الثلاثاء، 31 يناير 2012

"يا سيدي الحسين"* / يحيى السماوي


أبـا الأحـرار هـلّا  قــمْـتَ فــيـنـا ؟
فــقــد عـمَّ الــبـلاءُ .. ولا مُـعــيـنُ


عُـصِـمْـتَ فـلـيـس تـقـربُـكَ الـظـنـون ُ
كـأنــكَ  لــلــهُـــدى والــدِّيـن ِ :  دِيـن ُ

فــيــا  مَــنْ " حـاؤهُ "  حَـقٌّ وحِــلــم ٌ
ويـا  مَـنْ " سِـيـنُـهُ "  مُـنْـج ٍ سَــفـيـن ُ

ويـا  مَــنْ " يـاؤهُ "   يُــسْـــر ٌ ويَــمٌّ
ويـا  مَـنْ " نـونُـه ُ "   نـورٌ  مُـبـيـن ُ

ويا ابْـنَ (الـدُّرِّ والـذّهَـب ِ الـمُـصـفّى)
ومَــنْ أوصـى بـبـيـعـتِـهِ " الأمــيــنُ " (1)

ويــا  مَــنْ   حُــبُّــهُ  تــقــوىً ورِبْــحٌ
ويـا  مَـنْ بُـغـضُـهُ  خُــسـرٌ  مُـشِــيـنُ

ويــا  مَـنْ أعْـجَــزَ الــدُّنــيــا  بــبَــذل ٍ
غـداةَ اسْـتُـهْـدِفَ " الـحَـبْـلُ الـمـتـيـنُ " (2)

ويـا ابْـنَ الأطـهَــرَيـن ِ : أبــا ً وأمّــا ً
وتـخــشـى نـورَ غُـرَّتِـه ِ الــدُّجـونُ (3)

ويـا  مَـنْ لــن يـكـون لــهُ شـــبــيـهٌ
عـلـى الأرضـيـن مـامـرَّتْ ســنـونُ

حَــبـاهُ الــلــهُ دون الـخــلــق ِ أمــرا ً
يــدومُ الــدّهـــرَ مـادامَ  الــيــقـــيــنُ

هـو الــشْــمـسـان ِ لـكـنْ لا غــروب ٌ
لــنــورِهِــمـا  ومـا  لـهــمـا  قــريـنُ

ويــا  مَــنْ  لا  يُـــرَدُّ  لــهُ   دعـــاءٌ
ويـسْــتـرجـي شــفـاعــتَـهُ الـمـكـيـنُ

إذا ذُكِــرَ الـحـســيـنُ أصـاخَ كــون ٌ
وجــلـجـل فـي تـهــجّــدِهِ الـسـكـونُ

فـدىً لــتـرابِ نـعـلِــكَ يـا  إمـامـي :
أنـا .. وأبـي .. وأمـي .. والــبـنـونُ

أخـفـتَ الـمـوتَ حـتـى خـرَّ ذُعــرا ً
فـأنـتَ الـحيُّ والــمــوتُ الـدَّفــيــنُ

جـهــادُكَ آخِـرُ الآيــات ِ  خُــطّــتْ
بـنور الـعـرش ِ سُـورَتُهـا " حُـسَـيـنُ "

فـأنـتَ لــكـلِّ ذي عــزم ٍ حــســـامٌ
وأنـت لـكـلِّ مــذعــور ٍ حُـصــونُ

أبـا الأحـرار هـلّا  قــمْـتَ فــيـنـا ؟
فــقــد عـمَّ الــبـلاءُ .. ولا مُـعــيـنُ

ولا " حُــرٌّ ريــاحـيٌّ " بــقـومـي  ..
ولا  الـعـبّـاسُ  والـقـدّيــسُ " جُـونُ " (4)


تـأسّــدَتِ الأرانــبُ  .. فـالــرّزايـا
حُــبـالـى والــنـوائــبُ والــمـنـونُ

تـقـنّـعـتِ الـوجـوهُ فـلـيـس نـدري
أشــوكٌ حـولــنــا ؟ أمْ يـاســمـيـنُ  ؟

" يـزيـدٌ " بات هـذا الـعـصـرَ جـمعا ً
يُــنـاصِـرُهُ الـمُـهَــتَّــكُ والـلـعــيـنُ

وفـيـنـا  ألفُ " حرمـلة ٍ" و" شـمـر ٍ"(5)
تـفـخَّـخَ فــيـهـمُ الـحـقــدُ الـدَّفــيـنُ

وفـيـنـا مـن " أبي جهـل ٍ" عـشـيـرٌ
ولـ "ابْن زيادَ " من جـذر ٍ غـصونُ

وفــيــنـا آكـلـو  الأكـبـادِ  غـصّـتْ
بـهـم دارُ الـخـلافـة ِ لا الــسّـجـونُ (6)

حُـسـيـنـيـون إنْ نـطـقـوا  .. وأمّـا
فــعـالــهُــمُ  فـأبــعــدُ مـا تــكــونُ


  ..............................
* الأبيات من قصيدة طويلة ..
(1)  المقبوس من البيت الشهير المنسوب إلى علي بن ابراهيم الكفعمي:
علي الدرُّ والذهب المصفى
وباقي الناس كلهم ترابُ
وفي البيت إشارة إلى خطبة  النبي الأكرم " ص " في غدير خم .
(2) الحبل المتين : الدين الإسلامي كما في قول الله تعالى : " واعتصموا بحبل الله " ..
(3) الدجون : ظلام الغيم يسود الأرض .. ومن معانيه العتمة الشديدة .
(4) جون : هو  جون بن حوي ـ مولى الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري ـ  وقد استشهد مع الحسين عليه السلام ، وكان أسود اللون .. وقد ورد عن قصة استشهاده أنه : لما نشب القتال وقف أمام الحسين (عليه السلام  يستأذنه في القتال ، فقال له الحسين (عليه السلام) : " يا جون أنت في إذن مني ، فإنما تبعتنا طلبا للعافية فلا تبتل بطريقتنا " ، فوقع جون على قدمي  الحسين عليه السلام يقبلهما ويقول : يا ابن رسول الله أنا في الرخاء ألحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم ! ؟ إن ريحي لنتن وإن حسبي للئيم وإن لوني لأسود ، فتنفس عليّ في الجنة ليطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيض لوني ، لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم ،فأذن له الحسين (عليه السلام) ، فبرز وهو يقول:
 كيف ترى الفجّارُ ضربَ الأسودِ
 بالمشرفيّ والقنا المسدد ِ
يذبُّ عن آل النبي أحمد ِ
ثم قاتل حتى قُتل ..  فوقف عليه الحسين (عليه السلام) وقال: " اللهم بيّض وجهه وطيب ريحه واحشره مع الأبرار وعرف بينه وبين محمد وآل محمد " .
(5 ) حرملة هو الملعون الذي رمى بسهمه طفل الحسين الرضيع عبد الله ، والشمر هو الملعون  الذي حزّ رأس الحسين عليه السلام (والمراد بهما في البيت : أحفاد الشمر وحرملة الذين اغتصبوا وقتلوا جميع أفراد موكب عرس  من أعراس أهالي مدينة الدجيل العراقية في جريمة وحشية لا تقل بشاعة عن جريمة الطف) ..
(6) إشارة إلى بعض القتلة الذين يتصدرون واجهة المشهد السياسي العراقي الان  ضمن نظام المحاصصة المقيت حيث أثبتت التحقيقات واعترافات المجرمين ضلوعهم في الكثير من الأعمال الإرهابية والتفجيرات والخطف والقتل والإغتصاب ـ ومن بينها تفجير البرلمان التي أشرف عليها  النائب السابق محمد الدايني الهارب والمطلوب للإنتربول حاليا .

النقد الادبي: قراءة أولية في قصيدة الاديب الشاعر عبد الله الفيفي / يحيى السماوي


بيني والأستاذ الدكتور عبد الله الفيفي صداقة يربو عمرها على العشرين عاما .. عرفته عن قرب في جلساتنا المشتركة، كما عرفته عن بعد عبر مراسلاتنا وتهادينا إصداراتنا،
فلم أجد فيه غير أحد السّدَنة الأبرار للغة العربية، والشاعر القدير  الذي  نادى بالتجديد من داخل  القصيدة العمودية لا شكلها، كما عرفته أحد النخبة الفذة من نقادنا العرب ... بل : وعرفته المهموم بهموم الأمة العربية التي أرادها الله أن تكون خير الأمم  لكنّ ساستها الممسكين بصنع القرار وتنفيذه  قد جنحوا بها نحو الدرك الأسفل فغدتْ أمة ردود أفعال وليست أمة أفعال .

قصيدة صديقي الشاعر عبد الله هي ترجمة بالنبض لواقع حال الأمة على صعيد واقعها الراهن، مثلما هي صرخة تنبيه من الخطر الداهم المحدق بأحد أهمّ رموز الأمة ـ وهو الشعر ـ على اعتبار أن الشعر هو الوجه الأكثر حضورا في المنجز الحضاري العربي .. فإذا كان المسرح مثلا  يمثل وجها من وجوه حضارة الإغريق، والنحت يمثل الوجه الأبرز في حضارة روما ـ فإن الشعر هو الوجه الأكثر حضورا في المنجز الحضاري للعرب باعتبارها أمة " البلاغة والبيان " ... الفيفي لم يُعلن وفاة الشعر، إنما يشير إلى المرض الذي قد يودي به ـ وهو : مرض التغريب والهذيان والرطانة  وإفراغ القصيدة من شعريتها  لتغدو وكأنها لعبة " ميكانو كلامية " أو " كلمات متقاطعة " تخلو من البلاغة والبيان والدفق الشعري / وهذا المرض أصاب الشعر بأشكاله المختلفة : العمودي والتفعيلي والحر  :
أُعِــيْـذُ فِيْــكَ بَـيَـــــــــانِـيْ مِــــنْ   تَلَعْــثُــمـــــــِــهِ
وقَــدْ  يَــهــــــلُّ بَـيـــــــانٌ  فــي  تَـــأبِّـــيـْــــــــــــهِ!

الفيفي لا يرثي الشعر بقدر  ما يرثي  الأمة .. الأمة التي كانت " تُرتجى "  فأصبحت " تَرتجي " ... مأزق الشعر ـ وفق رؤية الفيفي وهو مصيب ـ هو وجه من وجوه مأزق الأمة العربية الكبير وإفراز من إفرازات انحطاطها الراهن :

يـا نــاعِـــــيَ الفِكْرِ والتَّــاريـخِ: "وا أَبَــتِــيْ"
مــــــــاذا تَرَكْـــــــــتَ على الدُّنيــــا لنَاعِـيْـــــهِ؟!
إنَّ الذي نَعَتِ الأَنْبَــــــــاءُ ليــــــــس أَبِـــــــــيْ
بـل أُمَّـــتِــــــــيْ أُمَّــــــــــةُ الآبـــــاءِ تَبْكِــــــــــيْــــــــــهِ

وكأن بالفيفي يريد القول: إنّ إعادة الإعتبار للشعر مشروط بإعادة الإعتبار للأمة العربية ... صلاح الشعر مشروط بصلاح الأمة سياسيا واقتصاديا وفكريا  ... والفيفي حين يُخاطب المتنبي، فإنما يُخاطب من خلاله  الدهر الذي بقيَ منشدا قصائده ـ وبالضرورة : هو يُخاطب عصر المتنبي ليُدين من خلاله عصرنا الراهن :

وقُلْ لَهُ: (أَحْمَدَ العَلْيــاءِ)، يا رَجُــــــــــــــــلاً
عــــــــــــــــاشَ الأَبِيَّ جَــــــــــــــوادًا في تَأَبِّيْـــــــــهِ
طِبْ حَيْثُ أنتَ، لَقَدْ نِلْتَ الذي غَرَسَتْ
كَفَّــــاكَ مِنْ فَرَحٍ، طِبْ في مَغَانِيْـــــــــــــهِ!

فالحقيقة التاريخية والفنية تقول إن الدهر بقي من مُنشدي قصائد المتنبي، بينما  أغلب  قصائدنا اليوم تولد ميتة  فلا يكاد يذكرها  الغد القريب سواء منها القصائد العمودية أو قصائد التفعيلة أو قصائد النثر، وهذا لا يعني المطلق، فثمة الكثير من القصائد ـ عمودية أو تفعيلية أو نثرية  جديرة بالإحتفاء والتقييم  ... وإذا كان صحيحا القول إن عصر المتنبي كان " العصر الذهبي "، فإنه من الصحيح القول إن عصرنا الراهن هو " عصر الصفيح " !

الفيفي ليس ضد الحداثة  (على الأقل: هذا ما أعرفه عنه كصديق لي معه حوارات وجلسات) .. هو ضدّ الطارئين على الحداثة ممن يقلدون تقليدا أعمى آخذين بـ " التغريب " في وقت الأمة أحوج فيه للتنبيه وشحذ  الهمم  لا أن يُتغافل عن الواقع العربي المزري :

يا أُمَّةَ الشِّعْرِ، ثُوْرِيْ نَخْلةً خُصِيَــــــــــــــتْ
للشِّعــــــــــــــــرِ فِيْكِ بِتَغْرِيْـــــــــبٍ كتَأْلِيْــــــــــــــــهِ
قالُوا: «الحَداثةُ»، إذْ قاءَتْ حَناجِرُهُمْ
مِلْءَ الصَّحائفِ مِنْ يافُــــــوْخِ مَعْتُــــــــــــــوْهِ

وإذ أتضامن معه في البيت الأول من البيتين أعلاه، فإنني لست معه في البيت الثاني  وكان حريّا به عدم التعميم فليس كل الشعر الحداثي سيئا مثلما ليس كل الشعر العمودي جيدا   ..

الحداثة في جوهرها  لا تعني القطيعة مع الماضي،  إنما تعني حركة تصدّعات وانزياحات معرفية قيمية  وبعث المضيء من  الماضي ـ وهذا ما عبّر عنه عرّاب الحداثة العربية أدونيس الذي وجد في الكثير من الشعر العربي القديم حداثة أكثر مما وجد في شعرنا المعاصر ، فأخذ على عاتقه  مهمة  التنقيب في ركام الشعر العربي القديم بحثا عن الحداثة والتأسيس عليها  فكان رائد الحداثة العربية بحق والمنظّر لها، ولنا في مؤلفه الثرّ " الكتاب " ومختاراته من الشعر القديم والنثر الحديث الشاهد الحيّ على جهده الحثيث في تأصيل الحداثة العربية .
ما يؤسف له أن الكثيرين منا لا يعرف أن مصطلح الحداثة قد  أنجبته الثقافة الغربية ووضعته ونمَّته ليكتسب فيها دلالته الدينية لمدة تزيد على ثلاثة قرون، قبل أن  ننشغل به في النصف الثاني من القرن العشرين ... الغرب دخل مرحلة ما بعد الحداثة ونحن مازلنا  نقتات فتات ما تركته لنا من حداثتها . فقد ظهر المصطلح في أروبا  وأريد به معنى الإنتقال من القرن السادس عشر إلى القرن السابع عشر وكان أكثر ارتباطا بالجانب الديني قبل أن يتخذ منحىً آخر في ظل العولمة فدخل الإقتصاد والعمران والمُثل والقيم كأسلوب من أساليب أمركة العالم  بينما كان المصطلح حتى بدايات القرن العشرين يُراد به التجديد  في الفكر الديني  والخروج على تابوهات الكنيسة، وهذا مايمكن ملاحظته في  رسالة البابا العاشر في هذا السياق ... الرسالة التي نشرها سنة 1907 حول ما سماه بـ " مذاهب الحداثيين " فأصبح هذا المصطلح يطلق على كل العمليات التجديدية التي شهدها الفكر المسيحي مستفيدا من إنجازات العلوم المختلفة في إعادة قراءة النصوص الدينية وتأويلها ... الحداثة إذن نشأت للإصلاح الديني بادئ الأمر قبل أن تأخذ معنى التحديث في كل مناحي الحياة والمناشط الإنسانية  ومن بينها الشعر .. الحداثة إذن لا تتقاطع مع الماضي وتراثه، فهي تريد إحياء المضيء منه وإنماءه، وهو نفس مايطالب به الفيفي في جانب من قصيدته ... هو يُطالب بإعادة الإعتبار للشعر بغض النظر عن شكله  من خلال عودة الأمة العربية حرّة ... فهو لا يُخاطب الشعراء، إنما يُخاطب الأمة  وهذا ما يُفصح عنه  قوله :
يا أُمَّةَ الشِّعْرِ، عُوْدِيْ حُرَّةً خَرَجَـــــــــــــــتْ
مِنْ جِلْدِها إذْ طَغَـــــــــتْ فِيْهِ أَفاعِــــــــــــــــيْهِ
ها نحنُ سِرْنا الثَّمانِيْنَ العِجـــــــــــافَ فلا
كالغَرْبِ صِرْنا ولا كالعُــــــرْبِ نَبْنِــــــــــــــــيْهِ
المخاطب الأمة العربية  من خلال مخاطبتها بصفة من صفاتها ـ والصفة تنوب عن الموصوف كما يقول البلاغيون والنحاة : " أمة الشعر " ... الفيفي  ربما يريدنا أن نصنع حداثتنا  لا أن نستوردها  على علاتها  :

مُسْتَوْرِدِيْنَ وُجُوْهًا غَـــــــــــــيْرَ أَوْجُهِــــــــــــــــنا
مُسْتَنْزِلِـــــــــــيْنَ سَــــــــــــــــمَاءً لا تُواتِيْــــــــــــــــهِ!

لكن السؤال الجوهري: ما الضير من استخدامي المنجز  الحداثي الغربي إذا كان سيُزيد من عافية المنجز العربي ؟ ألمْ نستورد الفن الروائي والمسرحي من الغرب ؟ بل : ألمْ يستورد الغرب بالأمس البعيد معارفنا العربية لإنماء معارفه ؟ فالتاريخ يقول إن مؤلفات ابن سينا والفارابي وابن رشد كانت حتى وقت قريب تُدرّس في جامعات الغرب ... الإنفتاح أضحى ضروريا، والعالم لم يعد قرية كونية صغيرة، إنما : أصبح شاشة حاسوب ... ثم : لماذا وجدنا في السيارة الغربية والموبايل الغربي وجهاز التكييف الغربي والعمارة الغربية ما يُسهِم في تجميل حياتنا، ونمتنع عن استثمار المضيء من الحداثة الأدبية الغربية التي من شأنها رفد معيننا المعرفي ؟ الحداثة تُعنى بالإنسان بمعزل عن التضاريس الجغرافية والعرقية ... الفكر الإنساني مُشاع للإنسان حيثما وُجد، والحداثة فكر إنساني وليست فكرا  عرقيا أو مذهبيا  ..
من حق صديقي الفيفي التمسك بقناعاته حيال القصيدة الكلاسيكية لكن ليس من حقه سلب الآخرين قناعاتهم  ... الشعر ليس دِينا مُقدّسا ً، ومع ذلك  فقد أوجد الله أكثر من دين  ..

يقول السيد المسيح عليه السلام : ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان .. وأقول : ليس بالقصيدة الفراهيدية وحدها يكون الشعر .

المهم هو حجم شعرية القصيدة وليس شكلها ـ  وأظن أخي الأستاذ الدكتور الفيفي  يوافقني على ذلك ..

شخصيا: أنا مع التجديد والتجريب ومع كل دم ٍ جديد يسهم في  إضافة خضرة جديدة لحقل الإبداع العربي ... الشعرية ليست مقتصرة على الشعر المنظوم والحرّ وحده ... فقد  نجد شعرية في قصيدة النثر أكثر بكثير مما نجده في قصيدة التفعيلة أو القصيدة البيتية، والعكس صحيح .. تعدد الأساليب والأشكال ملمح من ملامح عافية الشعر ... فتعدد ألوان زهور الحديقة أكثر جمالا من حديقة اللون الواحد للأزهار ... إن ماهو شرعيّ اليوم قد يُصبح باطلا غدا، وماهو باطل اليوم قد يُصبح شرعيا غدا، ومادام أن الشعر هو " فن القول " فالمعيار إذن هو حجم شعرية القول وليس شكله . .. الشكل هو الإناء الحاضن للمادة، أما الشعرية  فهي المادة ...
قد تكون وجهة نظري خاطئة، لكنني حتى اللحظة مؤمن بها ـ وقد يوافقني عليها صديقي الشاعر  والناقد القدير الفيفي العزيز .

أشكر صديقي الشاعر والناقد القدير أ . د . عبد الله الفيفي، كما أشكر لأخي المبدع المائز سلام كاظم فرج شجاعته النقدية في  تحليله قصيدة الأخ الصديق الفيفي، متمنيا  عليه  إثراءنا بالمزيد من  نشاطه النقدي، فالذي لا شك فيه أن  ثقافة الحبيب سلام ورؤاه النقدية تؤهله لمشروع نقدي كبير  من شأنه إضافة دم جديد إلى جسد النقد العربي .

لقد عرفنا سلام القارئ العميق والمثقف الثر والمبدع في قصيدة النثر وها نحن نعرف الناقد الرصين فيه .

للاطلاع

يا هند * / يحيى السماوي


بعضُ الهـوى يا هـندُ عافـيـة ٌ
لـلعـاشــقـيـنَ .. وبـعـضُـهُ وَأدُ

أَسَـأَلْـتِ كـيـف الحالُ يـا هـنـدُ ؟
يَـسُــرَ الـسـؤالُ وأَعْـسَـرَ الـرَّدُّ!

حالي بـدارِ الـغُـربـتـيـنِ خُطىً
مـشـلـولـة ٌ فـاسْـتَـفْـحَـلَ الـبُعْـدُ (1)

قـلـبـي إذا أمـسى عـلى فَــرَح ٍ
فـعـلى رمـادِ فـجـيـعـةٍ  يَـغـدو

لا الـرِّيـحُ تـلـثـمُ خَـدَّ أشـرعـةٍ
حـيـرى ولا الـحـرمـانُ يَـرْتَـدُّ

كيفَ السـبيلُ الى ضُحاكِ وفي
مُـقَـلِ الـغـريـبِ تـأبَّـدَ الـسُّـهْـدُ؟ (2)

يا هـنـدُ مـنـذ طـفـولــتي وأنـا
راع ٍ خِرافي الـشـوقُ والوَجْدُ

لا تـفطـمي قلبي  اسـقِهِ حَـبَـباً
إنْ عَـزَّ مـن كاســاتِـكِ الـرَّفْـدُ (3)

الأسْـرُ؟ أُمنيـتي .. إليكَ يـدي
أطْبِقْ .. فـديـتُـكَ أَيُّهـا الـقَـيْـدُ

يا هـنـدُ مـنـذ طَـرَقْـتِـني وأنـا
صدري لـسـيفِ صبابةٍ غِـمْـدُ

يا هـندُ كيف عـرفـتِ أنَّ دمي
ظام ٍ  لـنـبضِ هـواكِ يا هـنـدُ ؟

تُـصغي الى شـفـتـيـكِ قـافـيـة ٌ
مـا عـاد يـنـسـجُ بـوحَهـا سَـرْدُ (4)

هـاتَـفْـتِـني فَغَـفَـوتُ من خَـدَر ٍ
وأَفَــقْــتُ ظـمـآنـاً  ولا  وِرْدُ

صوتٌ يَـزخُّ من الـشـذا مطراً
زانَ الـعَـفافُ صـداهُ والحـمـدُ

أوراقيَ الخرساءُ مُذ سـمعـتْ
منكِ الـلحونَ وسـطرُهـا يحدو

تَـوَّجْـتِـني عـرشَ الـمُنى فـأنـا
مَلِـكٌ ولـكنْ في الهـوى  عـبـدُ  (5)

عمري كرمل سـماوتي عَصَفَتْ
ريـحٌ  بـهِ .. فَـتَـنـاثـرَ الـحَــشْــدُ

ضُـمّي إلـيـكِ شـتاتَ قـافـلـتي ..
طال الطريـقُ وأشْـبَـكَ الـقَـصْـدُ (6)

يا هـنـدُ واحـتالـتْ على مَطَـري
بِـيـدٌ إذا زُرِعَـتْ  فـلا  حَـصْــدُ

يـا هــنـدُ أعــيـادي مُـحَـنَّـطَــة ٌ
فَـصِـلي لـتـغـدو ظـبـيـة ً تعـدو

أنـا أمَّـة ٌ فـي الـحـزنِ لا نَـفَـرٌ
أمّـا الـهـوى فـأنـا بـهِ : الـفَـرْدُ !

بحـري بـلا جَـزْر ٍ وأَخْـيـلـتي
كـالــبـحـرِ لـكـنْ : كـلُّهـا  مَـدُّ

إنْ تَصْدِقي وعداً فـقـد ضَحِكتْ
شــمـسـي وَمَـدَّ بـســاطَـهُ الـودُّ
**

يـا هـنـدُ إنْ غَـرَّبْـتُ فالـوَجْـدُ
دام ٍ .. وإنْ شَـرَّقْـتُ فـالـصَـدُّ

أنـا جـثـة ٌ تـمـشـي عـلى قـدم ٍ
أمّـا الـثـيـابُ فـإنـهــا الـلـحْــدُ

بـيـني وبـيـنـك ألـفُ  مـانـعةٍ
إنْ دُكَّ  سَــدٌّ : قـامَ لـيْ سَـــدُّ


فأنا الخريفُ وأنتِ حقلُ منىً
يـلهـو بـهِ الـلـبـلابُ والـرَّنْـدُ

وأنـا الجفافُ وأنتِ نهـرُ نَدىً
وأنا الكفافُ وعـيشُـكِ الرَغْـدُ

وأنا الـنـحـيـبُ وأنتِ أُغـنـيـة ٌ
وأنا الكسـيحُ وَمَـشْـيُـكِ الوَخْـدُ (7)

الـدّمـعُ في كـأسي يُـخـالـطُـهُ
طـيـنٌ ..وأنتِ بكأسِـكِ الشهْـدُ

أفـكـلـَّـمـا أدنـو  إلـى شــجَـر ٍ
تنأى القطوفُ ويقصرُ الزَّنْـدُ؟

عَطَـشُ المـنافي شَـلَّ أوردتي
فامْطِرْ... كفاكَ البرق يا رَعْدُ

بعضُ الهـوى يا هـندُ عافـيـة ٌ
لـلعـاشــقـيـنَ .. وبـعـضُـهُ وَأدُ

بردانُ ... ما لـلـنارِ تُـثْلِجُـني؟
أرأيـتِ نـاراً نَـشْـرُها الـبَـرْدُ؟

عجبا ً..أتالي العـمر تصرعُني

رأدٌ ويُوهِـنُ صخـرتي رِئْـدُ ؟(8)

أَوَلَـسْـتُ قد أَغْـلَقْـتُ نافـذتي؟
أمْ قـد تـناسى عـهـدَهُ العـهـدُ؟

نَـثَـرَتْ عليَّ بخورَ ضحكـتِها
فـإذا بحـنجـرةِ الهـوى تـشـدو

فَـرَشَ الـفـؤادُ لـهـا مـنـازلَـهُ
فهيَ الملـيـكُ وأضلعي الجـنـدُ

نَـسَـجَـتْ دمي ثوباً يُطَـرِّزُهُ
كَـفَـني .. وَظَـنَّـتْ أنـه وَرْدُ !

رَقَصَتْ حروفي وانتـشى طربا ً
قـلـمي وسـاطَ مِـداديَ الـسّـعْـدُ

يـا هـنـدُ هـلْ مَـسٌّ تَـلَـبَّـسَـني
لـمّـا طَرَقـتِ الجـفـنَ يـا هـنـدُ ؟

مـا لـلـقِـلادةِ تَـسْـتَـفِـزُّ فـمي
فـيشـبُّ بين أضالعي الوَقْـدُ؟

أَيَـغـارُ مـن عِـقـدٍ تَـوَهَّـمَـهُ
شَـفَة ً فَجُـنَّ فمي فـلا رُشْـدُ؟

عـندي لجـيدِكِ إنْ أردْتِ لهُ
حِـلـلاً حَـلالاً دونَـهـا الهِـنـْدُ  : (9)

قُـبَـلٌ بـلا إثـم ٍ تَـنَـظَّـمَـهــا
ثـغـرٌ بهِ مـن خـشـيـةٍ ردُّ (10)

زُهدي بجاهِ التِبْر  حَـبَّبَ ليْ
طينَ الفـراتِ أنا امرؤٌ زَهْـدُ (11)
***

.........................
* هند : اسم جنس وليس اسم امرأة معينة .. وكذا بالنسبة لاسم " ليلى " .. شأنهما  شأن " زيد " و" عمرو " اللذين يراد بهما اسم جنس للرجال.
(1) دارالغربتين: المقصود بهما غربة الوطن واللسان (2) تأبّد: اصبح أبدياً (3) الرفد: العطاء الكثير (4) السرد: التتابع والانتظام (5) عبد: من الاستعباد وليس التعبد (6) أشبك: اختلط والتبس (7) الوخد: المشي السريع (دلالة على الشباب) (8) رأد : الشابة الحسناء. رِئد : الغصن الطري.
(9) الهند: القافلة من مائة ناقة فأكثر..
(10) ردّ : الحبسة في اللسان (11) زُهد: بضم الزاي: العزوف عن الشيء... وزَهد بفتح الزاي: الأخذ بقدر الكفاية


الشاعر يحيى السماوي يشارك في أمسية رابطة قلم العالمية بأستراليا


أقامت رابطة قلم العالمية / فرع جنوب أستراليا  يوم الأربعاء الموافق 16 / 11 الجاري وبالتعاون مع اتحاد الشعراء الأسترالي والمكتبة المركزية في
عاصمة الجنوب الأسترالي أديليد أمسية شعرية  شارك فيها الشاعرة الصربية "  جيلينا دينيك " والشاعر الشيلي " خوان كاريدو سلكادو " والشاعر العراقي " يحيى السماوي " .. حضر الأمسية التي أقيمت في المكتبة المركزية  جمهور من طلبة وأساتذة جامعة أديليد وأعضاء من جمعية أصدقاء الشعر في أديليد .
 737-yah
  قرأ السماوي قصائده باللغة العربية وصاحبته الشاعرة والمذيعة الأسترالية جوليا واكفيلد بقراءة الترجمة الإنكليزية لمجموعة من قصائده كان قد ترجمها الشاعر نزار سرطاوي والمستشرقة الأسترالية إيفا ساليز .

حكاية في ليل ٍ بهيّ / يحيى السماوي


شـاميَّـة ٌ ؟ مَـلـكَ الـقـلوبَ جَـمـالكم
يــامــا أذلَّ مُـكـابــرا ً ومُـدَجَّـجـا !!


لـيـلٌ حِجابُـك ِ  حول وجهِـك ِ قـد سَـجـا
سُـبحان َ مَـنْ جَمَعَ الـضياءَ  مع الـدُّجى

جَـلـسـا معا ً : لـيـلٌ وصـبـحٌ مُــشـمِــسٌ
فــكــأن َّ بـــدرا ً بـالــظــلام ِ تــبــرَّجَــا

ومَـشـتْ .. فـقـلتُ ربابـة ٌ تـمـشي عـلى
صـدري .. فـحُـقَّ لخافـقـي أنْ يـهـزجـا

وتـثـاقـلـتْ في خـطـوِهـا لا مِـن ضـنىً
فـودَدتُ لـو كـانـتْ ضـلوعــيَ هـودَجـا

لا صَـقـتـُهـا خطوي  وأجْـلَـسـَـنـا مـعـا ً
حَظ ٌّ مكانا ً في " الشُـبَـيكة ِ" مُـسْـرَجا (1)

فــاسْــتـَـنْـفَـرَتْ بُــقـيــا شَــبـاب ٍ آفِــل ٍ 
قـد كان َ يـومـا ً بـا لـهُـيـام ِ مُـضـرَّجـا

واسْـــتـدْرَجَـتـنـي فِــتــنـة ٌ وحــشــيَّـة ٌ
ألـفـيْـتُ قـلــبــي نحـوهـا مُـسْـتـَـدرَجـا

نَـشَـرَتْ سَـحابة َ عـطرِها فـتـنـفَّـسَـتْ
روحي عـبيرا ً يـسـتـبيحُ ذوي الحِجـا (2)

مَــرَّتْ لُـحَــيـظــاتٌ  وكـل ٌّ يـرتـجـي
مـن صَـمـتِـه ِنحـوَ الـتحدُّث ِ مَـخـرَجا

حَــيَّـيـتُـهــا ... وزعَـمْـتُ أنـي تــائِـه ٌ
ضـل َّالطـريـقَ وقـد أضاع الـمُـلـتـَجـا

رَدَّتْ بـمِـثـل ِ تـحـيَّــتـي ... لـكـنـَّهـــا
زادتْ عــلــيـهــا رِقـَّـة ً وتـغــنـُّـجـــا

ضَحِكـتْ وشَـعَّ العـشـبُ في أحداقِهـا
حتى ظنـنـتُ الـلـيـلَ حـقـلا ً مُـبْـهِـجـا

واسْـتَـظـرَفـتْ آهـا ً يُخـالِـطُ جَـمـرَهـا
مـاءٌ وهـمْــســـا ً كــادَ أنْ يـتـهَــدَّجــا

سـألَ الغـريبُ غـريبة ً ـ قالـتْ ـ وقـد
لـثغَـتْ بـ" راءِ " فـم ٍ أذابَ وأثـلجـا :

جِـئـنـا إلى حَـجّ ٍ وأوشـكَ جَـمْـعُـنـا
عَـودا ً .. فـقـد شـدَّ الركابَ وأرْتجـا (3)

أزِفَ الرحـيـلُ إلى الـشـآم ِ فـأهـلـنـا
قــد هَـيّـأوا  زادا ً لــنـا  وبـنـفـسَــجـا

فـأجَـبـتـهــا ـ وأنـا أمَــسِّــدُ  كـفَّـهــا 
تـمـســيـدَ قـمّـاش ٍ تـأمَّـلَ مَـنـسَـجـا :

شـاميَّـة ٌ ؟ مَـلـكَ الـقـلوبَ جَـمـالكم
يــامــا أذلَّ مُـكـابــرا ً ومُـدَجَّـجـا !!

مـا بـيننا قُـربـى الـفـرات ِ وجـيـرة ٌ
وجذورُ أنساب ٍ وغـربة ُ مَنْ شـَجـا

لـلـجـار ِ حَـق ٌّ والـقــرابـةِ مِــثـلـُه ُ
أنـعِـمْ بـمَنْ حـقـا ً يـصونُ ومنهَجـا

فـتَـوَهَّـجَ الـتـفـاحُ فـي وجَــنـاتِـهــا
خـَجَلا ً يُـزيـدُ من الجمـال ِ توهُّـجـا

واهْـتـزَّ عـصفـوران ِ تحتَ عـباءة ٍ
عَـبَـثـتْ بها ريحُ الصَّـبا فَـتـرَجْـرَجا

وعلى مَـرايا الجـيـدِ ـ فـرطَ نعومة ٍ ـ
نظري إلى النحر ِ المُضيء تدَحْرَجا

زمَّـتْ عـباءتها .. وأحـسَــبُ أنـهــا 
زمَّـتْ على عـينيَّ جـفـنـا ً أهـوَجـا (4)

واسْـتحْكمَـتْ شِـقَّ القميصِ وأسْـدَلتْ
شـالا ً بـلون ِ الـمـقـلـتـيـن ِ مُـزجّجـا (5)

قـالتْ وكان الـفجـرُ بـدءَ طـلـوعِـه ِ:
بـغـد ٍ سـنـرحـلُ قـبل ميعاد ِ الـدجى

فـاطرقْ بلادَ الشـامِ حيث ُعـشيـرتي
وأبي إذا كـنـتُ الـمُـنى والـمُـرتجى

عَـرِّجْ عـلـيـنـا لـيـلـة ً وصَـبـيـحَـة ً
وارجَعْ بـقـلـبي ـ لا يَديَّ ـ مُـتـوَّجـا

أو كنتَ تـلهـو فـاعْـلـمَـنَّ : قـرَنـفلي
يـغـدو إذا رِمْـتَ الـغِـوايَة َ عَـوسَجا

ويصيرُ جمرا ً نـفحُ ورد ِ حدائـقي
ونـسـيـمُ شـطـآني لظىً مُـتـأجِّـجـا

عَـرِّجْ تـجـدْ أهــلا ً ودارَ مـحَـبَّـة ٍ
قـد فـازَ مَـنْ رامَ الحبيـبَ فـعَـرَّجا

ذو الحجة 1412هجرية / مكة المكرمة

.........................
(1) الشبيكة : من أحياء مدينة مكة الكرمة
(2) ذوو الحجا : سديدو الرأي
(3) أرتج : أحكم الإغلاق
(4) زمّ الشيء : جمعه وضيَّق عليه
(5) المزجج : الخالي من الزوائد (المعنى مأخوذ من تزجيج الحواجب بإزالة الشعر الزائد وتقويمها)