الجمعة، 22 يوليو 2011

مجرد ظلٍ لشجرته الوريقة " من معين النحل



(إلى الصديق الشاعر المبدع بوعبد الله فلاح:
مجرد ظلٍ لشجرته الوريقة " من معين النحل")
حفّارُ القبورِ حزين..
منذ ثلاثةِ أيام
والمدينةُ لم تودِّعْ أحداً..
ما انتفاعهُ برؤيةِ أفق ٍ
يخلو من التوابيت؟
الموتُ ليس في إجازة
لكنّ القومَ محكومون بالحياة..
الحياة التي تغدو فيها الأجسادُ
قبوراً تتمشّى!

إذا لم تشتعلْ حروبٌ في هذه الضفة
فلأجلِ مَنْ
أقاموا مصانعَ الدّيناميت
في الضّفةِ الأخرى؟
يا ذا الحزن الأنيق والأناقة الحزينة:
أنت لست جثةً
فلماذا تسكن قلبي..
قلبي الذي دفنتُ فيه وطني
وطيورَ أحلامي القتيلة؟
هَبْكَ ستقيمُ الأُلفة َ بين الحلم واليقظةِ..
بين مياهِكَ ونار العالم..
بين صخرة " سيزيف " و القِمّة..
فمنْ أين لكَ بسيزيف جديد
يجعل من ظهره
هودجاً لصخرة الحقيقة؟
كيف لي أنْ أعرف
أنني الأوّلُ أو الأخيرُ في السباق
إذا كنتَ أركض وحدي
في منافي أخيلتي؟

علامَ ذهولك؟
أنا لستُ نسناساً..
لكنني
عشتُ دزينةً من السنوات
وأنا أقفز كالنسناس بين حقول الألغام..
وكالنسناس: تسلقتُ الجدران والأسلاكَ الشائكةَ
حين قفزتُ من جُحر الرُّعبِ
فسقطتُ في جرحي..
غير أنّ الوطنَ سقطَ من الصُّرَّة..
الصُّرَّةِ التي خبّأتُ فيها حلمي الذعور..
أعِرني مصباحَك
فالليلُ أكثرُ سواداً من خِمار حبيبتي..
والنهاراتُ مُسْمَلة ُ الشموس..
أعِرني مِدادَك لحقل سطوري
ربما يقوم القرنفلُ
من تحتِ حُطام العوسج..
أليس من حقِّ فراشاتي
أنْ ترتشف قطرة َ ندى
بعد طول هجير؟
وأن يكون لقدمي رصيف؟
ولرأسي وسادة؟
ولأطفالي هوية؟
ولخيمتي وطنٌ من تراب
لا من حروف كالذي كان يختبئُ خائفاً
في جواز سفري المزوّر؟

أنا الراعي..
لا أملك من القطيع حتى البعر..
ومع ذلك
كل أملاك هرون الرشيد وكنوز قارون
أصغر من أن تساوي سعفة واحدة
تتدلى
من نخلة الله في بستان عيوني..!

الثلاثاء، 19 يوليو 2011

إنصب خيمتك داخل جرحك


إنصب خيمتك داخل جرحك
(إلى الصديق الأديب د. حسن ناظم وهو يحمل خيمته على ظهره متنقلا بين وطن وآخر، بحثا عن حديقة تليق بورود قلبه)

العراقُ القويُّ كصُداح ناظم الغزالي ..
الحنونُ كشجنِ فؤاد سالم ..
الحزينُ كحشرجةِ داخل حسن ..
الموجوعُ كبحّةِ زهور حسين ..
الرّقراق كحنجرة حضيري أبو عزيز ..
المتواصِلُ كسعالِ بدر شاكر السيّاب ..
الأشمُّ كطاقيةِ محمد مهدي الجواهري ..
الرشيقُ كأنامل نصير شمّة ..
العبقريُّ كطه باقر ..
الموسوعيُّ كعلي جواد الطاهر ..
الفصيحُ كمصطفى جواد ..
البليغُ كالأب أنستاس الكرملي ..
الشاعريُّ كأحلام عبد الله كوران ..
الكريمُ كمحسن أبو طبيخ ..
البريء كعبير قاسم حمزة ..
الفقيهُ كأبي حنيفة النعمان ..
الجيفاريُّ كمظفر النواب ..
الحادّ كإزميل جواد سليم ..
البهيّ كألوان فائق حسن ..
الثقيلُ كوجعك ..
المتأبّدُ كحزني ..
الصّبورُ كميثم التمّار ..
الناصِعُ كأيدي عبد الكريم قاسم ..
المبدئيُّ كيوسف سلمان يوسف ..
الصّلبُ كسلام عادل ..
الجَسورُ كحسن سريع ..
الرّقيقُ ككامل شياع ..
المؤمنُ كمحمد باقر الصدر ..
الجريء كمحمد صادق الصّدر ..
الناسك كمحمد باقر الحكيم ..
الساخرُ كالملا عبود الكرخي ..
الصعلوك كعبد الأمير الحصيري ..
القشيبُ كثلوج بيره مكرون ..
الجافُّ كصحراء السماوة ..
النديُّ كبساتين البصرة ..
الفاحمُ كعباءة حبيبتي ..
الدافئ كخبز أمي ..
الحميم كدعاءِ أمِّك ..
الشّاهق كأزمر ..
العنيدُ كحصان كلكامش ..
النافذ كرمح أنكيدو ..
العادلُ كعلي بن أبي طالب ..
الأبيُّ كالحسين ..
الشجاعُ كالعبّاس ..
الطهورُ كموسى الكاظم ..
الناسكُ كالسّجّاد زين العابدين ..
الغيورُ كالحرّ الرّياحي ..
الأمينُ كالسّموأل ..
الحكيمُ كشعلان أبو الجون ..
الزّاهد كالحسن البصري ..
الجريء كأبي ذر الغفاري ..
هذا العراقُ الكبيرُ الكبيرُ
كيف أضحى مُجرَّدَ إضبارة ٍ
في سفارة ِ واشنطن ببغداد؟
ومِكبَّ نِفاياتٍ بشريّة ٍ للقادمين
من وراء المحيطات..
ومختبرا ً لتجارب آخر مُبتكراتِ البنتاغون للقتل الجماعي؟
....
......
يا ابن ناظم:
الذين قتلوا أباكَ وأخاكَ
قد اسْتبدلوا:
القفطانَ بالبدلةِ الزيتونية ..
واللحية َ المُشذّبةَ
بالشّاربِ المفتولِ كرأسِ الفِجلِ ..
والمسبحة بالهراوة ..
وقبة َ البرلمان بدهاليزِ قصر النهاية ِ..
والمفخّخاتِ بعجلاتِ الدَّهْسِ المنسّق ..
والوشايات الكيديةَ بالتقارير السّريّة ..
يا ابن ناظم
ما حاجتكَ لوطنٍ
إذا كان قلبكَ مملكة ً للمحبة ِ
وجبينكَ عاصمة ً للنقاء؟
الوطنُ معروضٌ للإيجارِ
فانصبْ خيمتكَ داخلَ جرحِك!

الأحد، 17 يوليو 2011

سماويّات (17) الجنــــوح التأويلي: "صوتك مزماري" أنموذجا .. بحث في نقد النقد / حسين سرمك حسن




 husan_sarmakوقد يصل هذا الإفراط حدود ما يمكن أن نسمّيه بـ "الجنوح التأويلي" الذي يوسّع دائرة التفسير في قفزة واسعة من دائرة ما هو فردي إلى دائرة ما هو جمعي دون أن تتوفر ركائز "منطقية"
لهذه الإنتقالة الشاسعة. ولعل واحدا من العوامل الكبرى في هذا " الجنوح " هو تعاطف الناقد مع الشاعر بل " تماهيه " معه وتمثل همومه وانجراحاته . هذا التماهي يوفّر استعدادا نفسيا لربط أي لمحة آسية بالتاريخ السيري الفاجع للشاعر، فردا وشعبا، حتى لو تم ذلك بطريقة تنشغل بالهم الإجتماعي والسياسي لشعب الشاعر، ولا يسعفها النص بقرائن شديدة الوثوق والصلة بالناتج التأويلي إلى حد يصبح دور الناقد " آيديولوجيا " وسياسيا واجتماعيا أكثر منه جماليا وتفسيريا بحدود إيحاءات النص بكثير . ولنأخذ الآن قصيدة " صوتك مزماري " وتحديدا الحركة الأولى منها ونتابع كيف فسّرته الناقدة القرني :

صوتك مزماري

دجّن أفعى الحزن في حديقتي
فاغتسلت بالعطر أزهاري

صوتك يا قدّيستي
حبلٌ من النور نشرت فوقه
قميص أسراري

وصفحة ضوئية
كتبتُ في سطورها أعفّ أشعاري

وبردة عشبية
تدثر القلب بها .. فلم يعدْ
يخاف من بردٍ وإعصار
تقول القرني : (من أول سطر حتى " .. فلم يعد .. يخاف من برد وإعصار " يتكون التقرير الأول : كيف يقرأ .. يصف هو طبيعة هطولها مسار حلولها فيه : " صوتك .. مزماري " .. بهذه التقريرية الحادة يجزم بفاعلية " التطهير " التي تمارسها هي " صوتا / احتماما / صهرا في وجوده، ثم يفسر : " دجّن أفعى الحزن .. في حديقتي .. فاغتسلت بالعطر أزهاري "، لنستعد مرارة الوجع العراقي، وديمومة أساه حتى ندرك كيف حال إلى " أفعى " تتلون في ريبة، مرة إلى هذا الفريق تروغ، وأخرى إلى ذاك، ثم تنبثّ سمّا مهلكا لكل ملمح حياة، .. من هنا، نعي قيمة انتقاء .. أو فاعلية " دجّن " هذه، إن صاحبتنا تتجلى صلوات تطهير / انبعاث، وهي لا تبني عالمه الجديد النقي على " عدم " أكوان أخرى، لا تقتل الأفعى، الحزن، ولكنها تروّضها، تؤلفها، تُجمّل الحزن، تُجرده من " نجس " السياسة، و " درن " الحروب، ولذا فهو يعبّر بالاغتسال عن ذلك، ولم يقل – مثلا – فاتشحت، أو تندّت بالعطر أزهاري – القرني، ص 234 و 235) . وأعتقد أن في هذا التفسير المقحم نوعا من المفاجأة للمتلقي الذي كوّن – حتما – قدرا من الفكرة الأولية عن مضمون هذا المقطع و " قصدية " الشاعر منه . فالشاعر يقول – وبوضوح تقريري مباشر – إن صوت حبيبته هو المزمار السحري الذي روّض أفعى الحزن في حديقته، حديقة عمره التي أجهضت آمالها وخيم عليها الأسى والخسران . وأفعى الحزن هذه – وبالتأكيد – ليست تلك الأفعى المادية التي نعرفها .. إنها تأخذ من روح معانيها الرمزية : تمكّنها العزوم من مكمنها في الحديقة، وروحها الغادرة، وسمّها المميت . وحتى لو وسعنا مفهوم هذا الحزن من الإطار الشخصي إلى الإطار الجمعي فسنقول إن الحزن العراقي هو حزن تاريخي متطاول في أرضٍ هي الوحيدة على المعمورة التي خلق فيها الإنسان من طين ودم وليس من طين وماء، وأُخذ الدم من شرايين إله حزين هو الإله الثائر " كنكو " أو " كنغو " الذي تزوّج الإلهة الأم " تهامة – ومن اسمها اشتق اسم الصحراء العربية المعروفة " واتفق معها على الثورة ضد الآلهة الكبرى !! فلن نستطيع تسويغ أن أفعى الحزن هذه " تروغ إلى هذا الفريق مرة، ومرّة إلى ذاك " .. فهذه أفعى حزن " حزبية " مسيّسة، وليست أفعى الحزن التي تمزق روح يحيى، والتي يشكل حضورها المنضبط جانبا صحّيا وخلاقا هو من أهم حوافز الإبداع في الثقافة العراقية تحديدا، ولذلك فهي بحاجة إلى " التدجين " والترويض لا القتل والإجتثاث كي يبقى فعلها الحي في تأجيج جذوة الخلق في روح الشاعر . وهي – من جديد – أفعى الوجدان الممزق، فما هي علاقتها بنجس السياسة ودرن الحروب ؟! . تواصل الناقدة تحليلها للأبيات المتبقية من المقطع فتقول : (ثم يوالي [ = الشاعر ] حججه : هي " قديسته "، والقدّيس وسيط النورانية، نورانية السماء، بموازاته تنتشر، تنكشف " الخطايا "، تخور قواها فتكف عن مراودة القميص، نحن لم نزل في رحاب التجلّي، لنتذكر إيماضا – ولو خافتا – من قصة يوسف عليه السلام، وإيحاءات القميص فيها، ثم لنتأمل في بهاء تمثّل زهراء الشاعر فيه، ها هو يصفو ثم يشف حتى يغدو ضوءا مطهّرا في آن، كيف لا، وقد احتوته " بردة عشبية "، كينونة دفء، حياة جديدة بعد أن تعرى / تحلل من " قميص أسراره "، أوزار ذاكرته المثخنة، كيف لا يستقر منها وبها " دافىء القلب "، وادعا، لا يرهب صقيع مغتربٍ ولا دوامات منفى – القرني، ص 235) . أنا أراهن دائما على ذكاء القارئ الذي لن يكون – هنا تحديدا – بحاجة إلى مخزون معرفي كبير كي يكون الفيصل في الإمساك بهذا " الجنوح " التأويلي . هذا قول الشاعر :
(صوتك يا قدّيستي
حبلٌ من النور نشرت فوقه
قميص أسراري ..)
ترى ما هي علاقة قميص يحيى بقميص النبي يوسف عليه السلام ؟؟ الشاعر يتغزل بحبيبته / قدّيسته كما يصفها، عن صوتها الذي وصفه في الاستهلال بأنه مزماره : صوتك مزماري، والذي حوّله بتخيلاته الجامحة إلى حبل من النور، ولنلاحظ الآن المجانسة والتناغم بين جميع الأوصاف التي يطلقها الشاعر على صوت حبيبته في القصيدة منذ بدايتها وحتى نهايتها، فكلها صفات تتسق مع وصف الموضوع المركزي : الصوت، تتسق مع قوام مادته، ومع طبيعته الفضفاضة الموجيّة : فهو حبل من النور، وصفحة ضوئية، وبردة عشبية وغيمة من ألق وترتيلة ولحن عذري :
.. وصفحة ضوئية
كتبتُ في سطورها أعفّ أشعاري

وبردة عشبية
تدثّر القلب بها .. فلم يعد
يخاف من برد وإعصارِ

صوتكِ صار ملمحا مني
فما سمعتهُ
إلا وأضحت غيمة من ألقٍ داري

يُثملني من دونما خطيئة
فيسكر الصحو على نافذتي
يزرعني ترتيلة في حقل قيثاري

وهذه من السمات الأسلوبية المركزية للمنجز الشعري ليحيى السماوي، سمة مضافة إلى السمات الأخرى التي حددناها في دراساتنا السابقة عنه، فهو يعمد على أن تدور سمات الموضوعات الثانوية والصفات المعنوية وحتى المادية لها حول بؤرة السمة الطاغية للموضوعة المركزية التي هي الصوت / صوت المحبوبة، في هذه القصيدة التي يضفي فيها يحيى إمكانات هائلة على صوت امرأته " المنقذة " . وأقول هائلة ولا أقول خارقة أو أسطورية لأن يحيى لا يميل الأسطرة كما سنرى لاحقا . فما ينجزه الصوت المنقذ هو تحويله من حال إلى حال على "الأرض" .. في هذه الحياة .. من مزاج إلى آخر في هذه النفس المكلومة . فهو ينقله من اليأس إلى ممالك التفاؤل .. يدفن الأول ويملأ ممالك الثاني بالريحان والغار، وصالح بين متناقضاته المدهشة : بين فراشاته ونيرانه :
صوتكِ كان أول الماشين
في جنازة اليأس الذي أثكل مشواري

وأول المسافرين بي
إلى ممالك الريحان والغار

هذّبني
أقام جسر إلفة بين فراشاتي
وبين الريح والنارِ

وبنهاية هذا المقطع – من : صوتك مزماري .. وإلى : وبين الريح والنار – لا نجد فعلا آمرا طلبيا كما تقول القرني، بل نتابع " تقرير " حال ظاهر لنعم صوت الحبيبة . ولكن في البيت اللاحق سنمسك بمفارقة نقدية غريبة :

زخّي على مسامعي لحونك العذراء
كي تنبض أوتاري

تعلق القرني على هذا المقطع بالقول : (منتقيا [= الشاعر] الفعل " زخّي " لتجسيد ذلك النداء، وهو انتقاء موفّق لما لهذا الفعل " زخّ " من دلالة الدفع في تأنّ ووءادة، فهو لا يغتني " بهطول " صوتها الجارف، ولا " بانهماره " دفعة واحدة، وإنما هي حلمه نديمَ عمرٍ لا ساعة من دهر، تتابع لحونها العذراء في التوقيع لحنا فلحنا لكي لا تخبو لأملٍ في اللقاء بارقة – ص القرني، ص 236) . أي إن يحيى – حسب تحليل القرني - قد اختار الفعل " زخّي " ليعبر بدقة عن رغبته في أن يكون نزول ألحان حبيبته العذرية متأنيا ومتئدا .. أن تأتي لحونها متدرجة لحنا فلحنا . لكن لنعد، أولا، إلى المعنى القاموسي للجذر " زخّ "، فماذا سنجد معناه ؟ . زخّ زخّاً بالإبل : سار بها سيرا عنيفا . وزخّه : دفعه، أوقعه في وهدة . وزخّ زخّا وزخيخاً الجمرُ : برق شديدا، والعامة تقول " زخّ المطر "، أي انصبّ بشدة – الزخّة : الزوجة، دفقة من المطر شديدة (عاميّة) – زخّ زخّا : اغتاظ – الزخّ (مصدر) : الحقد والغضب – الزخّة : الحقد والغضب (راجع المنجد في اللغة – ص 269) . أي أن كل معاني الفعل " زخّ " تتضمن الشدّة والهطول العنيف والإنهمار الغاضب . ثم لنعد، ثانيا، إلى سمات الصورة السماوية، صورة يحيى الفنيّة، وسنجد أن العنف هو سمة حاسمة من سمات الكثير منها . وهو يبغي فعليا عنف الإلتحام بـ " لحون" الحبيبة وهطولها الشديد عليه كي تنبض أوتاره التي جفّت وأُخرست لعقد من السنين . وهنا سنقف أمام مفارقة أخرى، ولكن بعد ان ننقل للقارئ الأبيات التي ختم الشاعر قصيدته بها :
عشرة أعوامٍ
ومازلتُ على باب هواك صائما
متى إذن موعد إفطاري ؟

عشرة أعوامٍ
ومازلتُ على تلّة عمري ساهرا
مرتقبا هلال وجهك الذي لوّن أفكاري

بالماء والنارِ

عشرة أعوام
وما مرّ على بريّتي موسمُ أمطارِ ِ

تقول الناقدة القرني : (.. أملٍ لم ينل من توقّده فوات " عشرة أعوام " من سقم الإنتظار : هو يذكّرها في عتبٍ تلك التقابليات التي تذيّل النص كيف استمرأت حلولها في " الغياب "، مستطيبة تعليقه : صائما مترقبا ابدا، لا حين لتجلّيها له، لالتحامه بها كونَ إنسان، حقيقة وجدان – القرني، ص 236) . لكن أمعاننا النظر التحليلي الثاقب في هذا المقطع سيقلب دلالات القصيدة كاملة وبصورة جذرية . فالحبيبة لم " تستمرئ " الحلول في " الغياب " أبدا .. هي غائبة فعليا، وما تغزّل الشاعر المتيّم بصوتها إلا عملية تعويض عن هذا الغياب الجارح . والشاعر لا يستعيد حرمان العشرة أعوام كذكرى ماضية بل كواقع مرير قائم على الجوع للحبيبة وعلى جفاف الروح وعطش الآمال . وقد أجلت البيت الأخير من القصيدة حتى الآن فهو البيت الفيصل الذي سيثبت تحليلنا :
وها أنا
أحفرُ بالأضلاع صخر الشوق
علّ صخرة تزفّ لي
بشارة النبع لأشجاري
أي أن الصوت / صوت الحبيبة لم يكن " قراءة حضور " كما استنتجت القرني – راجع الصفحة 229 من كتابها – بل هو " قراءة غياب " .

أكـلُّ هـذا الـتـشـابـه وتـقـولـيـن..


أكـلُّ هـذا الـتـشـابـه وتـقـولـيـن..
يحيى السماوي  

أكـلُّ هـذا الـتـشـابـه وتـقـولـيـن نـحـن مُـخـتـلـفـان؟
كـلانـا وُلِـدَ وفـي فـمِـهِ مـلـعـقـة..
أنـا: مـن جـريـدِ سـعـفِ الـنـخـيـل ِ..
وأنـتِ: مـن الـذَّهـب!

كـلانـا تـائِـه..
أنـا: عـلـى الأرصـفـة..
وأنـتِ: فـي الـخُـيَـلاء!

كـلانـا لـهُ مـلـفٌّ ضـخـمٌ..
أنـا: فـي مـديـريَّـةِ أمـن الـبـلـدةِ..
وأنـتِ: فـي بـنـكِ الـمـديـنـة!

كـلانـا يـدخـلُ الـمـطـعـمَ آخـرَ الـلـيـل..
أنـا: لـتـنـظـيـفِ الـصّـحـون..
وأنـتِ: لاسـتـلام ِ الـحـسـاب!

كـلانـا يـحـمـلُ قـلـمـا ً..
أنـا: لأكـتـبَ وصِـيَّـتـي الأخـيـرة..
وأنـتِ: لـتـخـطـيـطِ حـاجـبـيـكِ
وتـظـلـيـلِ الـجـفـون!

كـلانـا دائـمُ الإقـتـِطـاف..
أنـا: مـن شـجـر الأمـنـيـات..
وأنـتِ: مـن بـسـتـانـك!

كـلانـا تـرصـدُهُ الـعـيـون..
أنـا: عـيـونُ الـشـرطـة ِ الـسِّـريَّـة..
وأنـتِ: عـيـونُ الـمُـعْـجَـبـيـن!

كـلانـا جـالـسٌ..
أنـا: فـي زوبـعـةِ الـخـريـف..
وأنـتِ: فـي حـضـنِ الـربـيـع!

كـلانـا لا يـتـعـبُ مـن إصـرارهِ..
أنـا: عـلـى دخـولِ جـنّـاتِـك ِ..
وأنـتِ: عـلـى مُـغـادرةِ جـحـيـمـي!

أكـلُّ هـذا الـتـشـابـه
وتـقـولـيـن
نـحـنُ مُـخـتـلـفـان؟؟

السبت، 16 يوليو 2011

شاهدة قبر من رخام الكلمات


شاهدة قبر من رخام الكلمات

الإهداء: "إلى روح الطيبة أمي وقد غفت إغفاءتها
الأخيرة قبل أن أقول لها تصبحين على جنة.."
ليَ الان سَبَبٌ آخر
يَمنعُني من خيانةِ وطني:
لحافٌ سَميكٌ من ترابه
تدَثرَتْ بهِ أمي ..
ووسادةٌ من حجارته
في سرير قبرها!

(2)
وحدُهُ فأسُ الموت
يقتلِعُ الأشجارَ من جذورها
بضربةٍ واحدة ..

(3)
قبلَ فِراقها:
كنتُ حيّاً
محكوماً بالموت ..
بعدَ فراقها:
صرتُ ميتاً
محكوماً بالحياة!

(4)
في أسواق " أديليد "
وجَدَ أصدقائي الطيبون
كلَّ مسْتلزماتِ مَجلس العزاء:
قِماشٌ أسود ..
آياتٌ قرآنية للجدران ..
قهوةٌ عربية ..
دِلالٌ وفناجين ..
بخورٌ وماءُ الورد..
باستِثناء شيءٍ واحد:
كأسٌ من الدموع  ولو بالإيجار
أُعيدُ بهِ الرطوبةَ
إلى طينِ عينيَّ
الموشِكتين
على الجَفاف!

(5)
لماذا رَحَلتِ
قبلَ أنْ تلِديني يا أمي؟
أدريكِ تحِبّينَ الله ..
ولكنْ:
أما مِنْ سلالمَ غيرُ الموتِ
للصعود إلى المَلكوت؟

(6)
لم تحمِلْ نعْشها عَرَبةُ مدفع ..
ولم يُعزَفْ له مارشٌ جَنائزيّ ..
القرَويّةُ أمي
لا تحِبُّ سَماعَ دويِّ المَدافع
ليس لأنه يُفزعُ
عصافيرَ نخلةِ بيتنا ..
إنما
لأنه يُذكرُها ب " جعجَعَةِ القادة "
الذين أضاعوا الوطن ..
وشرّدوني!
تكرَهُ أصوات الطبول
(باستِثناء طبْلِ المُسحّراتي) ..
نعْشها حَمَلتهُ سيارةُ أجرة ..
وشيَّعَتها:
عيونُ الفقراء ..
العصافيرُ ..
ويتامى كثيرون ..
يتقدَّمُهم شقيقي بطرَفِهِ الإصطناعية ..
وشقيقتايَ الأرمَلتان ..
وجدولانِ من دموعي!

(7)
كيفَ أغفو؟
سَوادُ الليلِ
يُذكرُني بعَباءتها ..
وبياضُ النهار
يُذكرُني
بالكفنْ!
يا للحياة من تابوتٍ مفتوح ..
أشعرُ أحياناً
أنَّ الحيَّ
مَيْتٌ يَتنفس ..
والمَيْتَ
حَيٌّ
لا يَتنفس!

(8)
الأحياءُ يَنامونَ فوقَ الأرض ..
الموتى ينامونَ تحْتها ..
الفرقُ بينهم:
مَكانُ السَّرير
ونوعُ الوسائدِ
والأغطية!

(9)
آخرُ أمانيها:
أنْ أكونَ
مَنْ يُغمِضُ أجفانَ قبرها ..
آخرُ أمنياتي:
أنْ تغمِضَ بيَدَيها أجفاني ..
كلانا فشِلَ
في تحقيقِ أمنيةٍ
مُتواضِعة!

(10)
أيُّها العابرُ .. لحظةً من فضلِك ..
هلاَّ التقطتَ ليْ
صورةً تذكاريةً مع الهواء؟
وأخرى مع نفسي؟
وثالثةً عائليّة
مع الحزن والوجَعِ الوحشيِّ
وأمي النائمةِ
في قلبي؟

(11)
سُبحانكَ يا رب!!
أحَقاً أنَّ عَذابَ جَهَنم
أشدُّ قسوةً من عذابي
حين تعَذرَ عليَّ
توديعُ أمي؟

آه .. لو أنَّ ساعي بريدِ الآخرة
وضعَ الرسالةَ في صندوق عمري
لا على وسادة أمي ..!

(12)
أيتها الحَماقاتُ ..
اللذائذُ ..
النزَقُ ..
الطيْشُ ..
البَطرُ ..
الخطيئةُ ..
الجنوحُ ..
المعصيةُ:
ها أنا أخلعُكنَّ من حياتي
كما أخلعُ قميصاً وسِخا ..
عليَّ منذ الان
التوضؤ بالكوثر
كي يسمَحَ لي الله
بدخول فردوسه
لرؤية أمي!

(13)
الفصلُ ليس شتاءً
فلماذا غطاها أشقائي
بكلِّ هذه الأغطية من التراب؟
ربما
كي لا تسمعَ نحيبي
وأنا أصرخُ في براري الغربة
مثلَ طفلٍ خطفوا دُمْيَته:
أريدُ أمي ..
فتبكي!

(14)
لستُ سكراناً ..
فلماذا نظرتم إليَّ بازدراء
حين سَقطتُ على الرصيف؟
مَنْ منكم لا ينزلِقُ مُتدَحْرجاً
حين تتعثرُ قدَماه بورقةٍ
أو بقطرةِ ماء
إذا كان
يحملُ الوطنَ على ظهره ..
وعلى رأسه
تابوتُ أمه؟

(15)
يا كلَّ الذين أغضبْتهم يوماً
من أصدقاء طيبين ..
ومجانين ..
وباعةِ خضروات ..
وزملاء طباشير ..
وطلبةٍ رائعين أبعَدَتني الحكومةُ عنهم ..
ورفاقِ معتقلاتٍ ومعسْكراتِ لجوء
وأرصفةِ منافي:
إبعثوا إليَّ بعناوينكم
وأرقام هواتفِكم ..
فأنا أريدُ أنْ أعتذرَ منكم عن حماقاتي
قبل ذهابي للنوم
في حُضن أمي!

(16)
وأنتم أيها الهَمَجيّون
من مُتحَزِّمين بالديناميت
وسائقي سيّاراتٍ مُفخخة
وحَملةِ سواطير وخناجر:
كفى دويَّ انفِجارات وصَخبا
الطيِّبةُ أمي لا تطيقُ الضجيج
فدَعوها تنامُ رجاء ..

(17)
الطيِّبةُ أمي
ما عادتْ تخافُ الموت ..
لكنها
تخافُ على العصافير
من الشظايا ..
وعلى بخور المحراب
من دخانِ الحرائق ..
وتخافُ
على الأمّهاتِ اللائي
أنضبَ الرعبُ أثداءَهن!

(18)
حينَ أزورُ أمي
سأنثرُ على قبرها
قمحاً كثيرا ..
أمي تحِبُّ العصافير ..
كلَّ فجر:
تسْتيْقِظُ على سقسقاتها ..
ومن ماء وضوئها:
كانت أمي
تملأ الإناءَ الفخار قرب نخلة البيت
تنثرُ قمحاً وذرةً صفراء ..
وحين تطبخُ رُزّاً
فللعصافيرِ حِصَّتها
من مائدة أمي!

(19)
في صِغري
تأخذني معها إلى السوق
وبيوتِ جيراننا ..
حتى وأنا في مُقتبَل الحزن
لا تسافرُ أمي إلى كربلاء
إلآ وتأخذني معها ..
أنا عُكازُها ..
وفانوسُها ..
وحامِلُ صُرّتها المليئة
ب " خبز العبّاس "..
والبيض المسلوق ..
و إبريق " شاي الزهرة "..
فكيف سافرتْ وحدها للقاء الله؟
ربما
تسْتحي من ذنوبي!
آه ..
من أين ليْ بأمٍّ مثلها
تغسلني من وحْلِ ذنوبي
وتطهّرني بكوثر دُعائها
حين تفترشُ سجّادةَ الصّلاة؟

(20)
يا أحِبائي الطيبين
أرجوكم
لا تسألوا الله أنْ يملأ:
صَحني خبزاً..
وكوزي كوثراً ..
وجسدي عافيةً ..
وروحي حبورا ..
فأنا بحاجةٍ الان إلى:
صَبر رمال الصحراء على العطش ..
وتجَلدِ بغلٍ جَبَليّ ..
وبَلادةِ خروف ..
ولا مُبالاة حمار ..
وإلى خيْطٍ من جنون
أرتقُ بهِ
جُرحَ عقلي!

(21)
لم تكن أنانيَّةً يوما ..
فلماذا ذهبَتْ إلى الجنةِ وحدها
وترَكتني
في جحيم الحياة؟

(22)
مُذ ماتت الطيبةُ أمي
لم أعُدْ أخافُ عليها
من الموت ..
لكنها بالتأكيد
تخافُ الان عليَّ
من الحياة!

(23)
أغيثوني ..
أريدُ أوراقاً من ماء
لأكتبَ
كلماتٍ
من جمر!

(24)
حين مات أبي
ترَك لي " فاتورةَ كهرباء " ..
حين مات ولدي
ترك لي
بدلةَ العيد الذي لم يعِشه ..
أمي؟
تركت لي عباءتها ..
سأتخذ منها سجّادة للصلاة ..
أمّا أنا
فسأترك لأطفالي
قائمةًطويلة
بأمنياتي التي لم تتحقق ..
منها مثلا
أن يكون لي وطنٌ آمنٌ .. و
قبر!

(25)
الطيِّبةُ أمي لم تمُتْ ..
لا زالت
على قيد دموعي

(26)
دفءُ أمومتِها
وليسَ حَطبُ موقِدِنا الطيني:
أذابَ جَليدَ الوحشة
في شتاءات عمري ..
رائحةُ يَدَيها
وليس نوعُ الحنطةِ:
جعل خبزَها
ألذ َّ خبزٍ
في الدنيا ..!
دعاؤها
وليسَ الحظ ّ
أبْعَدَ الحبلَ عن رقبتي!

(27)
يومَ صَفعَتني
بكيتُ كثيرا ..
ليس لأن الدمَ
أفزَعَ الطفلَ النائم في قلبي
ولكن:
خشيَةَ أنْ يكون وجهي الفتِيّ
آلمَ كفّ أمي ..

(28)
مذ غادر أبي بيتنا
وهي تجلس على حافة الدنيا
بانتظار " هدهد الآخرة " ..

(29)
مرَّةً
لسَعَتْ نحلةٌ جيدَ أمي ..
ربما
ظنتْ نقوش جيدِها ورودا زرقاء
لتصْنعَ من رحيقها عَسَلا ..
خضرَةُ عينيها
أغوت الفراشاتِ للإقامة
في بيتنا الطينيّ!

(30)
أليومَ
سَقطتْ حفنةُ أوراق
من شجرة مخاوفي:
أمي لن تمرَضَ بعد الان ..
لن تشقيها غربتي ..
لن ترعِبها أسئلةُالشرطة عني ..
وأنا ؟ منذ اليوم:
لن أخافَ عليها من الموتِ
أبدا..!

(31)
آه ..
منْ لملايين الفقراء ..
المرضى ..
المُشرَّدين ..
وكلِّ منْ كانت الطيِّبةُ أمي
تطعِمُهم كلَّ يوم
خبزاً دافئاً من تنورِ دُعائها
بعد كلِّ صلاة؟

(32)
أيها العِمى
لن أخافكَ بعد اليوم ..
عيناي أصبَحَتا
فائضتين عن الحاجة ..
تماماً كالزائدة الدوديةِ
ما دمتُ لن أطبقَ بهما
على وجهِ أمي!

(33)
لو أنَّ منْ شيَّعْتُ
يُفدى
أبْدَلتُ بالدارَيْنِ
لحْدا
أو أنَّ شقَّ الثوبِ يُجدي
قد شققتُ عليك
جلدا
وأذبْتُ شحْمَ المُقلتيْن
تفجُّعاً
ولطمتُ خدّا

(34)
جلدُها المُطرّزُ بالشذر
لا تجري تحته قطرةُ دمٍ زرقاء ..
قد يكون لونُ دمِها أحمرَ
لكثرة ما شاهَدَتْ
من دمٍ على الأرصفة ..
أو أخضرَ
لكثرة ما حَمَلتْ من عُشب..
أو أصفرَ
لكثرة ما طحَنتْ من سنابل
وخبَزتْ من خبز ..
أو أسْوَدَ
لكثرة ما حدَّقتْ في ظلام العراق!

(35)
سواء أكانت داخل البيت أم خارجه
تترك الباب مفتوحا
رغم أنَّ الذئاب
لم تتخلَّ عن أنيابها..
ليس لأن أثاث البيت
لا يُساوي سعرَ القفل ..
إنما
لأنها تؤمن:
أنَّ العَسَس هم اللصوص
في الوطنِ المُخلعِ الأبواب!

(36)
ذات شتاء
والجوعُ يمصُّ دمَنا:
طرَقَ بابنا سائل ..
أعطتهُ حزمةَ حَطبٍ
وصحناً من الدعاء الجميل!

(37)
يا أمي
طفلكِ الكهلُ
لم يجدْ مأوى أيتام
يودِع فيه أحلامه!

(38)
أيها الناعور
هلا كففتَ عن دورانك؟
المطرُ جمر..
والأرض ورق!

(39)
عباءتها الشديدةُ السواد
وحدُها اللائقة عَلماً لبلادي ..
فيها كل تفاصيل الوطن!

(40)
أرجوك استيقظي لحظةً يا أمي
لأقولَ لكِ
تصبحين على جَنة ..

(41)
يوم رحَلت أمي:
جفَّ حليبُ الطفولة في فمي ..
والزَبَدُ في مفرقي
لم يَعُد ملحَ السنين ..
صار أولى خيوط كفني!
مذ رحَلتْ أمي
وأنا:
جثةٌ
تمشي على قدمين
في مقبرةٍ
إسمُها الحياة!
2009 أديلايد / أستراليا