعروفة !! كل ما يصوّره الشاعر لن يأتي إلا بعد أن ينفعل به ، وهناك آلاف المشاهد والحوادث التي يعيشها يوميا بلا أدنى تأثير في مشغله الشعري ( في روحه / في لاشعوره ) . مجسات لاشعور الشاعر تلتقط ما يحرك مؤشراتها .. ما يؤثر فيها ، وبصورة أدق ما يحرّك مكبوتاته ويلمس العقد الحساسة فيها ويهيجها . ولكن هناك أمر بالغ الأهمية لا يتسلح به الكثير من النقاد الذين لا يدركون مكونات البنية اللاشعورية للفرد البشري عموما وللشاعرخصوصا وترتبط بها استجابة الشاعر للتجارب التي تحرك مكبوتاته وتهيج رغباته وهي أن هناك ظلا أنثويا في شخصية الشاعر الرجل ( مثلما أن هناك ظلا ذكوريا في شخصية الشاعرة المرأة وسنركز على الرجل للتبسيط ولديمومة اتساق السياق ) . وقد تلمس الفكر الأسطوري هذه الحقيقة بصورة أولية حيث شاعت في الكثير من الأساطير تصورات توحي لنا بأن الإنسان الأول قد جمع في كيانه خصائص الجنسين . ويبدو هذا الإفتراض واضحا في مخلفات حضارية قديمة في بلدان عدة كالشرق الأوسط والصين وأفريقيا وغيرها من البلدان التي تُظهر بأن هذه شعوب هذه الحضارات قد جمعت الذكر ةالأنثى في هوية ثنائية وفي جسد واحد وعبدتها كآلهة لها . ولعل أقدم تجلياتها هي الآلهة ( عشتار ) التي عبدت في العراق القديم والتي صوّرت لها بعض مظاهر الرجولة والأنوثة في آن واحد . وقد جسدت الأساطير اليونانية القديمة فرضية ثنائية الجنس بشكل أدق وأكثر رومانسية وذلك بالأسطورة المعروفة بأسطورة " هرم أفروديتوس - hermoaphroditus " والذي كان إبنا للإلهة " هيرميس " والربة " أفروديت " ، وكان " هرم أفروديتس " جميلا جدا ، نصفه ذكر ونصفه أنثى . وطبقا للأسطورة فإن الحورية " سلمسيس " هي التي كانت سببا في " ثنائيته " حيث وقعت في حبه عندما كان ذكرا ، ومن فرط حبها له وخشيتها من فراقه فقد طلبت من الآلهة أن لا تُفرق عنه أبدا ، فاستجابت لها بأن جمعت بين الإثنين في جسد واحد . وقد خلد الأغريق مفهوم هذه الأسطورة في أعمالهم الفنية كالنحت وفي آدابهم . ومن ذلك ما أشار له " أفلاطون " في إحدى محاوراته " السمبوزيوم - symposium " بقوله :                                                     ( كان هنالك في الماضي ثلاثة أجناس لا جنسين كما هو الآن الذكر والأنثى . أما الثالث فقد اشترك بطبيعة الإثنين ثم اختفى غير أن الإسم قد بقي ) . ويقول أفلاطون على لسان " أرستونانيس " بأن الإنسان خلق خنثيا جنسيا ومزدوجا كليا ( له أربعة أيد ووجهان .. يدور على نفسه كالبرميل .. يرى أمامه وخلفه .. غير أن هذه القوة الخارقة لم ترض الآلهة وقضت بتكليف الإله " أبولو " أن يقطعه إلى نصفين فقام بالمهمة الجراحية ) ( علي كمال - الجنس والنفس ) .                                                                                                         ( الإنسان الذي تحطم إلى إثنين يتألم ويموت . والخنثى ، المذكر والمؤنث معا ، أي الكامل ، يحيا حياة أبدية . ذلك هو " النمط الأولي " - حسب " يونغ " - الذي تنشأ منه قصص خرافية وكثير من أصناف الحب . وكل ذلك يتجسد في قصيدة " بودلير " المحزنة :
يا بنيّتي .. يا أختي
فكّري بـ عذوبة
الذهاب إلى هناك نعيش معا
نحب على مهل
نحب و نموت
في البلد الذي  يشبهك
لنشرح هذا المقطع :
يا اختي ، الجزء المؤنث من ذاتي الذي أبحث عنه بحنين ، فكّري بـ العذوبة التي تملأ كياني إذا استطعت تحقيقك في ذاتي ، وإذا أصبحت على هذا النحو كاملا ... بمقدوري عندئذ أن أموت وأنا أحس بأنني خالد ومتألق كالإله ، فأعود إلى البلاد التي تشبه المرأة ، إلى اللاشعور السعيد ، إلى الأم الكبرى التي تغلّف إلى الأبد ) ( راجع كتاب المحلل الفرنسي " بيير داكو " - انتصارات التحليل النفسي ) .                                                                            وحتى أسطورة الخليقة ( طرد جدنا آدم من الجنة ) يمكن أن يُنظر إليها من مقترب مماثل ولكن معاكس . فحواء قد خُلقت من ضلع آدم الأيسر ، بمعنى أنها أم أو أخت ( تعبير محارمي فرويديا ، ونموذج بدئي كأم كبرى حسب يونغ ) ، ويأتي الإنفصال ليمثل تمزق الشخصية الموحدة حتى أن آدم واقع حواء وكـنه لا يعرف صلته الحميمة بها . وهذا ما خشي منه السماوي وهو " ينرعب " بصورة مفرطة من مجرد التفكير بقبلة من حسناء " بندة " :
وعاتبني فمي : أيجوز قتلي
على عطشٍ .. وفي عيد اصومُ ؟
فدعني أستقي من نبع شهدٍ
ليعسل في دمي صاب صميمُ
وكدت أقول : لا نسكا ولكن
مخافة أن يُقال فم ذميمُ
وخشية أن تعيش فما طريدا
كـ " آدم " حين أغواه الرجيمُ
وتوصف الذكورة بأنها : فاعلة، نافذة، ثاقبة ، مخصِبة ، عدوانية ، عقلانية ، مفكّرة ، صلبة . في حين توصف الأنوثة بأنها : مرنة ، نَفوذ ، خصيب ، لاعقلانية ، حدسية ، عاطفية ، حنون ، وديعة ، حفيّة . وتنطوي كل شخصية إنسانية على صفات مذكرة وعلى صفات مؤنثة . فالرجل المتوازن يتصف معا بأنه فاعل ومرن ، عقلاني وحدسي ، صلب وحنون ، عدواني وحفيّ .. إلخ . والرجل يحتوي على ظل أنثوي - anima في شخصيته ، أي أنه ذو صفات مذكرة شعورية وذو صفات أنثوية لاشعورية ( الشخصية الأنثوية ) ، وتكون المرأة ذات صفات أنثوية شعورية وذات صفات مذكرة لاشعورية ( الشخصية المذكرة ) . ويتمطهر هذا الظل الأنثوي في صورة المرأة الفاتنة التي لا تقاوم ( القمر العسيري ) أو التي تستولي عليه وتضيّعه ( صبا نجد ) ، والأهم في ذلك أن هذا الظل قد يدفع الرجل الشاعر إلى البحث عن " التكامل " مع أنموذج ذكوري يحمل السمات الأنثوية ( يا بعيد الشرفات أو زرني خيالا عابرا ) ، هذا لكي نحسم معضلة التغزل بالأنثى في صيغة ضمير المذكر المخاطب أو الغائب ، ومعضلة " الغزل المعاكس " ( يا من عيناه تظلّلني ) حين يتلبس الشاعر الرجل مشاعر وصوت الأنثى . فكل هذه الأصوات هي اصوات أصيلة تفرضها البنية اللاشعورية للشاعر . وبالمناسبة فإن هذا الأمر ينطبق على فعل الناقد مع الحاجة لجهد استثنائي ، نقدي وتحليلي ،
التفسير النفسي .. تطبيق على سيكولوجية الناقد
------------------------------------------------
الناقد هو الآخر يمكن أن يقع تحت تأثيرات ظله الأنثوي ( أو الظل الذكوري بالنسبة للناقدة الأنثى ) . فبالنسبة للقصيدة الأخيرة ( يا من عيناه تظلّلني ) والتي وصفتها الناقدة القرني بأنها من نماذج الغزل المعاكس أي تغزّل المرأة بالرجل في نصوص موقعة بأسماء رجالية - ص 204 ) ، فإننا نجدها - أي الناقدة - تضعنا في مواجهة استنتاجات متناقضة . لنمضي مع النص منذ البداية لنكون صورة متسلسلة ومتناسقة تخدم استنتاجاتنا :
أمّي .. وشقيقاتي .. وأبي
سألوني عنك ، فلم أجبِ
نطقت عيناي ، وما نطقت
شفتي وحيائي شهّر بي
أطلبت يدي ؟ خذها فأنا
أسلمتك عيني.. لا هدبي
أي أن هذه الفتاة قد كشف خجلها ميلها نحو الرجل الذي تقدم لخطبتها من أهلها وهم يسألونها عنه كما هو معروف في مجتمعاتنا . وهي تحب رجلها حدّ أنها تقدم لها عينيها لا هدبها تعبيرا عن اقصى الحب . وتسلمها فؤادها الطفل :
وفؤادا طفلا كوثره
إبمان وأخلاق العرب
إلا أن القرني ترى - وهي محقة - أن هذه الإطلالة مفارقة لجو النص العام حيث تقول :            ( إذ لا تتناسب جهارة الفخر في " إيمان وأخلاق العرب " مع وداعة الفؤاد " الطفل " في الشطر الأول ، ناهيك عن مفارقتها للغة الموقف إجمالا ، وكان من الأنسب أن يُقابل الشطر الأول بتصوير ينتهي بمفردة " الشغب " أو " الطرب " .. إلى غير ذلك من بدائل ، وقس على هذا قلق الصورة في : " كالنجمة في حضن السحب " ، ثم اصطباغها بنبرة العنف في :
أطلبت يدي ؟ يا من فمه
ويداه وخافقه طلبي
.. فهذه اللغة " المتنمرة " لا تلائم حداثة تجربة الساردة في التواصل مع الآخر / الرجل ، ولا موقف تغنيها الرومانسي الهامس ولكنها من خيانات إرث الشاعر ، بل من دلائل وفائه لذلك الإرث المتأصل نزفا وعزفا - ص 206 ) .                                      
لقد كان إعلان الفتاة العاشقة المتيّمة بأنها منحت حبيبها فؤادا طفلا ترعرع على إيمان وأخلاق العرب ، أمرأً ينسجم مع شدة الخجل الذي جمّد التعبير على شفتيها ، ولم تُظهر هذه الفتاة أي مظهر من مظاهر النزق العشقي السلوكي الذي يتطلب أن يقوم الشاعر - كما تريد الناقدة - بإنهاء شطر البيت بمفردة تدل على الشغب أو الطرب .. فهي لم تندفع اندفاعة حسّية هوجاء تضفي جو الشغب على الموقف .. والشغب يختلف كثيرا عن الطرب .. لقد كانت في حالة نفسية طروب لا شغوب .. فهي فرحة " شرعا " بحبيب جاء يثبت صدق نواياه ويطلب يدها من أبيها . أما أن لغة هذا البيت مفارقة للغة الموقف إجمالا فهذا صحيح ، ولكن بصورة استباقية ، لأننا بعد هذا البيت ، وليس قبله ، نشعر بالتهاب مشاعر الفتاة العاشقة واحتدامها و " تنمّرها " :
يا من عيناه تظللني
إن سرتُ بأفياء الوصب
أتعبت خيالي يا حلما
أضناني ، يا حلو التعبِ
فمن هنا يبدأ " التنمر " العاطفي " .. وخصوصا حين تبدأ العاشقة بسرد قصتها مع صديقاتها وهن يشاهدن السلسلة الذهبية ذات الحرف الغريب معلقة في جيدها ( وقد سألت يحيى السماوي عن قصة هذه القصيدة فقال إنها عن فتاة تعلقت به أيام الدراسة الجامعية وكانت تضع في رقبتها سلسلة فيها الحرف " ياء " .. ) :
بالأمس رأيت صديقاتي
يهمسن فحاصرني غضبي
أبصرن الحرف على صدري
يزهو في السلسال الذهبي
سألوني عنه فقلت لهم :
" حرف " قد فرّ من الكتب
واختار الجيد له سطرا
وبساتين الصدر الرحب
وهذا هو التنمّر الحقيقي حين تحدث فتاة حديثة التجربة صويحباتها عن الحرف الذي استقر على سطور بساتين الصدر الرحب . ثم يأتي الإتساق الفني الرائع بين الصور التي تصف بها المتيّمة إنسحارها بـ " حرف " حبيبها وكيف أنها عندما تتعب من التحديق إليه وتغفو على حلم عذب فإن الصبح يلقيه على شعرها الأسود فيهفو مثل النجمة في حضن السحب .. فيلهو كالعصفور المنبهر بمرايا شهبها . هنا تتسق البنى الفضفاضة الهشة من حلم وذكرى كالبريق المتذبذب للنجمة وهي تحتضنها السحب وكترددات الضوء على مرايا الجسد .. وكبريق البياض القليل في حضن السواد الكثيف ( الحرف الذهبي المبهر في أحضان الشعر الغجري الأسود ) :
فإذا ما تعبت أحداقي
وغفوت على حلم عذب
ألقاه الصبح على شعري
كالنجمة في حضن السحب
يلهو ببراءة عصفور
منبهرا بمرايا شهبي  
إنه  قلق الصورة الفني .. المتناغم المحكم .. لكن المتناشز مع قلق عيننا النقدية النفسية .. هذه العين حين تخضع لأحكام واقعها النفسي / الشعري لا واقعها الموضوعي النقدي . هذا الواقع النفسي الذي يجعلنا كنقاد نعمّم ، في ردة فعل متحمسة وعنيفة ، استنتاجنا على كل إرث الشاعر الخياني : ( ولكنها من خيانات إرث الشاعر ، بل من دلائل وفائه لذلك الإرث المتأصل نزفا وعزفا - ص 206 ) ، ثم ، وبفعل الحقائق الشعرية / النفسية المستفزة التي أمسكنا بها ، نعود لنشهر عفة الشاعر و " بتوليته " :                                                                       ( تتجلى هذه التي يستغني الشاعر بـ " قليلها " عن كثير الأخريات أبرز من كل محاولات الإستخفاء والإخفاء ، وأجمل من أن تُغض عن ألقها عين كل ذي حس ، هي متمثلة للشاعر بكل سبيل ، مطلة في أصدق وجدانياته التي تضمنتها دواوينه - بدءا من الديوان الثاني - حتى بلغ من طغيان وجودها درجة أن تستأثر بجل مادة ديوانه " قليلك لا كثيرهن " إذ كانت قبلة خمس عشرة قصيدة من قصائده الإحدى وعشرين ، وكان من بينها ما ينبيء عن انكشاف أمر تعلقه الأبدي بها / واحته الزهراء في مقابل التمظهر الآني للأخريات - ماريّا صاحبة المقهى المشار إليها في المبحث السابق مثلا - بحيث رُصدت بموقف الحبيب الآثر والأوحد والآجل - ص 208 ) .


حسين سرمك حسن

الأحد، 19 يونيو 2011

الوطن في غربة الشاعر العراقي يحيى السماوي


الوطن في غربة الشاعر العراقي يحيى السماوي
استراحة المغتربين 




إذا أردت أن تكون شاعرا فيجب عليك أن تكون أولا عراقيا..هذا ما شهد عليه الشاعر العربي الكبير محمود دويش ، وعندما تذكر الغربة شيئا بديهيا بدا إلآ أن تكون لشاعر عراقي هجر وطنه وأهله وملعب طفولته ونهر بغداده وتمر بصرته ، من أحمد الصافي النجفي إلى الرصافي إلى الجواهري مرورا بالبياتي وبلند الحيدري والنواب وسعدي يوسف وغيرهم ، وكأنّ الغربة باتت وقفا ً على شعراء الرافدين ، الذين رفدوا الأدب العربي بجداول من معينهم الصافي تبقى رقراقة لا تنضب مع الزمن .
وشاعرنا اليوم هو امتداد لهؤلاء العظام من شعراء عراقنا الحبيب ، إنه الشاعر الكبير يحيى السماوي صاحب ( عيناك لي وطن ومنفى ) رماد حروف مشتعلة كتبها الشاعر بدم القلب ، والذي لا يحتاج قارئ هذا الديوان إلى عناء ليكشف عن موهبة شعرية متميزة ، وتجربة فنية ناضجة .
بدأ الشاعر تجربته الشعرية في بداية السبعينات الميلادية مع ديوان ( عيناك دنيا ) تلاه الديوان الثاني ( قصائد في زمن السبي والبكاء ) وبعد صمت سنوات امتد حتى عام 1993 فأصدر ديوانه ( قلبي على وطني ) وديوان ( جرح باتساع الوطن ) .
ويعزى انقطاع شاعرنا عن النشر في فترة الثماينات إلى ظروف سياسية ، إذ يبدو أنه غادر وطنه العراق هاربا من سطوة الحكم الاستبدادي ، وقد حفرت سنوات المنفى والتشرد في نفسه أعمق الالام ، غير أنها في الوقت نفسه ، فجّرت فيه ينابيع الشعر الخفية ، حتى أمسى الوطن عنده معشوقة تتمنع عليه .. أو جنة موعودة له ، يحلم بالعودة إليها ، بعد أن اختار استراليا وطنا للإقامة قادما اليها من السعودية التي دخلها بعد فشل الانتفاضة في آذار عام 1991.
ديوانه السادس ( عيناك لي وطن ومنفى ) يضمّ بقايا رماد حروفه المكونة من ثلاثين قصيدة ، تجمع بين الشعر العربي الموروث والحداثة .. فالقصيدة عنده برزخ بين الأصالة والحداثة . ويؤكد الأستاذ عبد اللطيف الأرناؤوط في هذا السياق أن :" الشاعر السماوي لا ينحاز إلى أي مذهب أدبي ، أو اتجاه فني معين ، فله من أصالته وثقته بنفسه ما يعصمه عن التقليد والإحتذاء ، فهو شاعر مبدع يعرف كيف يختار تجارب الآخرين ويصبغها بطابعه الذاتي وبداعته الفائقة في حسن التناول و براعة الإختيار " .
والشاعر السماوي يحاول من خلال أشعاره في غربته أن يقدم شعرا ً معارضا للديكتاتورية مقاوما للإحتلال يقوم على غنائية محببة ، ونظم عمودي وتفعيلي بعيد عن الخطابية ، مثلما هو بعيد عن تقليد شعراء النخبة التي أسلفنا ذكرها ، وهو من خلال ذلك يريد العودة بالشعر إلى عفويته الأولى عبر وضوح ٍ وسهولة ٍتعيدان الإتصال بين الشعر والشعب .فشعراء المقاومة كثر ، أمثال لويس آراغون وبول إيلوار وخير الدين الزركلي ، هؤلاء الذين أججوا روح الثورة لدى شعوبهم وأعطى كل واحد منهم أروع ما عنده في الحب الغنائي .. والسماوي واحد من هؤلاء بل تماهى في ذلك حتى غدت المرأة عنده هي الوطن ، والوطن يطل من عيني المعشوقة ، هو شاعر الحب ، شاعر اليدين الممدودتين إلى الوطن لأنهما إذ تحتضنان الوطن إنما تحتضنان ذات الشاعر التي ذابت متماهية بذات الجماعة .. وها هو يقول :
عَجـِبْت ِلأنَّ بعضا ً من عَـناء ِ
يكـادُ يـغـُصُّ يـا ليلى بـمــاء ِ ؟
فكيف بعاشِـق ٍ في دار منفى 
يكاد يَغـُص ُّ حتى بالـهـــواء ِ ؟
كثـيـر ٌ عاشـقو ليلى .. ولكن
قـلـيـل ٌ مَنْ يُـشـابهني بـِدائي 
كأني قد حسـبـتُ الكونَ ليلى 
وكـلّ الأخــريات بـلا بـهــاء ِ
وليلى لم تـكن لـيـلى .. ولكنْ 
أكـَنـّي باسمها خبزي ومائي
وبيتٌ في السماوة وهوطينٌ
ونخلٌ ينحني فـرط َالحـَـياء ِ


ولا يخفى أنّ ليلى المحبوبة لدى الشاعر هي الوطن الأم " العراق " الذي يهيم به كما هام المجنون بليلاه .. ومع أنه ابتعد عن وطنه مرغما ً وحاول أن يُغـَيّـِب صورة وطنه التي تبعث في نفسه الألم والحسرة ، إلآ أنها كانت تتسرب إلى روحه ، وتحتل قلبه .. يقول :
لأني أحِـبُّـك ِ من دون حَـدّ ِ ..
لأني تحَدَّيْـتُ فيك ِ التحَـدّي ..
لأنك عندي بساتينُ عشق ٍ
وأنهارُ وجد ٍ
وأقمارُ مَـجْـد ِ
يقولون عني عزيزٌ أذلّ الهوى مقلتيه
فضاع على ورد ِ ثغر ٍ .. وأشذاء ِ خـَـدّ ِ
يقولون … لكنْ :
رضيتُ التحدّي
لأنك كالشعر والماء ِ
كالخبز عندي
ويضيف :
وحاولتُ أنْ لا أحبّك ِ يوما ً
فخاصمْـتُ عينيك ِ.. طيرَ الكـنـار ِ ..
سكبْتُ على بيدر ِ العشق ِ مَـقـْـتـي
وغـَيَّـرْتُ دربي .. ولون القناديل ِ ..
شكلَ المسـاء ِ ..
وأجْـراسَ صوتي ..
وأسْـدلتُ كلَّ السَـتائر ِ كي لا أراك ِ
وأغلقتُ بابي وشـُبّـاكَ بيتي ..
وهاجرتُ عن شرفة ٍ أنت ِ فيها
وعن كلّ شيء ٍ أسَـمِّيه ِ" أنت ِ " ..
وقلت انتهيتُ أنا .. وانتهيت ِ ..
فمن أينَ جئت ِ ؟
جميع النوافذ مختومة ٌ بالظلام ِ
فمن أين جئت ِ ؟
كما أن شاعرنا لم ينسَ دور الزوجة الوفية التي شاركته غربة الوطن والتشرد والتي كانت قد قاسمته لقمة العيش في الوطن .. يقول :
لِـفاتِـنتي ملامحُ غربتي
ولها ارتعاشُ العشب ِ تحتَ سنابل ِ الأهدابْ
وفاتنتي تناديني
سميرَ الياسمين ونادلَ الأحبابْ
وفاتنتي لها ـ كأبي ـ أبٌ مُـتَعَـثـّرُ العكــّاز ِ
يحرسُ نخلَ بسـتان ٍ
ويوقدُ في المساء ِ وجاقه القرويَّ
يطحنُ قهوة ً بالهيل ِ للأصحابْ
ومثلي : جرحها كوخ ٌ عراقيٌّ بلا أبوابْ
تـُقاسِـمني رغيفَ الحزن ِ .. كأسَ الدمع ِ
تعجـِنُ صَـبْـرَها قمرا ً خـُرافِـيّـا ً
تـُكـَحَّـلُ بالصلاة القلبَ والعينين
هذا ولم يكن شاعرنا بعيدا ً عما يجري على أرض الوطن الأم من حروب إلى حصار أنشف العروق وأجدب الحرث وأقفر أرض السواد .. يقول :
تـَعِـبنا يا عـــراقُ .. وأرهـَقـتـْنـا
رحى الأيـــامِ .. أدمـَـنـّا الحِـدادا
أرى عشـراً مَـضينَ ولا صباحٌ
يُـزيـلُ بـنور طـلعَـتِـه ِ السَّــوادا
ويعود شاعرنا بذاكرته قليلا إلى الوراء ويحاول أن يتذكر ذلك الوطن العظيم لكنّ الحرقة والحزن تغشيانه .. فيقول :
وطني ؟ يُـقـالُ بأنَّ ليْ وطنا ً فـما
أبـصرتـُه ُ إلآ وقـَيـدي في يــدي
أغـفـوعلى رمح ٍ يُغِـلُّ حشاشـتي
وإنِ ِاسْـترَحتُ على وثير ِ المقعَد ِ
يتذكر طاغـية البلد وما عمله بالعراق من استبداد وظلم وقهر وتنكيل ، وأنّ هذا الظالم من أهل هذا الوطن :
أعــداؤنا مِــنـّا .. لـهـم فـي حـقـلـنـا
دغلٌ خبيث الجذر في العشب الندي
فاضـتْ عـواديـهم عــلى عـُوّادِنــا
فاسْـتطعَـمَـتْ قـلبَ الأخ ِ المُـتـَوَدِّد
أيكون عدلا ً سَـبيُ ذات ِ مــروءة ٍ
ويـصـانُ في وضح النهارالمعتدي ؟
لكنه يتفاءل بأنّ هذا الظلم سيزول وأنّ مسيرة النضال سَتدك عروش المارقين وظلمة الشعوب :
وأضـاءني وعــدٌ بــأنَّ مـســيـرة ً
بغـَد ِ العراق ِ تدكُّ عـرشَ المُـفسِد
فتـَمَرَّدي حتى نـُزيل َ بـروجَـهـم
فالخير ُ يا بغــداد أنْ تـتـمـرَّديِ
وها هو عراق الشاعر ينتصر على طاغيته بعد كل مافعل ، عاد العراق الوطن الحر الأبي . نعم هذا كان في نهاية الثمانينات وبداية التسعيات .. لكن ما هي قراءة شاعرنا للعراق الحاضر .. العراق الذي يرزح تحت الاحتلال وما يجري به من سوء حال ودمار ؟ يقول شاعرنا اليوم :
أغمضـتُ عن شـجر الهوى أحداقي
فاسْـكبْ طلاك َعلى الثرى يا ساقي
جفَّ الصداحُ على فمي وتخـثـّرَتْ
لـُغـتي وأضـْــرَمَ زنـْـدُهـا أوراقــي
وتـَعِبْـتُ من صـوتي أنادي لاهِــثـا ً
وطني .. ونخلَ طفولتي .. ورفاقي
ويضيف :
غـَرَسـوا الـظلامَ بـمـقـلتي فتعطلتْ
شـمـسي ونـافــذتي عـن الإشــراق ِ
الـمـُطـلِـقـون حمائمي مـن أسـرهـا
شـدّوا الـفضـاءَ بألـفِ ألـف ِ وثـاق ِ
فــإذا بـتحـريـر ِ العـراق ِ ولـيـمَـة ٌ
حَفلَتْ بما في الأرض ِمن سُـرّاق ِ
ما العُجْبُ لو خانَ الفؤادُ ضلوعَهُ؟
إنَّ الذي خان العــراَ ق َ عـراقي !
ويتساءل شاعرنا عما يجري على أرض العراق في هذا الواقع المرير ، يتذكر بغداد الرشيد وما أورثت عبر تاريخها العريق .. بغداد التي كـحَّـل السماوي عيونه بطين دجلتها والمرود كان عـُصيَّـة ً من سعف نخيل بساتينها .. يتساءل :
هل هـذه بغـدادُ ؟ كـنـتُ عـرفـتـُهـا
تـأبى انـقـيادا ً لـلـدخــيـل ِ الـعــاق ِ
ورثت عن المنصورصهوة عزمه
وعـن الحســيـن ِ مـكارمَ الأخلاق ِ
هذا عراقـك ياعصـورُ كـَبا بـه ِ
عَـسَـفٌ وأطـماع ٌ وفأسُ نـفـاق ِ
صدقت ورب الكعبة يا " سماوي " ..
وهكذا نرى أنّ الكلمات لدى الشاعر العراقي الكبير يحيى السماوي ، مؤثرة بما تحمل من شحنات شعورية قوية ، فهي تهز الوجدان ، وتـُشـعر الروح بالطمأنينة . ويبدو جليا كمبدع ، تمكنه من انتقاء كلماته ونظمها في نسق موح ٍ ، فالقصيدة في مفهومه ، ليست صورة فوتوغرافية للعالم كما هو كائن ننشرها في صحيفة أو كتاب ، بل هي صورة لما يجب أن يكون عليه العالم .. صورة يبدعها الشاعر مستعينا بالبيان عبر محاولة لتجديده وإحياء ما انطفأ منه .
إن شعر يحيى السماوي يشكل إضافة جديدة للشعر العربي المعاصر ، تنير للأجيال دروب حلّ المعادلة الصعبة بين الإستسلام لتقليد الوافد الجديد أو الركون إلى سحر التراث .
أخيرا أختتم هذه الإضاءة بهذا النبض المقفى للشاعر يحيى السماوي :
مَـنْ يـنـقـذ الغريب َ من غـربته
ومَـنْ يُـعيد للبصير ِ الضوءَ ..؟
منْ يَـسْـتل ُّ من خاصرتي خناجر الفراقْ ؟
ذا جسدي يسكن في جدة يا حبيبتي
لكن روحي تسكن العراقْ

ثقافي المزة يقيم أمسية شعرية لكل من سليمان السلمان , صقر عليشي و يحيى السماوي




ثقافي المزة يقيم أمسية شعرية لكل من سليمان السلمان , صقر عليشي و يحيى السماوي








 أقام المركز الثقافي العربي بالمزة أمسية شعرية ضمت كلاً من الشعراء : سليمان السلمان ، صقر عليشي و يحيى السماوي.


ألقى خلالها سليمان السلمان قصيدتان واحدة تتحدث عن الهم الفلسطيني و الثانية غزلية يصف فيها مفاتن الأنثى.


أما الشاعر صقر عليشي فقد تألق أيضاً بقصيدتين الأولى تستنطق الأشياء و الكائنات عن طريق حواريّة الذيل وما له من فوائد مسقطاً رؤيته و سخريته وما يود قوله من خلال توظيفه للذيل حتى على بعض البشر الذين يلوحون به على الرغم من أن ذيولهم فضلت الاختفاء!!


كلّ ذلك قاربه لنا بسخرية لاذعة ومريرة ولكنها متفائلة . فأطلق العنان لطاووس حكمته ليتحدث عن الإبرة و ذيلها ، والطائرة ، و العقرب ، والثور ، والشاة، وكل حسب ذيله يقيس صقر عليشي وظيفة تؤهل ذيله لاحتلال مكانة بارزة ..!!


و ثمة بطولة أيضاً يعيشها صقر عليشي وهو يلاحق أسراب الجميلات العابرات به وهو المراقب الساكن الصامت المعلن لذلك بقوله : 


لكم تركتني الحياة وحيداً
أمام جميلاتها ، أتمرمر
ولم أتأفف...
ولو مرة ...
ولم لأتذمّر ...!


أما الشاعر يحيى السماوي . القادم إلينا من القارة الاسترالية ، أو لنقل بأنّه العراق الجريح المهاجر بروحه بكل مافيه من مآسي و قتل و تدمير فتعلن تلك الروح تذمرها و إضرابها لاجئة في أكثر الأحيان إلى الصراخ في وجه الطغاة كيفما كانت أشكالهم وجنسياتهم و ألوانهم. 


إذاً يحيى السماوي ذلك الطير الجريح من الوريد إلى الوريد يفتح أمامنا جراحه عدّنا نقتسم معه بعض الألم أو ليأخذنا إلى مكامن المشكلة ونشاركه بالحل. فالشاعر يحيى السماوي له رؤية تقدمية جديرة بأن يفرق أبناء البلد إلى طوائف و قبائل و زمر . فالوطن هو الأبقى لديه كما الإنسان هو الأغلى .


كل ذلك قدّمه يحيى السماوي بلغة ساحرة و قادرة على إيصال ما يريد قوله ذلك النخلة المقتلعة من أرض الرافدين و المزروعة في مشاتل قلوب قرائه و محبيه .


ليتخذ كل واحد فينا من رطبها. ما يستفزنا على الوقوف في وجه الطغاة و الظلم و القهر الذي تعاني منه البشرية.






دمشق - رهف جنيدي

السبت، 18 يونيو 2011

قراءة نقدية في حلم ولا أبهى للشاعر يحيى السماوي





هيام قبلان   
أشْرَكتُ فيك ِ .. ولسْتُ بالمُتأثّـم ِ
فالشِركُ في الأحلام ِ غيرُ مُحَـرَّم ِ
خاط َ الكرى جَفني ونادَمَ مُقلتـي
حُلُمٌ بمِثـل ِ نعيمِـه ِ لـم أحلـم ِ
حُلمٌ وددتُ العمرَ فـي فردوسِـه ِ
لا صحوَ إلآ حين يُنصَبُ مأتمـي
يَمّمْتُ حزمي نحو شرفـةِ بيتِهـا
بعفافِ قِدّيـس ٍ وشـوق ِ مُتيّـم ِ
وجنوح ِ مخبول ٍ وحكمة ِ عاقِـل ٍ
وبعُسْر ِ محروم ٍ ويُسْـرِ مُنعَّـم ِ
فوجدتها بين اثنتين ِ ... عرفتهـا
من عِطرِ أنفاس ٍ ومِعْضدِ مِعصَم ِ
ومن انزلاق ِ لحافِها عن خصرها
فرط َ المَلاسَة ِ دون باقي النّـوَّم ِ
ذُعِرَتْ فأطبَقَ فوق زنبق ِ ثغرهـا
ثغري فلم تصـرخْ ولـمْ تتكلّـم ِ
وسّدْتُها صدري بحضن ِ سحابـة ٍ
هَرَبا ً بها بين الثـرى والأنجُـم ِ
وغسلتُ بالقبُلات ِ مَهْبَط َ جيدِهـا
غسْلَ الندى للورد ِ غيـر ِ مُلثّـم ِ
معصومة ُ النهدين ِ لـم يلثمْهمـا
إلآ حريرُ الثوب ِ فـوق المِحْـزَم ِ
أثِمَ القميصُ فكـاد يجـرحُ وردة ً
حمراءَ أنضرَ من خدود ِ البُرعُـم ِ
فرّتْ يدي رغما ًعلـيّ ومَسّـدتْ
ياقوتة ً .. لكنْ : بعِفّـة ِ مُحْـرِم ِ
وشمَمْتُ ريحانا ً وعِطرَ سَفَرْجَـل ٍ
ففمي وقلبـي يمرعـان ِ بمَغنَـم ِ
لو تعرفُ الزهراءُ شوقَ ظميئِهـا
لرحيقِ كأس ِ زهورها لم تفطِـم ِ
بخلتْ وتدري أنّ خبـز سطورِهـا
زادي بصحن صبابتـي وتهَيُّمـي
دخلتْ بساتيني فأنْضَـجَ خطوُهـا
التينَ والزيتونَ قبْـل الموسِـم ِ !
قدسيّة َ العينين ِ ناسِكـة َ الفـم ِ
رفقا ً بسادِنِك ِ الأسير ِ المُغـرَم ِ
لا تحـذري نـاري فـإنَّ لهيبَهـا
لا يسْتَطيـبُ ضرامُـهُ إلآ دمـي
خَطَبَتْكِ أعماقي فحاضـرُ مَهْرِهـا
قلبي وأحداقي .. وغائِبُهـا فمـي
إنْ تطلبي الرُّطَبَ الجنيَّ وشهـدَهُ
هزّي بمبسمِك ِ المُطَيَّب ِ مبسمـي
النارُ جائعـة ٌ .. فهـلْ أطْعَمْتِهـا
أشواكَ أمسي في الزمان ِ الأقدم ِ ؟
زفَّ الهوى قلبي إليك ِ فزغـردتْ
روضٌ وباركت ِ الطيـورُ ترنّمـي
لا توصدي المحرابَ عن مُتبَتِّـل ٍ
والنهرَ والينبوعَ عن صَبّ ٍ ظمـي
قد جئتُ منهلَكِ العذوبَ مُضَرّجـا ً
بالجمر ِ رفقا ً بالظميء المُسْلِـم ِ
حسبي حججتُ فهل يجوز لناسِـكٍ
صلى الوداعَ بغير شِربة ِ زمزم ِ ؟
***
 يحيي السمـاوي



يحيى السماوي الشاعر القدير المحلّق بين حلم وأرض،، تحايا لهذه الزمهريرة الحبلى برائحة امرأة وبحجّ ناسك متبتّل، يهوى الجمال والنار مستعرة، وها هي القصيدة تولد من رحم المأساة، من " رحم الحلم" الخالي من الخطايا،، والسؤال الذي يراودني : هل يحاسب الشاعر على آثامه وخطاياه في الحلم ؟؟
أشْـرَكتُ فيك ِ .. ولـسْـتُ بالـمُـتـأثّم ِ = فالـشِركُ في الأحلام ِ غـيرُ مُـحَـرَّم ِ
خاط َ الكرى جَفـني ونادَمَ مُـقـلـتي = حُــلُــمٌ بـمِـثـل ِ نـعـيـمِـه ِ لـم أحـلـم ِ
حُـلـمٌ وددتُ العـمـرَ في فـردوسِـه ِ = لا صـحوَ إلآ حين يُـنـصَبُ مأتـمي

"أشركت فيك ولست بالمتأثّم" : والدفاع عن الاثم ليس رهينا بالحلم فقط وانما بالحياة فمنذ أن تلذّذ آدم بالتّفاحة تحمّل الانسان لحظة الخطيئة , يحمل الاثم على ظهره وكأنه الوطن، وهنا أيها الشاعر الآتي من السماء لتسقط سهوا على الأرض ويختلط الاثم في حلمك مع التراب النازف المعجون بدم الخطيئة، أنت تطرق قضية خطيرة في قصيدتك باعترافك عن المحرّم قبل الحلال، وأسأل هل يا سيدي اقتراف الاثم في الحلم غير محرّم وفي الحقيقة محرّم ؟ وهنا تلبس لغة الخطايا ثوبا من العفاف على " كرسي الاعتراف" أيام الآحاد أمام الكاهن، هي الخطيئة التي تحمّلتها النفس منذ حواء وآدم فهل علينا أن نتحمّل الخطيئة حتى آخر أيامنا ؟؟ ومن المعصوم عن الخطأ،، ولمن الكمال،، فالكمال ليس الاّ لله وحده ونحن التعساء على هذه الأرض ندفع ضريبة الندم والكرى والحلم بدخولنا الى الجنة .
قد أكون قد خرجت من مضمون القصيدة لكنني في لبّ الموضوع لأننا ضعفاء عن قول الحقيقة فنلجأ بضعفنا الى الحلم بخوف ورعشة القديسين من رحمة السماء حتى ونحن ندرك أننا لا نمارس اثما بل هو الحلم الذي لا نحقق فيه رغباتنا الاّ بالتصوّر والخيال :
يَـمّـمْتُ حزمي نحو شـرفةِ بـيـتِهـا = بـعـفـافِ قِـدّيــس ٍ وشــوق ِ مُـتـيّـم ِ
وجـنـوح ِ مخبول ٍ وحكمة ِ عـاقِـل ٍ = وبـعُـسْـر ِ محروم ٍ ويُـسْـرِ مُـنـعَّـم ِ
فوجدتها بين اثـنـتيـن ِ ... عرفتها = من عِطـرِ أنفاس ٍ ومِعْضـدِ مِعصَم ِ

هذا الوصف للقديس بشوقه المتيّم اليها لا يكتمل الاّ بتوظيف الشاعر لمفردات لغوية قد تبدو سهلة وبسيطة لكن لها دلالاتها بالدفاع عن جنوحه " مخبول،حكمة عاقل، عسر محروم، يسر منعّم، عفاف قدّيس، " رد فعل الشاعر حين تتحرك الذات الصغرى فيه ليحاسبها قبل قدومه الى بيتها .
فوجدتها بين اثـنـتيـن ِ ... عرفتها = من عِطـرِ أنفاس ٍ ومِعْضـدِ مِعصَم ِ
ومن انزلاق ِ لحافِها عن خصـرها = فرط َ الـمَـلاسَـة ِ دون باقي الـنّــوَّم ِ
ذُعِـرَتْ فأطبَقَ فوق زنبق ِ ثغـرها = ثـغـري فـلم تصـرخْ ولـمْ تـتـكـلّـم ِ
وسّـدْتُها صدري بحضن ِ سـحابة ٍ = هَـرَبا ً بها بـيـن الـثـرى والأنجُـم ِ
وغسلتُ بالقبُلات ِ مَهْـبَط َ جيدِهـا = غـسْـلَ الندى للورد ِ غـير ِ مُـلـثّـم ِ
يستمر بحلمه وبخوفه الذي يتهاوى حين يراها وهي التي عرفها من عطر أنفاسها وكأنه يعرفها منذ زمن بعيد لينزلق اللحاف عن خصرها، واستسلمت حين (أطبق فوق زنبق ثغرها / ثغري فلم تصرخ ولم تتكلّم)،، وببراعة نلمس في وصفه عملية الشوق بتقديم المؤخّر حين يطبق ثغره (الفاعل) فوق ثغرها ولم يكن أي ثغر بل " زنبق ثغرها"،،ليوسّدها صدره " بحضن سحابة" وانزياح باللغة فقد كان يستطيع الاكتفاء بالحضن لكن السحابة قوّت المعنى الذي أراد ليهرب بها بين النجوم بعيدا عن الأرض حيث مكان الحلم فيغسل جيدها بقبلاته كالندى الساقط على الورد وهنا يزيل عنه جرمه بالاثم باسقاطه غسل القبلات على الندى حين يغسل الورد..!
معـصومة ُ النهـديـن ِ لم يلـثمْهـما = إلآ حريرُ الـثـوب ِ فوق المِـحْـزَم ِ
أثِـمَ القـمـيصُ فكاد يـجـرحُ وردة ً = حمراءَ أنضرَ من خدود ِ البُرعُـم ِ
ومن أروع الصور الشعرية هذه اللوحة البديعة بتصويره " نهديها المعصومين عن الخطأ" ويضيف " الاّ" ليؤكّد بتولية وعفة هذه الأنثى التي لم يلثم نهديها الاّ حرير ثوبها، فيكيل الشاعر للثوب التهم الذي كاد أن يجرح الوردة الحمراء بخدودها المتبرعمة ...التورية في هذين البيتين تخلعنا من الواقع لنشهد الحلم ونتابعه .!
فـرّتْ يدي رغما ًعليّ ومَـسّـدتْ = ياقوتة ً .. لـكنْ : بعِـفّـة ِ مُـحْــرِم ِ
وشمَمْتُ ريحانا ً وعِطرَ سَفَرْجَل ٍ = ففـمي وقـلـبي يمرعـان ِ بمَغـنَـم ِ
لو تعرفُ الزهراءُ شوقَ ظميئِهـا = لرحيقِ كأس ِ زهورها لم تـفـطِـم ِ
بخلتْ وتدري أنّ خـبـز سـطورِها = زادي بصحـن صبابتي وتهَـيُّـمي
دخلتْ بسـاتيني فأنْضَجَ خـطـوُها = الـتـينَ والزيتونَ قـبْـل الـمـوسِـم ِ !
قـدسـيّـة َ العـينين ِ ناسِـكـة َ الـفـم ِ = رفـقـا ً بسادِنِك ِ الأسير ِ المُـغـرَم ِ
لا تحـذري ناري فإنَّ لهـيـبَـهـا = لا يـسْـتَـطيبُ ضـرامُـهُ إلآ دمي

نلاحظ أن لهجة الشاعر وصوته في القصيدة يستمر كالمدافع عن حلمه حيث يقول : " فرّت يدي" وكأنه ليس المسؤول عن يده وكأن يده لم تتحمّل هذه الياقوتة لتمتد اليها تمسّدها،ويضيف لكن " بعفة محرم" كبرهان لدفاعه عن دخوله الى بستان من السفرجل والريحان وهو الظمآن لرحيق كأسها وزهورها التي لم تفطم بعد،،وحين دخلت بساتين شعره نضج التين والزيتون قبل موسمه واختيار الشاعر (للتين، وللزيتون) لم يكن عشوائيا، بل هنا علاقة ما بين الفطام وحليب التين وما بين الطفل الذي ينمو بتجذره تحت ظل زيتونة والتي هي مصدر الغذاء والعطاء والهوية .
"رفقا بسادنك الأسير المغرم" يطلب منها أن تترفق به هو أسيرها : هنا تتبدّل الأدوار فقد كان في أول القصيدة هو من يملك زمام الأمور والآن بدخولها بستانه هي التي تتحكّم بخطواتها فيطيب له أن لا تحذر من ناره لأنه لا يستطيب الاّ دمه،وفي الحالتين بوصفه لها " قدسيّة العينين، ناسكة الفم " يأيتينا الى دهشة المشهد لهذه التي تدخل اليه ولم تطأ قدماها بساتين الهوى قط وانما هي كالناسكة التي لم يلثم ثغرها الاّ هو .
خَطَبَـتْكِ أعماقي فحاضرُ مَهْرِها = قـلبي وأحداقي .. وغائِـبُها فـمي
إنْ تطلبي الرُّطَبَ الجنيَّ وشهدَهُ = هزّي بمبسمِك ِ المُطَيَّب ِ مبسمي
النارُ جائعـة ٌ .. فهـلْ أطْعَـمْـتِهـا = أشواكَ أمسي في الزمان ِ الأقدم ِ ؟
زفَّ الهوى قلبي إليك ِ فزغردتْ = روضٌ وباركت ِ الطيورُ ترنّمي
لا توصدي المحرابَ عن مُـتبَـتِّل ٍ = والنهرَ والينبوعَ عن صَـبّ ٍ ظمي
قد جئتُ منهلَكِ العذوبَ مُضَرّجا ً = بالجمر ِ رفقا ً بالظميء المُسْـلِم ِ
حسبي حججتُ فهل يجوز لناسِـكٍ = صلى الوداعَ بغير شِـربة ِ زمزم ِ ؟

هل سيتم الحلم ؟؟ المهر جاهز وماذا يملك الشاعر غير القلب والأحداق حتى يكتمل المهر يطالبها هو الآن بأن تهزّ بمبسمها مبسمه، ناره جائعة فهل تطعمه من أشواك الأمس؟
ويدخلنا في موكب عرس بطقوسه التي تليق بناسك يحج الى مزار،، فكنا أمام موكب بعرس مهيب حين زفّ الهوى قلبه اليها فزغردت الروض " وباركت الطيور ترنّمي" ان شاعرنا في النعيم واختار له المكان بطقوسه التي يهواها فيخرج عن المتعارف عليه ويكون الشاهد على هذا الزفاف الطيور والروض والنهر والينبوع، هو المكان الذي يأتي اليه ليطفىء لهيبه " مضرّجا بالجمر " وانزياح لغوي رائع منك شاعرنا فالمضرج بدمه للقتيل والجمر من بعده الرماد، فما يزال في حالة من الظمأ التي تدعو الترفّق به ليقول :
" حسبي حججت فهل يجوز لناسك / صلى الوداع بغير شربة زمزم "
للناسك أن يحجّ وأن يطفىء جمرته المحترقة وها هو يؤكد أنه المسلم الآتي الى بئر زمزم لينهل منه ماء صافيا يسترد به ذاته الأخرى حين يعود من الحلم الى الواقع .!
الشاعر يحيى السماوي : كان حلما، لكنك لامست بالحلم الكثير من القضايا التي لا نجرؤ على النقاش فيها بالواقع فهل الاثم ان كان في الواقع كنا سنتحرّر من عبودية الحرف لنطلق لنا العنان بوصفه هذا الوصف البديع الجريء كما فعلت .. أعتقد أن المنافي تؤسس لشعرائها دولة جديدة لا يدخلها الاّ المبدعين الرافضين لطقوس هذا الزمن ولأردية الخيام والقبلية ..،، أحييك