الاثنين، 27 ديسمبر 2010

حُـلـم ولا أبهى ...



 حُـلـم  ولا أبهى ...

يحيى السماوي



أشْـرَكتُ فيك ِ .. ولـسْـتُ بالـمُـتـأثّم ِ
فالـشِركُ في الأحلام ِ غـيرُ مُـحَـرَّم ِ

خاط َ الكرى جَفـني  ونادَمَ مُـقـلـتي
حُــلُــمٌ بـمِـثـل ِ نـعـيـمِـه ِ لـم أحـلـم ِ

حُـلـمٌ وددتُ العـمـرَ في فـردوسِـه ِ
لا صـحوَ إلآ حين يُـنـصَبُ مأتـمي

يَـمّـمْتُ حزمي نحو شـرفةِ بـيـتِهـا
بـعـفـافِ قِـدّيــس ٍ وشــوق ِ مُـتـيّـم ِ

وجـنـوح ِ  مخبول ٍ وحكمة ِ عـاقِـل ٍ
وبـعُـسْـر ِ محروم ٍ ويُـسْـرِ مُـنـعَّـم ِ

 فوجدتها بين اثـنـتيـن ِ ... عرفتها
من عِطـرِ أنفاس ٍ ومِعْضـدِ مِعصَم ِ

ومن انزلاق ِ لحافِها عن خصـرها
فرط َ الـمَـلاسَـة ِ دون باقي الـنّــوَّم ِ

ذُعِـرَتْ  فأطبَقَ فوق زنبق ِ ثغـرها
ثـغـري فـلم تصـرخْ ولـمْ  تـتـكـلّـم ِ

وسّـدْتُها صدري بحضن ِ سـحابة ٍ
هَـرَبا ً بها بـيـن الـثـرى والأنجُـم ِ

وغسلتُ بالقبُلات ِ مَهْـبَط َ جيدِهـا
غـسْـلَ الندى للورد ِ غـير ِ مُـلـثّـم ِ

معـصومة ُ النهـديـن ِ لم يلـثمْهـما
إلآ  حريرُ الـثـوب ِ فوق المِـحْـزَم ِ

أثِـمَ القـمـيصُ فكاد يـجـرحُ وردة ً
حمراءَ أنضرَ من خدود ِ البُرعُـم ِ

فـرّتْ يدي رغما ًعليّ ومَـسّـدتْ
ياقوتة ً .. لـكنْ : بعِـفّـة ِ مُـحْــرِم ِ

وشمَمْتُ ريحانا ً وعِطرَ سَفَرْجَل ٍ
 ففـمي وقـلـبي يمرعـان ِ بمَغـنَـم ِ
            
لو تعرفُ الزهراءُ  شوقَ ظميئِهـا
لرحيقِ كأس ِ زهورها لم تـفـطِـم ِ

بخلتْ وتدري أنّ خـبـز سـطورِها
زادي بصحـن صبابتي وتهَـيُّـمي

دخلتْ بسـاتيني فأنْضَجَ خـطـوُها
 الـتـينَ والزيتونَ قـبْـل الـمـوسِـم ِ !

               **

قـدسـيّـة َ العـينين ِ ناسِـكـة َ الـفـم ِ
رفـقـا ً بسادِنِك ِ الأسير ِ المُـغـرَم ِ

لا تحـذري ناري  فإنَّ لهـيـبَـهـا
لا يـسْـتَـطيبُ ضـرامُـهُ إلآ دمي

خَطَبَـتْكِ أعماقي فحاضرُ مَهْرِها
قـلبي  وأحداقي .. وغائِـبُها فـمي

إنْ تطلبي الرُّطَبَ الجنيَّ وشهدَهُ
هزّي بمبسمِك ِ المُطَيَّب ِ مبسمي

النارُ جائعـة ٌ .. فهـلْ أطْعَـمْـتِهـا
أشواكَ أمسي في الزمان ِ الأقدم ِ ؟

زفَّ الهوى قلبي إليك ِ فزغردتْ
روضٌ وباركت ِ الطيورُ ترنّمي

لا  توصدي المحرابَ عن مُـتبَـتِّل ٍ
والنهرَ والينبوعَ عن صَـبّ ٍ ظمي

قد جئتُ منهلَكِ العذوبَ مُضَرّجا ً
بالجمر ِ رفقا ً  بالظميء المُسْـلِم ِ

حسبي حججتُ  فهل يجوز لناسِـكٍ
صلى الوداعَ بغير شِـربة ِ زمزم ِ ؟

            ***
22/12/2010


قراءة في قصيدة

حلمٌ ولا أبهى
للشاعر المبدع يحي السماوي
    هذه القصيدة من الروائع الشعرية التي صاغها شاعر قدير مملوء بالأحاسيس المتدفقة الملتهبة التي تملأ قلبه بالرؤى والصور البديعة, فقلما يقرأ الإنسان قصيدة بهذا المستوى الرفيع من الجمال الذي يحرك العواطف حتى ليعيش المتلقي نفس تجربة الشاعر فيحلق معه في سماوات الخيال ويتصور نفسه مكان الشاعر.
                                       *******
   يبدأ الشاعر قصيدته بجملة قصيرة تعبر عن مدى حبه وهيامه وتعلقه بمحبوبته التي قد تكون واقعا وقد تكون خيالا وقد يختلطان معا في ذهن الشاعر فلا تستطيع التفريق بينهما,هذه الجملة هي:ـ (أشركتُ فيكِ) جملة واحدة من فاعل وفعل ومفعول به, ثم يبرر هذا القول الصادم للمتلقي بأن الموضوع كان مجرد حلم لا واقع له, حلم عابر لا يعبر عن حقيقة عبادته لله وحده فهو المعبود بحق.
ثم يتطرق إلى ما رآه في الحلم من النعيم المقيم الذي لم يحلم به واقعا, فيتمنى أن يستمر مقيما في حلمه في فردوسه المفقود طيلة حياته, فلا يصحو أبدا إلا يوم وفاته.
   ثم يبدأ الشاعر في توضيح ما رءاه في منامه البهي من توجهه نحو شرفة منزل الحبيبة التي ألهبت قلبه وألهمت خياله, وهو في حالة يعرفها أهل العشق والغرام فيبدو عفيفا كقديس ومشوقا كعاشق ولهان,يسعى بخفة من أصابه الخبل وبحكمة الحكيم, بين هذه الحالات المتناقضة التي تجتاحه يمنى نفسه بالأماني بعد اقتراب موعد اللقاء بمن يحب,وقد عرف حبيبته لا بالنظر ولكن من عطر أنفاسها, وانسيابية عضدها البض وهى تشير إليه بالاقتراب منها,وقد انزلقت ثيابها ليبين خصرها الرشيق وقد فاجأها بقدومه فتملكها الذعر, إلا أنه أحاطها بيديه وقبلها فاستكانت له ولم تتكلم.
*******
   ثم يصور لنا الشاعر ما رآه في حلمه العجيب الذي ألهمه هذه الرائعة الشعرية, فقد طارا معا متعانقين يوسدها صدره في حضن سحابة محلقين معا في سماوات الحب والنعيم,وقد انهال عليها بالقبلات على جيدها, قبلات رقيقة كالندى يعانق الورود.
  ويصور لنا الشاعر مفاتن الحبيبة التي ملكت عليه لبه في منامه, فقد بدا نهداها اللذان لم يلمسهما من عفتها إلا ثوبها الحريري الناعم الذي شف عن نهديها وأبدى مفاتنها’وهنا يلقى الشاعر باللوم على الثوب الشفاف الذي أصبح في نظر الشاعر آثما لأنه لامس هذه المفاتن وأبرزها بكل وضوح.
  وهنا تمتد يدي الشاعر خلسة في رقة لتلمس نهديها ويتوارى الشاعر خلف ثياب العفة ويتصور نفسه محرما, والصورة هنا واضحة كل الوضوح فقد تصور حبيبته بالكعبة وصور نفسه بمن يحج أو يعتمر محرما فيقبل الكعبة التي توجه إليها بكل مشاعره يبثها لواعج قلبه.
      *******
  وهنا يبث الحبيبة أشواقه ويصور لها مدى حبه لها وشوقه إليها,فيعرفها بذلك, متألما لأنه منعته عن التمادي وفطمته رغما عنه,فهو يطمع في المزيد والمزيد, وهى تتمنع فتلهب مشاعره المتوقدة ويزداد شوقا إليها.
   فلو عرفت الحبيبة مدى شوقه إليها ورغبته فيها ما فطمته ولما منعت عنه ما يريده, ولم تبخل عليه بخبزها الذي هو زاده الذي يقتات منه ويعيش عليه, فقد أنضجت خطواتها وهمساتها الرقيقة المعبرة مشاعره قبل وقت النضوج, ثم يدعوها بأن تترفق به لأنه أسير هواها المتيم بها, ويطمئنها  بقوله إن النار التي تشتعل في قلبه لن تؤذيها فهي برد وسلام عليها, وقد تقدم إليها خاطبا يسوق ما في أعماقه من شوق ولهفة وغرام إليها, مقدما إليها قلبه وعيونه كمقدم مهر لها, ومؤخرها هو ما يمكن أن يقوله لها لاحقا من عذب الحديث, فإن كانت تطلب ثمار قلبه لتبتسم له ولتقبله حتى يرتاح قلبه وتهدأ مشاعره,
                                      *******
  ويخبر حبيبة قلبه أن أشواقه لها كالنار في قلبه منذ عرفها, ولا يمكن لهذه النيران أن تهدأ أو تخمد أبدا, فهي ضالته التي يتوق إليها في كل وقت, ولا يهدأ إلا في أحضانها,
   وهنا يتخيل الشاعر نفس وقد زف إلى حبيبته فهاهي الرياض فرحة بهما تزغرد من فرحتها, والطيور هاهي قد أقبلت في موكب عرسهما تغنى وتبارك لهما وتردد أنغام قلبه.
   وهنا يعود إلى  تصوره الذي لا يفارقه أبدا فهي كعبته التي يحج إليها ويستغرب أن توصد محرابها عن ناسك , ولا تسقيه عذب سقياها وهو المحب الظمآن, وقد جاءها والنار في قلبه طالبا الرفق بالظمآن.
   وهنا تكتمل الصورة لدى الشاعر فيعاتب محبوبته وهى من تكون قدرا ومقاما والتي يشبهها بالكعبة , فقد أتى  إليها حاجا وأتم حجه بطواف الوداع, فكيف تحرم عليه الشرب من ماء زمزم.

عبد القادر الحسيني
طائر الفجر



"وقراءة ثانية "

الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان


يحيى السماوي الشاعر القدير المحلّق بين حلم وأرض ،، تحايا لهذه الزمهريرة الحبلى برائحة امرأة وبحجّ ناسك متبتّل ، يهوى الجمال والنار مستعرّة ، وها هي القصيدة تولد من رحم المأساة ، من " رحم الحلم" الخالي من الخطايا ،، والسؤال الذي يراودني : هل يحاسب الشاعر على آثامه وخطاياه في الحلم ؟؟
أشْـرَكتُ فيك ِ .. ولـسْـتُ بالـمُـتـأثّم ِ = فالـشِركُ في الأحلام ِ غـيرُ مُـحَـرَّم ِ
خاط َ الكرى جَفـني ونادَمَ مُـقـلـتي = حُــلُــمٌ بـمِـثـل ِ نـعـيـمِـه ِ لـم أحـلـم ِ
حُـلـمٌ وددتُ العـمـرَ في فـردوسِـه ِ = لا صـحوَ إلآ حين يُـنـصَبُ مأتـمي

"
أشركت فيك ولست بالمتأثّم" : والدفاع عن الاثم ليس رهينا بالحلم فقط وانما بالحياة فمنذ أن أكل آدم التفاحة تحمّل الانسان لحظة الخطيئة يحمل الاثم على ظهره وكأنه الوطن ، وهنا أيها الشاعر الآتي من السماء لتسقط سهوا على الأرض ويختلط الاثم في حلمك مع التراب النازف المعجون بدم الخطيئة ، أنت تطرق قضية خطيرة في قصيدتك باعترافك عن المحرّم من الحلال ، وأسأل هل يا سيدي اقتراف الاثم في الحلم غير محرّم وفي الحقيقة محرّم ؟ وهنا تلبس لغة الخطايا ثوبا من العفاف على " كرسي الاعتراف" أيام الآحاد أمام الكاهن ، هي الخطيئة التي تحمّلتها النفس منذ حواء وآدم فهل علينا أن نتحمّل الخطيئة حتى آخر أيامنا ؟؟ ومن المعصوم عن الخطأ ،، ولمن الكمال ،، فالكمال ليس الاّ لله وحده ونحن التعساء على هذه الأرض ندفع ضريبة الندم والكرى والحلم بدخولنا الى الجنة .قد أكون قد خرجت من مضمون القصيدة لكنني في لبّ الموضوع لأننا ضعفاء عن قول الحقيقة فنلجأ بضعفنا الى الحلم بخوف ورعشة القديسين من رحمة السماء حتى ونحن ندرك أننا لا نمارس اثما بل هو الحلم الذي لا نحقق فيه رغباتنا الاّ بالتصوّر والخيال :
يَـمّـمْتُ حزمي نحو شـرفةِ بـيـتِهـا = بـعـفـافِ قِـدّيــس ٍ وشــوق ِ مُـتـيّـم ِ
وجـنـوح ِ مخبول ٍ وحكمة ِ عـاقِـل ٍ = وبـعُـسْـر ِ محروم ٍ ويُـسْـرِ مُـنـعَّـم ِ
فوجدتها بين اثـنـتيـن ِ ... عرفتها = من عِطـرِ أنفاس ٍ ومِعْضـدِ مِعصَم ِ
هذا الوصف للقديس بشوقه المتيّم اليها لا يكتمل الاّ بتوظيف الشاعر لمفردات لغوية قد تبدو سهلة وبسيطة لكن لها دلالاتها بالدفاع عن جنوحه " مخبول ،حكمة عاقل، عسر محروم ، يسر منعّم ، عفاف قدّيس، " رد فعل الشاعر حين تتحرك الذات الصغرى فيه ليحاسبها قبل قدومه الى بيتها .

فوجدتها بين اثـنـتيـن ِ ... عرفتها = من عِطـرِ أنفاس ٍ ومِعْضـدِ مِعصَم ِ
ومن انزلاق ِ لحافِها عن خصـرها = فرط َ الـمَـلاسَـة ِ دون باقي الـنّــوَّم ِ
ذُعِـرَتْ فأطبَقَ فوق زنبق ِ ثغـرها = ثـغـري فـلم تصـرخْ ولـمْ تـتـكـلّـم ِ
وسّـدْتُها صدري بحضن ِ سـحابة ٍ = هَـرَبا ً بها بـيـن الـثـرى والأنجُـم ِ
وغسلتُ بالقبُلات ِ مَهْـبَط َ جيدِهـا = غـسْـلَ الندى للورد ِ غـير ِ مُـلـثّـم ِ
يستمر بحلمه وبخوفه الذي يتهاوى حين يراها وهي التي عرفها من عطر أنفاسها وكأنه يعرفها منذ زمن بعيد لينزلق اللحاف عن خصرها ، واستسلمت حين ( أطبق فوق زنبق ثغرها / ثغري فلم تصرخ ولم تتكلّم) ،،وببراعة نلمس في وصفه عملية الشوق بتقديم المؤخّر حين يطبق ثغره( الفاعل) فوق ثغرها ولم يكن أي ثغر بل " زنبق ثغرها" ،،ليوسّدها صدره " بحضن سحابة" وانزياح باللغة فقد كان يستطيع الاكتفاء بالحضن لكن السحابة قوّت المعنى الذي أراد ليهرب بها بين النجوم بعيدا عن الأرض حيث مكان الحلم فيغسل جيدها بقبلاته كالندى الساقط على الورد وهنا يزيل عنه جرمه بالاثم باسقاطه غسل القبلات على الندى حين يغسل الورد..!
معـصومة ُ النهـديـن ِ لم يلـثمْهـما = إلآ حريرُ الـثـوب ِ فوق المِـحْـزَم ِ
أثِـمَ القـمـيصُ فكاد يـجـرحُ وردة ً = حمراءَ أنضرَ من خدود ِ البُرعُـم ِ
ومن أروع الصور الشعرية هذه اللوحة البديعة بتصويره " نهديها المعصومين عن الخطأ" ويضيف " الاّ" ليؤكّد بتولية وعفة هذه الأنثى التي لم يلثم نهديها الاّ حرير ثوبها ، فيكيل الشاعر للثوب التهم الذي كاد أن يجرح الوردة الحمراء بخدودها المتبرعمة ...التورية في هذين البيتين تخلعنا من الواقع لنشهد الحلم ونتابعه .!
فـرّتْ يدي رغما ًعليّ ومَـسّـدتْ = ياقوتة ً .. لـكنْ : بعِـفّـة ِ مُـحْــرِم ِ
وشمَمْتُ ريحانا ً وعِطرَ سَفَرْجَل ٍ = ففـمي وقـلـبي يمرعـان ِ بمَغـنَـم ِ
لو تعرفُ الزهراءُ شوقَ ظميئِهـا = لرحيقِ كأس ِ زهورها لم تـفـطِـم ِ
بخلتْ وتدري أنّ خـبـز سـطورِها = زادي بصحـن صبابتي وتهَـيُّـمي
دخلتْ بسـاتيني فأنْضَجَ خـطـوُها = الـتـينَ والزيتونَ قـبْـل الـمـوسِـم ِ !
قـدسـيّـة َ العـينين ِ ناسِـكـة َ الـفـم ِ = رفـقـا ً بسادِنِك ِ الأسير ِ المُـغـرَم ِ
لا تحـذري ناري فإنَّ لهـيـبَـهـا = لا يـسْـتَـطيبُ ضـرامُـهُ إلآ دمي

نلاحظ أن لهجة الشاعر وصوته في القصيدة يستمر كالمدافع عن حلمه حيث يقول : " فرّت يدي" وكأنه ليس المسؤول عن يده وكأن يده لم تتحمّل هذه الياقوتة لتمتد اليها تمسّدها ،ويضيف لكن " بعفة محرم" كبرهان بدفاعه عن دخوله الى بستان من السفرجل والريحان وهو الظمآن لرحيق كأسها لما فطمته عنها ،،وحين دخلت بساتين شعره نضج التين والزيتون قبل موسمه واختيار الشاعر ( للتين ، وللزيتون ) لم يكون عشوائيا ، بل هنا علاقة ما بن الفطام وحليب التين وما بين الطفل الذي ينمو بتجذره تحت ظل زيتونة والتي هي مصدر الغذاء والعطاء والهوية .
"
رفقا بسادنك الأسير المغرم" يطلب منه أن تترفق به هو أسيرها : هنا تتبدّل الأدوار فقد كان في أول القصيدة هو من يملك زمام الأمور والآن بدخولها بستانه هي التي تتحكّم بخطواتها فيطيب له أن لا تحذر من ناره لأنه لا يستطيب الاّ دمه ،وفي الحالتين بوصفه لها " قدسيّة العينين ، ناسكة الفم " يأيتينا الى دهشة المشهد لهذه التي تدخل اليه ولم تطأ قدماها بساتين الهوى قط وانما هي كالناسكة التي لم يلثم ثغرها الاّ هو .
خَطَبَـتْكِ أعماقي فحاضرُ مَهْرِها = قـلبي وأحداقي .. وغائِـبُها فـمي
إنْ تطلبي الرُّطَبَ الجنيَّ وشهدَهُ = هزّي بمبسمِك ِ المُطَيَّب ِ مبسمي
النارُ جائعـة ٌ .. فهـلْ أطْعَـمْـتِهـا = أشواكَ أمسي في الزمان ِ الأقدم ِ ؟
زفَّ الهوى قلبي إليك ِ فزغردتْ = روضٌ وباركت ِ الطيورُ ترنّمي
لا توصدي المحرابَ عن مُـتبَـتِّل ٍ = والنهرَ والينبوعَ عن صَـبّ ٍ ظمي
قد جئتُ منهلَكِ العذوبَ مُضَرّجا ً = بالجمر ِ رفقا ً بالظميء المُسْـلِم ِ
حسبي حججتُ فهل يجوز لناسِـكٍ = صلى الوداعَ بغير شِـربة ِ زمزم ِ ؟
هل سيتم الحلم ؟؟ المهر جاهز وماذا يملك الشاعر ( القلب والأحداق ) حتى يكتمل المهر يطالبها هو الآن بأن تهزّ يمبسمها مبسمه ، ناره جائعة فهل تطعمها من أشواك الأمس ؟ ويدخلنا في موكب عرس بطقوسه التي تليق بناسك يحج الى مزار ،، فكنا أمام موكب بعرس مهيب حين زفّ الهوى قلبه اليها فزغردت الروض " وباركت الطيور ترنّمي" ان شاعرنا في النعيم واختار له المكان بطقوسه التي يهواها فيخرج عن المتعارف عليه ويكون الشاهد على هذا الزفاف الطيور والروض والنهر والينبوع ، هو المكان الذي لأأتى اليه ليطفىء لهيبه " مضرّجا بالجمر " وانزياح لغوي رائع منك شاعرنا فالمضرج بدمه للقتيل والجمر من بعده الرماد ، فما يزال في حالة من الظمأ التي تدعو الترفّق به ليقول : " حسبي حججت فهل يجوز لناسك / صلى الوداع بغير شربة زمزم " للناسك أن يحجّ وأن يطفىء جمرته المحترقة وها هو يؤكد أنه المسلم الآتي الى بئر زمزم لينهل منه ماء صافيا يسترد به ذاته الأخرى حين يعود من الحلم الى الواقع .!الشاعر يحيى السماوي : كان حلما ، لكنك لامست بالحلم الكثير من القضايا التي لا نجرؤ على النقاش فيها بالواقع فهل الاثم ان كان في الواقع كنا سنتحرّر من عبودية الحرف لنطلق لنا العنان بوصفه هذا الوصف البديع الجريء كما فعلت .. أعتقد أن المنافي تؤسس لشعرائها دولة جديدة لا يدخلها الاّ المبدعين الرافضين لطقوس هذا الزمن والالتحاف بعباءات العبودية ،، أحييك !

السبت، 25 ديسمبر 2010

استراحة داخل صومعة الفكر سعد البواردي*



* هذه خيمتي.. فأين الوطن؟!
* يحيى السماوي
* 256 صفحة من القطع المتوسط
سؤال له ما يبرره.. ويعطي له شرعية التساؤل.. وقانونية الطرح.. وانسانية الرفض.. لن يكون ابدا من فم مضجع على أريكة يرتشف كأس النخبة داخل سكنه المسكون بكل مغريات الحياة.. ورفاهيتها.. بل وتفاهتها.. مثل هذا لا تؤويه خيمة تهز رياح العوز أو الغربة اطنابها، وانما هو صوت من لا مأوى.. ولا ملجأ له.. ولا وطن له.. وشاعرنا السماوي عراقي استكثر عليه وطنه العربي الكبير ان يجد المقام فيه.. وحده فقط على بعد آلاف آميال.. ولجأ إليه مرغما لا بطلا.. مكرها لا مختارا.. حتي خيمته التي تمنى بها وتغنى عليها استكثروها عليه فرحل دون خيمة.. استعاض عنها بخيمة اغتراب يلوحها الحزن.. وتهزها رياح النفي.. عبر بها سور وطنه المذبوح.. زاده القلق.. وكوثره الرعب.. ووطاؤه الحزن.. وغطاؤه العراء.. واناؤه اليأس.. وهو في طوافه شرقاً وغرباً بعيداً عن الدار لا يرى الا بقايا رجاء.. وجواد خارج الركب.. ونخلة يتيمة على قارعة الدرب ما إن هزها حتى تساقط وطنه في قلبه ليتحمله عذاباً فوق عذاباته.. وصباً مضافاً إلى صباباته:
«شدي شراعك» عنوان قصيدته الأولى يخاطب بها راحلته ورفيقة دربه مخافة ان لا يصل. أو أن تسد ابواب الغربة في وجهه... ويتحول إلى انسان بلا مكان.. بعد ان اصبح لاجئاً بلا أوطان ولا عنوان:
«شدي شراعك فالطريق طويل
وامامنا بعد الرحيل رحيل
اني لأبصر في مرايا حاضري
قبرا به غدنا الذبيح نزيل»
ذكرته النخلة التي تصارع الرياح العاتية بنخيل وطنه التي لا تفارق ذاكرته:
«فإذا حفيف النخل لوعة نادب
وخرير دجلة والفرات عويل»
فتش في اوراقه بحثا عمن ينادي.. ابو ذر الغفاري أنس إليه وارتاح له:
«ابا ذر.. قم
ان سيفك الذي ينام في المتحف
ما عانقه الفرسان
وقومك الذين بايعوك بالأمس
انكروا البيعة»
يالضيعة السيف.. وياللوعة المبايعة مع التنكر.. انه في خطابه الشعري يرسم اكثر من صورة لأكثر من سيرة:
«اباذر..
لا العشب في الحقول
لا الموجة في النهر
تعلم الرجال بعدك الحروب»..
أين.؟! في مؤتمرات لا تجدي لأنها تستجدي.. وفي مؤامرات تنسج حبال قيودها لتشل بها الأقدام.. وان امكن الإقدام..
ومن خطابه لأبي ذر في قبره يرى الصخرة رمز قيمة. وقمة. وقامة..
«سُلَّ الضلوع صوارما عضبا
واسكب لظاك المر.. والغضبا
لا ترهبن يدا مدنسة..
ومجاملا تستهدف الشهبا
فاستأصلنَّ الجدار لا فننا
واقّلع عيون الشر لا الهدبا»
في توافق ضمني مع الشاعر الذي يقول:
لا تقطعن ذنب الأفعى وتتركها
ان كنت شهما فأتبع رأسها الذَّنَبا
ويتحدث عن الجرح.. عن نافذتيه المفتوحتين الواسعتين.. متسائلاَ:
« ياوطني الذليل
أيقوم من تابوته الجسد القتيل؟!
فاكتب وصيتك..
المدائن شيعت اقمارها
لا شيء ينبىء ان «بابل» سوف تنبض مرة اخرى»..
لا.. يا صديقي الأوطان لا تموت.. ان اقدارها تمهل.. ولكنها ابدا لا تهمل: قد تعاني.. الا ان الذي يطعم الهزيمة هو الجاني.. ماذا قال شاعرنا المبدع السماوي عن مجزرة قانا؟!
«تبقين قانا شاهدا.. وشهيدة
تحيا.. واما الميت الجلادُ
من دمك المغسول بالدم واللظى
لابد يبدأ يومه الميلاد»
لقد بدأ.. تحرر الجنوب.. واندحر الجلاد.. واظلت شمس الحرية على لبنان.. فماذا كان لك أنت؟!
«كان لي في سالف العصر وطن
ضاحك النهار
لا يعرف غير الفرح الأخضر في حقل الزمن
ثم لما هَرِم الماء
كبا النخل»
**
«السيف قبل الغد» واحدة من ابداعاته الشعرية.. ولوحاته الشاعرية المرسومة بالوجع والاستنهاض»
«لدم النضال على الدروب ندى
ما قام حق واستجار هدى
صبي رحيق الشمس في قدحي
وتوقدي. ما عشت متقدا
السيف قبل الغمد. ما نبضت
تلك الحمائل دونه أبدا»
ويسترجع ماضيه على مرآة واقعه.. وبين الماضي والحاضر يترجم ما في دواخله:
«اني وان وأد الاسى ولدي
فقد اتخذت من المنى ولدا
امشي جريح الظل. مغتربا
متوثبا حينا.. ومتئدا..»
ويستعيد نفس صور المأساة المنجذرة في اعماقه دون كلل أو ملل لأنها كل ما يملك..! ولن تكون مفاجأة إن تكون خطوته التالية خطوة قنوط لا قتوت! لا فائدة منها فهو يملك الشراع والسفينة
ولكنه لا يملك البحر.. وسفينة بلا بحر جسد دون روح..
« ما الفائدة؟
أيامنا القادمات. كأيامنا البائدة
تكحل بالامنيات الخرافة احداقنا الساهدة
اضعنا طريق البيادر
ان البساتين ممهورة بالخريف»
على هذا النسق من اليأس.. وعلى هذا السياق من البؤس يأخذ شاعرنا الغربة خطوة خطوة دون اي بارقة أمل.. ولا لحظة انتظار!! المتاهة في انتظارنا.. بكل شجونها وشئونها لأنها متاهة زمن.. وضياع مستقبل:!
«بهمومنا لا بالخمور سكارى
وليأسنا لا للعداة أسارى
نحتار سهدا حين يقرينا الدجى
ونفر من ضوء الشموس نهارا»
هل بعد كل هذه انهزامية؟!.. لا اظن.!
واعجابا بشعره.. رغم مذاق طعمه المر سوف نفتح له معا صدورنا.. وقلوبنا.. وآذاننا كي يقول لنا ما به:
«قررت ان اقول ما بي
ارهقتني هذه الأسرار
هربت من ذاكرة النخل
ومن مسغبة الامطار»
الى أين يا شاعرنا الهروب..؟! يجيبنا على الفور ودون تردد:
«مغتربا.!
هويتي. دمي الذي يسيل في خاصرة الأشعار
ودمع امي. والهوى المعار
فمن يُقبل عثرة الشارب كأس النار»
اعتراف امام محكمة التاريخ موثق.. دعه للقضاة الحكماء الذين سيأتون ويَحكمون. ولا يتحَكَّمون.
هذه المرة اعاد الينا الانفاس الطيبة.. وطيبة الطيبة تستقدمه وتحتضنه بين ذراعيها وتنصت إليه:
«اتيت طيبة همي يستبي هممي
سعيا على القلب لا مشيا على قدمي
يسابق القلبُ اشواقي فيتركني
ظلا على الدرب أو عصفا بمضطرم
أدار خير عباد الله قاطبة
تحكمي بفؤاد الصب واحتكمي
بي للأمين من الاشواق عاصفة
فهل ألام اذا عانيت من غرمي»
ابدا يا صديقي لا لوم عليك ولا تثريب.. بل المثوبة والأجر.. والشكر وقد منحتنا فسحة من الراحة الروحية:
ولأنه شاعر.. ولأن الوطن قصيدة تمده بمفردات وادبيات الشعر.. راح يسأل من يملك؟!
«من يملك الوطن.. القاتل المأجور. والسجان؟!
يا سيدتي. ام رجل المطر
نازك. والسياب. والجواهري
ام سارق الرغيفة. والدواء. والوطن؟!»
ليست اسئلة.. انها اجابات لا تحتمل السؤال.. قد تحتمل المساءلة وهو يدري ممن؟! لهذا نتجاوز «اخت هارون» بحثا عن هارون نفسه الذي نحسه بين تجاويف شعره تارة بالتصريح. واخرى بالتلميح.. ونبحث معه عن الكرامة التي جزت نواصيها:
«دربان يقتسمان قافلتي.. متاهات ومنفى
في صُرَّتي حسك..
وفي كوزي سراب الامنيات
دم الأحبة في بلاد
كان فيها النخل مئذنة. وكان العشب إلفا
للسامرين على ضفاف العشق»
تغيرت الملامح بسرعة وفي صرعة مجنونة كما عودنا في قصائده دون ملاحة او عتب فله عذره.. ولكن ماذا تغير؟! حقوله متعثرة.. عذوق نخله مكبوتة.. شطآنه مقبرة للخير ومغفرة. وخيمة منفى، لم يبق له سوى الجرح. والاحلام الغاربة.. ماذا ابقى؟ لا شيء..
يقول شاعرنا عن نفسه ان صوته خفيض.. ونقول عنه جميعا ان صوته طويل عريض فما الخوف؟!
ان صدى شعرك امتد من تراب وطنك الى ملبورن وسدني بسرعة البرق وبالعكس.. عن كل شيء صرختُ.. وصدعت.. عن الحرمان.. والأحزان.. حتى سيدك الخبز!:
« يا سيدي . يا خبز ذا وطي
رغم الطفولة متعب كهل
يا سيدي يا خبز مُرَّ على
شعب رغيف صغاره المر
احداقنا يا خبز ضيقة
وجراحنا فرط الأسى بخل»
ومن رغيف الخبز إلى طبق التنويعات التي اكلنا منها في اغلب من محطة استراحة لا داعي للتذكير بها... ولا ببعض تفاصيلها كان هذا سوف يحتزى من وقتنا ما لا يحتمل.. حتى مهاتفته مع المرأة المجهولة لا نرغب التنصت عليها.. ونكتفي منها بأعذب ما فيها:
«ضحكت. وفاض عبيرها نغما
وتنهدت. لكن على حذر
قالت: عرفتك! فاستحيتُ وقد
فضح الهوى سري على كبر»
حسنا فعلت.. فالحياء من الإيمان حتى في الحب.. وحسنا لو عذرت وقد تجاوزت بعض قصائدك الممتعة «خذني إليك» و«نخلة البرحي» و«اربع قصائد قصيرة» فالعين بعصيرة واليد قصيرة لا هثة وهي تمسك بالتعلم عبر فضاء ممتد مشحون بأثقال الهموم واشجان الغربة..
ومن حقك على المشاركة في احلامك المشروعة:
«احلم من جيلين بحقل من شجر الافراح
بنورسة.. وطيور كنار
ببساتين الأمة ان تخضر
وان بيوت الضحكة لا تنهار»
كلنا نشاركك الحلم. ونشاطرك الأمل.. والأمل يفتقر إلى عمل.. تلك هي المعادلة الصعبة.. «العصر الردي» الذي تحدثت عنه هو الانسان الرديء الذي يشكله وينسج خيوطه ويرسم خطوطه...
«نغيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيب سوانا
وقد نهجو الزمان بغير جرم
ولو نطلق الزمان بنا هجانا
« يادفء شمس الأمس».. ويا حرارة سعير ناس من اليوم.. الشمس واحدة لم تتغير.. اما تلك الحكاية في ليل بهي فمعروفة البداية والنهاية.. نظرة استحسان بريئة.. تتحول إلى حب.. إلى غزل.. ثم الى لقاء.. ووداع.. على امل لقاء جديد لا يتحول الى انتظار وشقاء.. هذا ما قلته وما يقوله اي شاعر ادركه الحظ في رسم لوحة شعره العاطفي.. ومن بهاء الليل الى هذيان العقل حيث تبدو الصورة مختلفة:
«ابناء ارومتنا
اني أحمل قرآنا عربيا
ونياشين. وسيفاً
وبواقيت الجاه
فليخبرني كل منكم عن مولاه
قلبي حدثني عن زمن احيا فيه
يصبح فيه القاتل والمقتول سواسية
والضحكة تصبح آه»
ليس قلبك وحدك.. معك كل قلوبنا حدثت وتحدثت عن الحدث.. عن زمن العولمة.. وتفرد الكبار الكبار بمقدرات هذا العالم.. وبسن تشريعاته وقوانينه وفق المزاج.. المقاومة ارهاب!! والاحتلال دفاع عن النفس!!
ولأن شهر يار عالمنا الجديد تتحرك على الساحة حسنا ان اختتم رحلتي معك وانت تخاطب شهر زاد عن بُعد «ان لا توقد الشموع»:
فإن شهر يار يستبيح كل ليلة مدينة
يغسل في دمائها جنونه
ويسكب النيران في آنية السكينة»
كنت ايها السماوي رائعا في شموخ السماء.
وفي وجع الأرض بحثا عن حيمة تُظل. ووطن يُجل.

دراسة ونقد في عباقرة أرض الرافدين



دراسة ونقد في عباقرة أرض الرافدين
«يحيی السماوي نموذجاً»
التمهيد
لاشک أن العراق کان ولا يزال مهدا للحضارات المختلفة فطبيعي أن يُربَّی في حضنه أجيال من الشعراء المجيدين کالجواهري ونازک الملائکة وأحمد مطر وبدر شاکر السياب ويحيی السماوي وغيرهم من عمالقة الشعر والأدب في عصرنا الراهن.
في هذا المقال نبحث عن شاعر ملتزم بحب آل بيت المصطفی (صلی الله عليه وآله وسلم) و هو الذي يعتبر سجلا للعراق وهويته. هذا الشاعر المناضل دافع عن وطنه بکل ماکان لديه من الغث والثمين. استهدف بالملاحقة والحصار من قبَل البعثيين في النظام الصدّامي حتى لجأ إلى المملكة العربية السعودية سنة 1991م، واستقرّ بها في جدّة حتى سنة 1997م يعمل في التدريس والصحافة، ثم انتقل مهاجرا إلى إستراليا.(الشعر العراقي في المنفی السماوي نموذجا، ص29) وعن فراره من العراق يقول: (المجلة العربية- السعودية، العدد352) «لقد خدمني الحظ كثيرًا، فقد كان من المفروض أن يُلْقَى القبضُ عليّ بعد فشل الانتفاضة الجماهيرية في شهر آذار من عام 1991م، لولا أن قدري قد خدمني كثيرًا، فنجحت في اجتياز كهف الفجيعة، والهروب من العراق لأدخل المملكة العربية السعودية، ومن ثم لأواصل مسيرتي نحو المدينة الفاضلة، المدينة الحلم».
وقد قدّمت  أسرة الشاعر شهداء كثرا للدفاع عن شرف وکرامة العراق فأختاه (أم نوفل) و(أم أحمد) فقدتا زوجيهما في هذا الدرب لينتقلا إلی عرش الله ، يقول الشاعر في إهداء کتابه «نقوش على جذع نخلة»(ص 5): «الإهداء: إلى شقيقتيَّ: (أم نوفل) وهي تنتقل من مقبرة جماعية إلى أخرى. أملاً في العثور على بقايا عظام من رفات زوجها.... و(أم أحمد) وهي تحتضن رأس زوجها المثقّب بالرصاص الأمريكي أمام مسجد بغدادي . إليهما، وإلى كل العراقيين الذين أودت بحياتهم المشانق الصدامية، وقنابل البنتاغون، أهدي هذه القصائد...»
وهذا الإهداء بحد ذاته، يكفي لشرح نوعية مضامين القصائد، ومعاناة الشاعر الصارخة مع مأساة وطنه ومواطنيه خلال عهد الطاغية صدام حسين ومرحلة الاحتلال الأمريكي (راجع: مقال لحافظ محفوظ بعنوان «الشاعر العراقي يحيى السماوي في نقوش...» نقلا عن موقع:
http://al-nnas.com/CULTURE/15nn.htm
عرف بنفسه بلغته الشعرية في حوار للمجلة العربية السعودية: (المجلة العربية- السعودية، العدد352) «اسمي الثلاثي: يحيى عباس عبود.. انتقلت من رحم أمي إلى صدرها بتاريخ 16/3/1949م في بيت طيني من بيوت مدينة السماوة.. أحمل شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، وظيفتي الحالية: فلاَّحٌ في بستان الأماني، أو: صياد ، غير ماهر، أنصب شباكي وفخاخي في حقول الحلم، أملاً في اصطياد هُدْهُدِ فَرَحٍ على غصن اليقظة في زَمَنٍ ذَبَح الحزنُ فيه عصافيرَ الأحلام..»
صدرت لشاعرنا المجاميع الشعرية التالية:
1- عيناكِ دنيا. 2- قصائد في زمن السبي والبكاء.  3- مراسيم الخروج من الجسد. 4- قلبي على وطني. 5-جرح باتساع الوطن. 6- من أغاني المشرد. 7- الاختيار. 8- رباعيات.  9-عيناك لي وطن ومنفى. 10- هذه خيمتي فأين الوطن؟  11- أطبقت أجفاني عليك. 12- الأُفُقُ نافِذَتِي. 13-زَنَابقُ بَرّيَّةٌ.  14- نقوش على جذع نخلة.  15- قليلك ... لا كثيرهن. 16  شاهدة قبر من رخام الكلمات. 17- البكاء على كتف الوطن.  18- مسبحة من خرز الكلمات.
حازت مجاميعه الشعرية على جوائز عديدة منها جائزة الملتقى الثقافي العربي في أبها لأفضل ديوان شعر عن ديوانه «قلبي على وطني» عام 1992، وجائزة مؤسسة ابن تركي للإبداع الشعري برعاية جامعة الدول العربية عن ديوانه «هذه خيمتي .. فأين الوطن» عام 1998وجائزة البابطين لأفضل ديوان شعر عن ديوانه «نقوش على جذع نخلة» عام 2008 إضافة إلى جوائز عديدة أخرى. كما مُنح درع ديوان الشعر العربي عام 2007 وقد حظي شعره بعدد من الدراسات الجامعية لنيل شهادة الماجستير. فضلا عن ذلک نشرت قصائده في العديد من الصحف والمجلات الأدبية العراقية والعربية والأسترالية.
مضامين شعره:
يتناول السماوي موضوعات مختلفة، منها: الحب والرومنسية، الأم والعاطفة الصادقة نحوها، الحنين إلى الوطن، مقارعة المحتلين، تشجيع الناس بالجهاد والشهادة في سبيل الله، مقارعة وعاظ السلاطين وغيرها من المضامين السامية.
1- الحب والرومنسية
لو تصفحنا المجاميع الشعرية لشاعرنا لوجدنا مجموعة ضخمة من قصائده مليئة بالحب والهيام حيث يمکننا أن نسميه شاعر الحب والرومنسية لأنه مليء بالأحاسيس الصادقة وکأنه شاب في عنفوان حبه العذري. إنه يقول: (مسبحة من خرزالكلمات، ص 12)
«كلٌّ يذهبُ في حال سبيله:/ النهرُ نحوالبحر/ السنابلُ نحوالتنّور/ العصفورُ نحوالعشّ/ ألآفِكُ نحواللعنة/ القلم ُ نحوالورقة/ الصلوات نحوالله/ الوطنُ نحوالصيارفة/ وقلبي نحوك».
رغم أنه ياتي بعبارات مختلفة ويواصل کلامه ليستنتج حبه تجاه الحبيبة فإنه لن ينسی وطنه الحبيب. فالعبارة «الوطنُ نحو الصيارفة» تثير في النفس الحقد على المحتل ومريديه الذين جعلوا من الوطن وما فيه سوقاً للبيع والشراء، فتُسرق ـ أو تهدر ـ مليارات الدولارات على حساب شعب يتضور جوعا .(راجع: مقال: إبداع الشاعر يحيى السماوي في "مسبحة من خرز الكلمات" لعبد اللطيف الأرناؤوط»)
يقول السماوي في قصيدته الأولى من ديوانه «عيناكِ لي وطن ومنفى» بعنوان «ترنيمة حب»: «حبكِ يا حبيبتي علمني أشياء/ أضاعني أشياءْ/  علمني كيف أكون عاشقا ً /أنسج منديل الهوى من مقل العشبِ/ ومن زنابق الضياء /فعانقي ربابتي /واقتلعي جميع ما غرست في حشاشتي/ من شجر النساءْ/ وحطمي كلّ القناديل التي/ ما مرّةً أيقظتِ الربيعَ/ في حدائق الشتاءْ/ حبك يا حبيبتي/ علمني الضحك كما علمني البكاءْ.....»
عندما يتکلم السماوي عن الحب والحبيبة لا ينسی وطنه فقصائده مليئة بحب الوطن وکأنَّ الوطن و ذکر اسمه احلی شي فی حياته. يقول في قصيدته بعنوان «في آخر العمر»: (قليلک لا کثيرهن، ص  39) «واكتشفتُ أنني بلا حبِّكِ يا حبيبتي / فقيرُ../ في آخر العمر اكتشفتُ / أنَّ كلَّ وردةٍ حديقةٌ كاملةٌ / وكل كوخٍ وطنٌ / وتحتَ كلِّ صخرةٍ غديرُ/ والناسَ – كلَّ الناسِِ- ما دمتِ معي / عشيرُ.. / في آخرِ العمرِ اكتشفتُ / أنَّ قلباً دونما حبيبةٍ / مبخرةٌ ليسَ بها بخورُ/ في آخر العمر اكتشفتُ / أنَّ لي طفولة ضائعة ً / جاءَ بها حبُّكِ / فاستعدْتُ ما أضاعهُ المنفى...»
غزل السماوي فی الحب فريد من نوعه فهو غزل عفيف وعذري وله صبغة خاصة، مختلف عن غيره بحيث قلَّما نجد له مثيلا لدی الآخرين. ونجده أحيانا يمزج الغزل بالبکاء والعويل علی الهوی والوفاء بالحب کما جاء في قصيدته الشهيرة «أوصيك بي شراً إذا خنت الهوى»(من البحر الکامل)؛ فهو يصف مراسيم غسل ميت الحب ويخاطب الحبيبة بأنها تعتزم علی دفن المنی کطفلة موؤودة فيشهد ربه أن حبيبته لم تقتله بل نفسه المطمئنة قبلت القتل فهي راضية مرضية. وفي الختام يصف نفسه بأنه عفيف في الحب و يقول:( البکاء علی کتف الوطن، ص 119)
هَيَّأْتُ غُسْلي والنُعاةَ .. فَهَيّا (1)        تَعِبَ الهوى .. والصَّبْرُ باتَ عَصِيّا
ما دُمْتِ عازمةً على وأْدِ المنى                  فَلْتُجْهزي قبلَ الفراقِ عَلَيّا
أَشْهَدْتُ رَبّي لن أقولَ قَتَلْتِني                    يومَ الحسابِ غداةَ أبْعَثُ حَيّا
مَرْضِيَّةٌ .. لن تشتكيكِ لِرَبِّها (2)              نفسي إذا أَغْمَضْتِ لي عَيْنَيّا
ما سِرُّ خِنْجَرِكِ اصطفى صدري له            غِمداً وَقَدْ شَلَّ الجفاءُ يَدَيّا؟
حَرَّضْتِني ضِدّي .. فكم من غادةٍ             أغْمَضْتُ عن ياقوتِها جَفْنَيّا
عَطِشَ الهوى فأبى سواكِ لقلبِهِ                نبضاً وَدِفْئاً للضلوعِ وَرِيّا
لا تنفِني من حقلِ قلبِكِ .. إنني                عشتُ الحياةَ مُشَرَّداً مَنْفِيّا
أُوصِيكِ بيْ شَرًّا إذا خنتُ الهوى               وَنَكَثْتُ عهدَ محبةٍ عُذْرِيّا
(1) الغُسل: ماء غسل الميت. (2) إشارة إلى قوله تعالى: ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (الفجر: 28).
2- الأم والعاطفة الصادقة نحوها
تموج العاطفة الصادقة نحو الأم في جميع قصائده بل في کل لفظة من ألفاظة نثرا ونظما فهو شاعر رومنسي للغاية وبما أن کلماته نابعة من القلب الصادق فهي تدخل صميم الفؤاد بل تجري في کل خلية من خلايا القلب دون إذن مسبق. يقول الشاعر فی مجموعته النثرية الموسومة «شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات»: (ص 25) «يومَ صَفعَتني /بكيتُ كثيرا ../ ليس لأن الدمَ / أفزَعَ الطفلَ النائم في قلبي / ولكن :/ خشيَة َ أنْ يكون وجهي الفتِيّ/ آلمَ كفّ أمي.»
نجد قمة الروعة في هذه المقطوعة العاطفية؛ فهناک ابن مثالي يعشق أمه لدرجة يتأسف من أن وجهه آلم کفها! فکلامه هذا يذکرنا قول الشاعر الإيراني إيرج ميرزا في قصيدته بعنوان «قلب الأم» عندما يصف في شعره أمّاً مثالية حيث يقول: إن شابا عَشِقَ فتاة فهي طلبت منه أن يشق بخنجر صدر أمه فيأتي بقلبها حتی ترضی بالزواج منه فهو أدخل الخنجر في صدر أمه الحنون فأخرج القلب من مکانه و لکن عندما أسرع نحو الحبيبة سقط علی الأرض فوقع القلب النابض علی الارض عندئذ سمع صوتا من القلب المقطوع قائلا: يا ويلتي اصطدمت رجل ابني!! يا ويلتي جُرِحَت بضعةُ فؤادي....(ديوان، ص 45)
وصف السماوي عيونه الباکية في مراسيم تشييع جثمان أمه الحنون کجدولين من الدموع قائلاً: (شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، ص 10)
«وشيَّعَتها :/عيونُ الفقراء ../العصافيرُ ../ويتامى كثيرون ../يتقدَّمُهم شقيقي بطرَفِهِ الإصطناعية ../وشقيقتايَ الأرمَلتان ../وجدولان ِ من دموعي
فعناصر التشييع تتکون من عيون الفقراء والعصافير واليتامی وأشقاء الشاعر. وقد حاول السماوي أن يرسم بريشته الشعرية لوحة حزينة لهذه المراسيم المؤلمة. کل هذه الصور حصيلة عاطفته الصادقة.
ونری قمة الروعة في شعره عندما يصف أشقاءه يغطون قبر أمه بأغطية من التراب فيأتي بصناعة «حسن التعليل» البديعية ويدعي بأنه لم يأت الشتاء فلماذا غطاها أشقاؤه؟ ويجيبهم قائلا: كي لا تسمعَ نحيبي! فالعاطفة الصادقة تموج في کلماته هذه: (شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، ص15)
«الفصلُ ليس شتاء ً / فلماذا غطاها  أشقائي / بكلِّ هذه الأغطية من التراب ؟ / ربما  / كي لا تسمعَ نحيبي  / وأنا أصرخُ في براري الغربة / مثل َ طفل ٍ خطفوا دُمْيَته: / أريدُ أمي ../فتبكي!»
لاننسی أن السماوي رغم عاطفته الصادقة له خبرة وافرة بإتيان صنعة «حسن التعليل» في کلامه: (شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، ص26) «مرَّة ً/ لسَعَتْ نحلة ٌجيدَ أمي/ ربما/ ظنتْ نقوش جيدِها ورودا زرقاء/ لتصْنعَ من رحيقها عَسَلا/ خضرَة ُ عينيها /أغوت الفراشات ِ للإقامة / في بيتنا  الطينيّ!»
لفظة «الأم» لها دور کبير في قاموس السماوي حيث لا تجد قصيدة رائعة إلا و فيها لمحة إلی الأم وحنانها إنه لن يترک ذکرها ولو کان مراسيم تشييع جثمانها فيأخذ بريشته الشعرية ويخلق أجمل الصور وکأنها لوحة ألصقت علی الجدار: (شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، ص8)
«في أسواق أديليد (1)/وجَدَ أصدقائي الطيبون/ كلَّ مسْتلزماتِ مَجلس العزاء:/ قِماشٌ أسود/ آياتٌ قرآنيةٌ للجدران/ قهوةٌ عربية/ دِلالٌ وفناجين/ بخورٌ وماءُ الورد/ باستِثناء شيءٍ واحد:/ كأسٌ من الدموع ولو بالإيجار/ أُعيدُ به ِ الرطوبةَ/ إلى طين ِعينيَّ / الموشِكتين/ على الجَفاف!»
(1) أديليد من المدن الأسترالية.
إنه لاينسی الأم حتی في لحظات التکلم عن الوطن: (شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، ص16)
«لستُ سكراناً/ فلماذا نظرتم إليَّ بازدراء/ حين سَقطتُ على الرصيف؟/ مَنْ منكم لا ينزلِقُ مُتدَحْرجاً/ حين تتعثرُ قدَماه بورقةٍ / أو بقطرة ِ ماء / إذا كان / يحملُ الوطنَ على ظهره/ وعلى رأسه/ تابوتُ أمه؟»
صورة الأم لدی السماوي صورة جميلة ساکنة في قلبه کما يقول:(شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، ص13)
«أيُّها العابرُ .. لحظة ً من فضلِك/ هلاَّ التقطتَ ليْ/ صورةً تذكاريةً مع الهواء؟/ وأخرى مع نفسي؟/ وثالثة ً عائليّة/ مع الحزن والوجَع ِ الوحشيِّ/ وأمي النائمةِ/ في قلبي؟»
للسماوي أسلوب خاص في التشبيه مرة يميل نحو المبالغة في التشبية کما يقول في تشبيه عذابه بعذاب جهنم عندما يتعذر عليه توديع أمه: (شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، ص 11)
«سُبحانكَ يا رب!!/أحَقا ًأنَّ عَذابَ جَهَنم/ أشدُّ قسوة ًمن عذابي/حين تعَذرَ عليَّ /توديع ُ أمي؟ /آه .. لو أنَّ ساعي بريد ِ الآخرة / وضعَ الرسالة َ في صندوق عمري/لا على وسادة  أمي!»
فعمد الشاعر الی استخدام المحسوس يعنی ساعي البريد بدلا من اللامحسوس يعنی ملک الموت.
مرة أخری نراه شبه نفسه بطفل صغير فَقَد دميته فيبکي بشدة، للمبالغة في البکاء: (شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، ص 15) «وأنا أصرخُ في براري الغربة/ مثلَ طفلٍ خطفوا دُمْيَته:/ أريدُ أمي/ فتبكي! /لماذا رَحَلتِ/ قبلَ أنْ تلِديني يا أمي؟/ أدريكِ تحِبّينَ الله/ ولكنْ:/ أما مِنْ سلالمَ غيرُ الموتِ/ للصعود إلى المَلكوت؟»
3- الحنين الی الوطن
يعشق السماوي وطنه کما يعشق حبيبته؛ فالوطن في ذاکرة الشاعر له مکانة سامية ولذلک عندما يتذکر حبيبته لا ينسی ذکر الوطن بکل جزئياته من النهر والنخيل والأعشاب. فالوطن حبيبته الثانية لأن حب الوطن محبوک في ضميره ووجدانه. يقول في قصيدته «تَماهي»: (قليلک لا کثيرهن، ص 21)
«بينكِ والعراقْ/ تماثلٌ/ كِلاكُما يسكنُ قلبي نَسَغَ احتراقْ/ كلاكما أعلنَ عصياناً/ على نوافذِ الأحداقْ/ وها أنا بينكما/ قصيدةٌ شهيدةٌ/ وجثَّةٌ القى بها العشقُ/ الى مقبرةِ الأوراقْ...بينكِ والفراتْ/ آصِرَةٌ/ كِلاكُما يسيلُ من عينيَّ/ حين يطفحُ الوجدُ/ وحين تشتكي حمامةُ الروحِ/  من الهجيرِ في الفلاةْ/ كلاكما صيَّرني أمنيةًً قتيلةًً/ وضحكةً مُدماةْ/ تمتدُ من خاصرةِ السطورِ/ حتى شَفةِ الدواةْ/ كلاكما مئذنةٌ حاصَرها الغُزاةْ../ وها أنا بينكما/ ترتيلةٌ تنتظرُ الصلاةْ/ في المدنِِ السُباتْ....بينكِ والنخيلْ/ قرابةٌ/ كلاكما ينامُ في ذاكرةِ العشبِ/ ويستيقظُ تحتَ شرفةِ العويلْ/ كلاكما أثكلهُ الطغاةُ والغُزاةُ/ بالحفيفِ والهديلْ/ وها أنا بينكما/ صبحٌ بلا شمسٍ/ وليلٌ ميّتُ النجوم ِوالقنديلْ»
للسماوي سبب آخر لحبه للوطن الغالي إذ يقول: (شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، ص7)
«ليَ الان سَبَبٌ آخر/ يَمنعُني من خيانةِ وطني:/ لحافٌ سَميكٌ من ترابه/ تدَثرَتْ بهِ أمي/ ووسادة ٌ من حجارته/ في سرير قبرها!»
لاشک أن حب الوطن نابع من إيمانه العميق. فهو يحب وطنه کما يحب أمه ولذلک کلما يتکلم عن الأم أو الحبيبة لا ينسی ذکر الوطن معها. إنه يری في لون عباءة أمه عَلم بلاده ووطنه عندما يقول: (شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، ص33) «عباءتها الشديدة ُ السواد/ وحدُها اللائقة عَلما ً لبلادي ../فيها كل تفاصيل الوطن!»
وله قصيدة رائعة بعنوان «اخرجوا من وطني»(من البحر الرمل) هذه القصيدة تعتبر قمة الروعة في وطنياته لأنها مزيج من الفن و الروعة لأسباب يُذکر بعض منها:
أولا: استخدام البحر الرمل الذي يستخدم عادة للحماسة و تشجيع الجنود في ساحات القتال. ثانيا: انتخاب القوافي الجميلة المختومة بالياء و النون.ثالثا: استخدام المناسب و الجميل من الآية الکريمة « ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ» (46الحجر) لمعنی آخر يعنی «اترکونا بِسَلَامٍ آمِنِينَ » رابعا: المقارنة الجميلة بين الشيئين: السيء والأسوأ، مثل (الخنزيرَ والذئبِ) أو (الطاعونَ والسلِّ). خامسا: استخدام التعابير الجديدة التي لم نجدها من قبل لأنها غير موجودة في اللغة و الأدب مثل: (حرِّرونا منكم الآنَ)
وها هي رائعته الخالدة: (نقوش علی جذع النخلة ص 107) «هذه الأرضُ التي نَعشقُ /لا تُنْبِتُ وردَ الياسمينْ /للغزاة الطامعينْ / والفراتُ الفحلُ /لا يُنْجبُ زيتوناً وتينْ /في ظلال المارقينْ /فاخرجوا من وطني المذبوحِِِِِِِ شعباً /وبساتينَ ...وأنهاراً ... وطينْ /فاتركونا بسلامٍ آمنينْ /نحن لا نستبدلُ الخنزيرَ بالذئبِ/ ولا الطاعونَ بالسلِّ/ وموتاً بالجذامْ/فاخرجوا من وطني .../خوذةُ المحتلِ لن تُصْبِحَ/عُشاً للحمامْ/ فاخرجوا من وطني .../والدمُ المسفوحُ لن يُصبحَ أزهارَ خُزامْ/ فاخرجوا من وطني .../والبساتينُ التي غادَرَها النبعُ/ وما مرَّ عليها – منذَ جيلينِ- الغَمامْ/ تصرخُ الآن اخرجوا من وطني .../فارفعوا -باسم الملايين- أياديكم/ عن الشعبِ المُضامْ/ حرِّرونا منكم الآنَ .../ومن زيف الشعاراتِ/وتجّار حروب "النفطِ والشفطِ"/وأصحاب حوانيت النضالْ/ سارقي أرغفةَِ الشعبِ/ وجلاّدي العصافير .../أدلاّءِ جيوش الاحتلالْ/ والمُرائينَ الذين استمرأوا الفتنةَ والغيَّ/ منادينَ بحقِّ المرءِ في السَّحْتِ/ وبالكفرِ الحلالْ/فاخرجوا من وطني...»
ويقول أيضا : (مسبحة من خرز الکلمات، ص 95) «حبي کالزمن:/ يکبر في کل اللحظات/ و کالوطن حزني:/ يضيق في کل اللحظات»
4- مقارعة المحتلين
شعر السماوي مليء بالصراخ و الغضب علی المحتلين. قلما نجد قصيدة إلا و فيها لمحة غاضبة إلی احتلال العراق. إنه استخدم قصائده للدفاع عن الوطن المغصوب حيث يقول: (شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، ص96)
«لو كنتُ سَوطا ً/ لجَلدتُ الجلاد / لو كنتُ طاعونا ً/لاتخذتُ البيتَ الأبيض/ حقلا ً لِمنجَلي...»
إنه شبَّه المحتلين بالجـراد المنتشر في قصيدته «نقوش على جذع نخلة» فيشجع العراقيين بالاتحاد ووحدة الصفوف لطرد الغاصبين من الوطن، فيقول: (نقوش علی جذع النخلة، ص178)
«كلُّ الجَرادِ البشريِّ الآنَ في بغدادْ / فَيا جياعَ الرافدينِ اتَّحدوا/ وَنَظِّفوا الحقلَ من الجَرادْ/ كي لا يجوعَ في الغدِ الأبناءُ والأَحْفادْ/ فإنَّ تأمينَ رغيفِ الخبزِ/ فَرْعٌ من فروعِ شِرْعَةِ الجهادْ».
نراه يعترض علی الأمريکيين لأنهم يقتلون الأبرياء فيعتذرون أمام الشعب العراقي المظلوم. يقول الشاعر في قصيدته « القتلى لا يحييهم الاعتذار» (من البحر البسيط): (قليلک.. لاکثيرهن، ص 235)
فيمَ اعتذارُك ِ؟ ما أبقيْتِ ليْ مُتَعا          تغْوي العيونَ بنجم ٍ ضاحك ٍ سَطعا
هبي المسرّةُ عادتْ.. وانتهى زَعَل             وأشمستْ ظلمةٌ والودُّ قد رجعا
فهلْ يعيدُ لمذبوحٍ صدى أسَفٍ            نبضاً ويُعْشِبُ صخراً مائجٌ خدعا؟
و يصف الموالين لأمريکا و أجهزتها الأمنية بأنهم ابتعدوا عن الله بقدر اقترابهم من هؤلاء: (مسبحة من خرز الکلمات ، ص 89) «أکثر الناس ابتعادا عن الله /هم الأکثر قربا/ من CIA»
ويخاطب المحتلين بشکل غير مباشر ويؤکد علی أن وطنه لاينثر للغزاة ورودا بل يرفع رأسه شامخا باسقا کأشجار النخيل فلاتخضع أمام المعتدين: (نقوش علی جذع النخلة ص 113)
حاشاكَ تنثرُ للغزاةِ وُرُودا                   فَلَقَدْ خُلِقْتَ كما النخيلِ عنيدا
لا زال فيكَ من (الحسينِ) بَقيَّةٌ          تأْبى الخنوعَ وإِنْ تُباحَ وريدا
لا ينسی السماوي الإمام الحسين (عليه السلام) في شعره لانه يعتبر رمزا للصمود والفداء ذلک الإمام الذي کان شعاره يوم عاشوراء، وشعار جميع الأحرار الذين لا يرضخون للظلم:
« ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلة، وهيهات له ذلك منّي، هيهات منا الذلة، أَبى الله ذلك لنا ولرسوله والمؤمنون، وحجور طهرت، وجدود طابت، وأُنوف حميّة، ونفوس أبيّة أن يؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ((مقتل الخوارزمي 7:2، بحار الأنوار 83:45 )
ويتذکر کربلاء و يوم عاشوراء عندما يشير الی المجازر في العراق قائلا: (نقوش على جذع شجرة، ص 125) «طفلٌ بلا ساقَينْ / وطفلةٌ مشطورةٌ نَصْفَينْ / وطاعِنٌ دونَ يدٍ / وامرأةٌ مقطوعةُ النهدينْ / وَكُوَّةٌ في قُبَّةِ (الحسينْ) / جميعُها: / حصادُ طلقتينِ من دَبَّابَةٍ / مَرَّتْ بـ (كربلاءْ) / تحيَّةً ليومِ عاشوراءْ»
وفي قصيدته بعنوان «أطلقوا سراح وطني من الاعتقال» يعترض علی الذين جاؤوا من وراء البحار لاعتقال وطنه: (شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، ص35)
«القادمون من:/ وراء المحيطات/ الغاباتِ الحجرية ِ الأشجار/ مدنِ الثلج والنحاس/ فنادق الدرجة الأولى/ إصطبلات رعاة البقر/ المباغي الأيديولوجية:/ أفرغوا حنجرتي من الصوت/ وعينيَّ من الدموع/ وشفتيَّ من الإبتسامات/ ومئذنتي من التراتيل/ وصباحاتي من الألق/ ومساءاتي من النجوم/ وحديقتي من الورود/ وحقولي من البيادر/ وبيتي من الطمأنينة/ والشارع من البهجة/ استبْدلوا:/ بكوفيَّتي خوذة/ بحصاني دبابة/ بحديقتي خندَقا/ بنخيلي أعمدة ً كونكريتية/ بأساوري قيودا/بـ " زهور حسين "ما دونا"/ بالقرآن مجلة َستربتيز/ ودما ً بمياه الينبوع/ وساندويشة ماكدونالد بخبز أمي/ أطلقوا سراحي من قبضة الخرتيت /واعتقلوا  الوطن/ ثم أعطوني قلما ً ودفترا /لأكتبَ عن الحرية/ أو تقاريرَ/ عن الذين يرفضون تحريضَ :/النار ِ على الأكواخ ../ والقحط ِ على الحقول ../وأكياس ِ الرمل ِ على الشرُفات/ و" ابنِ طالب " على " ابن الخطاب " /و "أبي ذر الغفاري" على "القدّيس أوغسطين" /والخنادق على الحدائق / والسيوفِ على الرؤوس/ والسيارات المفخخة على الأسواق الشعبية/ والأكفانِ على مناديل العشق/ والدخانِ الطائفيِّ على قوسِ القزَح/ والرذيلةِ على الفضيلة/ واللصوصِ على الوطن/ و" الأمْرَكة ِ" على " العراقة "/ فهل ثمة مَنْ يلومني /إذا صَرَختُ ملء حنجرتي:/ أعيدوني إلى زنزانتي/ وأطلقوا سراح َ وطني؟»

و ينتقد في قصيدته اللاذعة بعنوان (البيت الأبيض) سياسات الأمريکيين قائلا:(شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، ص133) «ما يلوحُ في الأفق/ليس بيتا ً أبيض /إنه :/جَبلٌ /من أكفان ِ ضحاياه ../قبرٌ رُخاميٌّ هائلُ الحجم ِ/ ترقدُ فيه /جثامينُ العدالة ../خريفٌ وحشيٌّ  /يتهَدَّدُ حقولَ الفقراء /بالقحط والمسغبة/ مشفىً أبيضُ /للقلوب السوداء/ ثلاجة ٌخرافيّة ٌ/ للضمائر المُحَنطة/ والشرَفِ المتفسِّخ/ تلالٌ من الملح/ مُهيّأةٌ/ لنثرها في جراح الشعوب/ شاهدة ٌبيضاء/ في مقبرة العولمة/ خط َّعليها بالحبر السرّي:/ هنا وُئِدت السيدةُ " قوَّة ُ الحق " / تنفيذا ً لأمر الحاكم " حق ّ القوة "/إنهُ :/الجزءُ الطافي/ من جبل الجليد/ العائم / في دماء الشعوب !!»

5- تشجيع الناس للجهاد والشهادة في سبيل الله
نری في معظم دواوين الشاعر تشجيعه للقيم الإسلامية السامية کالجهاد والشهادة في سبيل الله. دون شک استلهم فی قصيدته بعنوان «يا آل ياسر» من خطبة الجهاد للإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) عندما قال: (نهج البلاغة، الخطبة رقم: 27، ص 94) «أمَّا بَعْدُ، فَإنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ، أَلبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلاَءُ، وَدُيِّثَ بِالصِّغَارِ وَالْقَمَائَةِ(1)، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالإِسْهَابِ(2)، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْييعِ الْجِهَادِ، وَسِيمَ الْخَسْفَ (3) وَمُنِعَ النَّصَفَ»
1- أي ذُلِّل بالصّغار والإهانة.  2- الثّرثرة. 3- أي كلف المشقّة.
و يخاطب الشاعر آل ياسر قائلا: (قلبي على وطني، ص 34)
يا "آل ياسرَ" في العراقِ تَصَبَّروا               إنَّ الجهادَ – إلى الجنائنِ – مَعْبَرُ
يا "آل ياسرَ" والعذابُ ثوابُهُ                   - إن كان من أجلِ العقيدةِ - أكبَرُ
لولا رحيل الضوءِ ما عَرَفَ الفتى             فضلَ العيونِ إذا احتواه المنظرُ
ولعلَّ نازلةً يُصابُ بها الفتى                   يوماً – تعيدُ له الحياةَ وَتُبْصِرُ
ما مات "عمار بن ياسرَ".. إنما                مات الذي بدم ابن ياسرَ يأْمُرُ!
يا آلَ ياسرَ والنعيمُ مذاقُهُ                       مُرٌّ على خَسَفٍ وإنْ هو كَوْثَرُ
إنَّ القرودَ – وإنْ تَسَلَّقَت الذرى                    تبقى قروداً ما تطول الأدْهُرُ!
يا آل ياسرَ والشهادةُ حلمنا                       ما دام "أبرهةٌ" بدجلة يمخُرُ
يا آل ياسر والفتى بعقيدةٍ                    يُجْلى – فيملك أَصْغَرَيْهِ وَيُؤْسِرُ
6- مقارعة وعاظ السلاطين
عرف شاعرنا أن أخطر ما يُهَددُ الإنسان هو فتاوی أصحاب العمائم والذين باعوا آخرتهم بدنياهم والذين يفسرون القرآن وفق أهوائهم علی مزاج أصحابِ البلاطات إنه يستهدفهم بسهامه الشعرية فيرمي نباله باتجاههم فيُصيب الهدف. عندما يقول: (نقوش علی جذع النخلة ص123)
«أخطرُ ما يُهَدِّدُ الإنسانْ /عِمامَةٌ /تكتبُ فَتْواها على طاولةِ السلطانْ /تُجِيْزُ للرَعِيَّةِ الجوعَ /وللخليفةِ التُخْمَةَ/ أو تُفَسِّرُ القرآنُ/ على مِزاجِ صاحبِ الإِيوانْ»
ويهاجم في قصيدته «تعاويذ» (من البحر الرجز) وعاظ السلاطين الذين يحثّون الناس باسم الجهاد لقتال الشعب العراقي المظلوم: (نقوش علی جذع النخلة ص151)
«أعوذُ باللَّهِ من الصلاةِ خلفَ لحيةٍ / تُمَجِّدُ الغُزاةْ / ومن رصيفٍ ينبذُ الحُفاةْ / أَعوذُ باللَّهِ من الساسةِ ينسجون للعُراةْ/ ثوبَ الشعاراتِ التي تُبايعُ الطُغاةْ / أعوذُ باللَّهِ من الأَئِمَّةِ التُجّارْ /الشاكرين نِعْمَةَ الدولارْ/ في الليلِ يبكونَ (عَلِيًّا) / ويُبايعونَ قاتليهِ في النهارْ/ كفرتُ بالجهادْ/ إنْ كان يستهدفُ في رصاصِهِ الجياعَ/ والأطفالَ والنساءْ /لا القاتلَ المحتلَّ / والمُسْتعْبَدينَ القادةَ الإِماءْ / كفرتُ بالقنبلةِ العمياءْ / تَضِلُّ دربَها إلى مرعى الخنازيرِ التي/ تمرعُ في (المنطقةِ الخضراءْ)/ كفرتُ بالنضالِ/ معروضاً بأسواقِ المخابراتِ للإيجارْ/ وبالعمائمِ التي تُحَرِّمُ الجهادَ/ حين تُسْتَباحُ الدارْ/ كفاكِ هذا العارْ/ كفاكِ هذا العارْ/ يا أُمَّةَ اللَّه انهضي ../كفاكِ هذا العارْ/ من قبلِ أَنْ يُطْبِقَ ليلُ القهرِ بالدُجى/ على بقيةِ النهارْ/ وقبل أَنْ يُؤَمْرَكَ (القرآنُ) /تُهَوَّدَ الأمصارْ».
ديدن السماوي في کثير من قصائده هو اللمحة الخاطفة إلی قضية إسلامية لتکون عبرة للأجيال القادمة فهو يلمح إلی الذين کانت قلوبهم مع الإمام علي (عليه السلام) ولکن سيوفهم کانت عليه باسم الجهاد في سبيل الله!! و لذلک يشير الی هذه البرهة التأريخية بقوله: «في الليلِ يبكونَ (عَلِيًّا) / ويُبايعونَ قاتليهِ في النهارْ»
فنونه الشعرية
لم يدخل السماوي في فن من فنون الشعر إلا ورجع مرفوع الرأس لأنه خبير بأساليب الشعر فلا يفرق عنده الشعر الکلاسيکي أو شعر التفعيلة أو قصيدة النثر لأنه قد اختبر قريحته الشعرية في جميع المجالات. فهو في المدح والغزل والرثاء والفخر والهجاء وغيرها أستاذ بارع بکل معناه فدواوينه الشعرية خير دليل علی ما ادعيناه. هنا للاختصار نکتفي بنموذجين من فنونه الشعرية يعنی الموشحات والهجاء.
1-الموشحات
المُوَشَّحُ - لغةً: من مادة «وَشَحَ» والوِشاحُ: حَلْيُ النساء، عقدان مِن لؤلؤ و جوهر منظومان مُخالَفٌ بينهما معطوف أحدهما على الآخر تَتَوَشَّحُ المرأةُ بِه. واصطلاحاً: هو فنٌ شعريٌ استحدثه العرب في الأندلس قبل نهاية القرن الثالث الهجري. و شاعت فيما بعد في‏الشام وسائر البلدان العربية.
دون شک فن الموشحات يحتاج الی خبرة فائقة لدی الشعراء. فشاعرنا دخل في هذا المضمار فخلق أجمل صورة من الموشحات بحيث لو عرضنا موشحته «مياه الشهب» علی الکثير من الأدباء و الشعراء ولم نذکر اسم الشاعر لن‌يشک أحد بأن الموشحة ليست إلا من إنشاد الشعراء الأندلسيين لأن الوزن والقافية وشکل الموشحة کالمطلع والقفل والخرجة کلها تشبه الموشحات الأندلسية، حيث يقول: (ديوان قلبي على وطني، ص 61)
إسْقِنا من صوتِكَ العذبِ طِلا          نحن لا نشربُ ماءَ العِنَبِ
يا نداءً جاءني في السَحَـرِ
مُشْرِقاً مثلَ جبيـنِ القَمَـرِ
لم أكنْ أعرف معنى السَّمَرِ
 قَبْل أنْ أَعْرفَ ذا النَّبْعَ ولا         عرفَ القلبُ مياهَ الشُّهُبِ
يا حبيبي أنا مـاضٍ للحبـيبْ
لأُصَلِّي في شـروقٍ ومغيـبْ
والذي يدخل في البيتِ الرحيبْ
يَزْدَهِي منه فؤادٌ ثُكِلا            حين ضاقَ الأفق بالمغتربِ
2- الهجاء باستخدام الفکاهة
الهجاء لدی السماوي مزيج من الفکاهة اللاذعة لأنها تصوير من واقع الحياة المعاصرة للعراق. هنا نلفت انتباهکم إلی إحدی قصائده النثرية باسم «الجنة ليست منجم فحمٍ حجريّ» ففيها رسمت لوحة فکاهية من نوع مُرّ کالحنظل وها هو يعرض خردواته علی الرصيف و لکن من نوع خاص: سيّاراتٌ مفخخة، جثامين الأطفال للمقابر، توابيت، عمائمُ للإيجار، لحىً مختلفة، فتاوی بلاقيمة، جوازات مزورة و هکذا دوليک....کل هذه الخردوات تعتبر رمزا من رموز الإرهاب في العراق، فيقول:(شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، ص117)
«سأعود إلى صحرائي ../وخيمتي ../وناقتي ../هذه المدينة مَسلخٌ بشريّ !/خفيفا ًً سأخرجُ  /ها أنا أعرض خردواتي على الرصيف ../إليَّ .. إليَّ ../عندي سيّاراتٌ جاهزة للتفخيخ ../ومن الأطفال ما يكفي لافتتاح/ عشرين مقبرة جديدة ../عندي توابيت جاهزة للتشييع ../عمائمُ للإيجار ../لحىً مختلفة الأنواع :/سوداء ُ لامعة ٌ كأحذية الجنرالات ../كثة ٌ مخضبة ٌ بالحِناء /كجدائل عجوز شمطاء ../وأخرى ناصعة ُ البياض كالأكفان ../وعندي معارضون جاهزون للتصدير ../وفتاوى حسبَ الطلب /تجيزُ استخدام الديناميت/كوسيلة ٍ لتحديد  نسل ِ أمَّة ٍ/تهدم ُ أكثرَ مما تبني/وتأكل أكثر َ مما تزرع ../أمّة من أجل أبنائها وُجدت :/وكالة الغوث ../مُخيَّماتُ اللاجئين ../مُعسْكراتُ الإحتجاز ../الجوازات المزوَّرة ../سُفن تهريب الأغنام البشرية ../ومن أجلها وحدها/أوجدَت الأممُ المتحدة/ صندوق الشكاوى /ولوحة إعلانات للقضايا/ دائمة التأجيل!!/ أيها الهمَجيّون/ الجنة ليست منجمَ فحمٍ حجريّ/ لتفْتَحَ أبوابها بالديناميت ../ليستْ مسلخا لِتدْخل بحزِّ الرؤوس ../إذا كان الإرهابُ  جهادا ً/والقتلُ الأعمى تقىً/ فإنّ آرييل شارون /أتقاكم جميعا/ ولا ثمة أجدَرُ من "الفوهرر"(1)/ بالإمامة  !»
(1) الفوهرر بمقتضى العقيدة النازية، زعيم «معصوم» لا ينخدع ولا يخطئ بل دائماً على الحق وهو شخصية فذة وعالمية، فوق النظام. هذا الاسم أطلق أدولف هتلر.
و له مقطوعة هازئة وهازلة بعنوان «جلالة الدولار»: (نقوش علی جذع النخلة، ص62)
«جَلالةُ الدولارْ/ حاكمُنا الجديدُ ظِلُّ اللَّهِ فوقَ الأرضِ/ مبعوثُ إلهِ الحربِ والتحريرِ والبناءِ والإعمارْ/ له يُقامُ الذِكْرُ/ تُنْحَرُ القرابينُ/ وَتُقْرَعُ الطبولُ/ تُرْفَع الأستارْ/ وباسمِهِ تكشفُ عن أسرارِها الأسرارْ/ وباسمِهِ تمتلئُ الحقولُ بالسنبلِ/ أو يُصادَرُ الرغيفُ/ فهو صاحبُ العِزَّةِ في المدائنِ المذبوحةِ النهارْ/ جلالةُ الدولارْ/ منقذُنا/ والمرشدُ الفقيهُ يُفْتي فَيُطاعُ/ لا كما كانت فتاوى السيدِ (الدينارْ)/ لِحْيَتُهُ الخضراءُ صهوةُ المُضاربينَ/ في مصارفِ (الحوارْ)/ فَتَسْتَحيلُ جَنَّةُ اللَّهِ إلى جَهَنَّمِ/ وتَسْتِحيلُ النارْ/ حديقةً قُدْسِيَّة الأَزْهارْ/ جلالةُ الدولارْ/ في ساعةِ (الحساب) يبقى وحدَهُ/ الصانعَ للقرارْ:/ (يجمعُ) مَنْ يشاءْ/ (يقسمُ) مَنْ يشاءْ/ (يَطْرَحُ)/ أو (يضربُ) ما يوصي به الأَحبارْ/ يمكنُ أنْ ينوبَ عن فضيلةِ القاضي/ وعن بنادقِ الثوارْ/ العارِضينَ عُدَّةَ النضالِ للإِيجارْ/ طَلْعَتُهُ/ تغوي على ذبحٍ شقيقٍ/ واجتياحِ جارْ/ تُسْتَسْهَلُ الأخطارُ دون وِدِّهِ/ ويكبرُ (الصغارْ)/ تحت سَنا بَريقه المُعارْ/ سماحةُ الدولارْ/ صار إماماً .. إِنما/ يَؤُمَّ كلَّ تابعي بريقِهِ/ نحو الخَنا والعارْ/ عدالةُ الدولارْ/ تُطالبُ المذبوحَ/ أَنْ يُقَدِّمَ الفِدْيَةَ للجزارْ!»
لاشک أن استخدام لفظة «الجلالة» توحي في ذاکرة کل عربي، الملک أو العاهل الذي يحکم البلاد العربية دون تصويت الشعب لمدی العمر إلی أن يموت ويترک العرش لابنه أو أحد أعضاء الأسرة المالکة وکأنه غابة يحکم فيها القوي علی الضعيف.
فترکيب «الجلالة والدولار» له معنی عميق لأن الجلالة يعنی الحاکم المطلق علی الأرض و الدولار يعنی عملة محورية تسود العالم فتحكم، وتتحكم، عملة لها عمالة وعملاء، ولکنه يوغل في ذكر الدولار فيرفعه إلى مقامات التقديس، تهكماً و استهزاءً به فکأن الدولار کالملک مبعوث الإله علی الخلق أجمعين ثم يصف للدولار صفات سامية کما نجدها في صفة الملک في الدول العربية کـ« ظِلّ اللَّهِ فوقَ الأرضِ» أو «صاحب العِزَّةِ». ففي الحقيقة کلامه نوع من الهجاء الاستهزائي لأصحاب الجلالات و عملة رئيسهم الأکبر أمريکا.
ونراه يذکر طاغوت العراق صدّام الخبيث بقوله المزيج بالفکاهة والهجاء في قصيدته بعنوان (قالت وجرحكَ جرحي) فادعی أن لصدام ألف أبٍ ثم أخبرنا منذ زمان بسقوط الطاغية:(قلبی علی وطني، ص 97)
صدام: يا وَسَخَ الدنيا بِرِمَّتِها          يا بئسَ مَنْ حُكِموا يوماً، ومن حَكَموا
بِحَجْمِ مَجْدِكَ نَعْلي يا ابْن ألفِ أَبٍ     نَذْلٍ لواحدةٍ، حيث الرضاعُ دَمُ!!
تِهْ يا خَبيثُ.. فللأيامِ دَوْرَتُها         وسوف يُنْتَعَلُ الطاغوتُ والصَّنَمُ!
النثر المتکلف عنده
کما أشير سابقا لم يدخل السماوی في حلبة الشعر فقط بل إنه عميد النثر أيضا لأنه أديب بارع فذّ في النثر والنظم معا؛ و کما أخبرني حضرته في رسائله التي أرسلها لي قبل شهرين بدأ بتاليف کتاب في النثر المتکلف. هنا نختم الکلام برسائله لتکون خير دليل علی قلمه البليغ ونثره المتکلف.
رسائله
لو ادعينا أن رسائل السماوي تعتبر من أجمل الرسائل في الأدب العربي فلم نبالغ قيد أنملة لأنه قلما نجد لرسائله الأدبية مثيلا في النصوص المعاصرة فهي مليئة بالاستعارات والکنايات والتشابية الجميلة و کأنها قصيدة النثر. هنا للاختصار نکتفي بنماذج من رسائله:
الرسالة الأولی کانت ردا علی رسالتي فقال سماحته: «أهدي مائدتَكم خبز محبتي مع أعذب كوثر الشكر والإمتنان لحسن ظنكم بأخيكم...أقسم أن نخلة محبتك قد فرعت سامقة في بستان قلبي، ولك العهدُ عليّ أنني سأسقيها ماء العين لو نضبت أنهاري وينابيعي»
و کتب في الصفحات الأولی من دواوينه الشعرية التي قام بارسالها من أستراليا إليَّ مايلي:
کتب بخطه الجميل في الصفحة الأولی من کتابه «مسبحة من خرز الکلمات»: «أخي الأديب المبدع الدکتور ... أهديک بالمحبة کلها هذه الحزمة من حطبي عسی أن تکون جديرة بتنور ذائقتک.
وکتب في الصفحة الأولی من کتابه «شاهدة قبر من رخام الکلمات»: «الأخ الاديب د. ...أرجو أن تجد في کتابي هذا بعض ما يرضي ذائقتک الأدبية و اعذرني إن وجدته مخضبا بدموعي ...»
وفي الصفحة الأولی من کتابه «البکاء علی کتف الوطن»: «أخي الشاعر الأديب د. .... أضع بين يديک هذا الإناء الورقي علی أمل أن تجد فيه بعض حطب الشعر أو رماده....»
و في الصفحة الأولی من کتابيه «قليلک لا کثيرهن» و«نقوش علی جذوع النخلة» الذي طبع کليهما في مجلد واحد: «الأديب الفاضل د..... ليکن کتابي هذا بمثابة زهرة کربلائية أضعها في مزهرية صداقتک.... دمتَ مبدعاً بمحبة أهل البيت الأطهار عليهم أفضل الصلاة و السلام.
نختم الکلام برسالة أرسلها السماوي إلی صديق له باسم محسن ظافر غريب في موقع النور فقال: «أخي الأديب الذي انتظرت رؤية أشرعته في مرسى أحداقي من زمن ونصبت لغزلان أبجديته فخاخ ذائقتي.... مذ حطت حمامة رسالتك على شجرة صندوقي البريدي وأنا أعيش فرحا كالذي يعيشه طفل فقير خطفوا دميته الوحيدة، حتى إذا عاد إلى بيته الطيني، وجدها على وسادته ... كان يوما مائزا يوم أمس حين رأيت حمامة محبتك ـ ولقد وددت صفع عينيَّ لأنهما جعلتاها تنتظر يوما وليلة على شرفة الصندوق قبل أن تفتحا الباب... سأؤدب عينيّ كي لا تتكرر حماقتهما يا سيدي..»
(محسن ظافرغريب، مقال بعنوان «يحيا يحيى السماوي» موقع النور:)
www.alnoor.se/article.asp?id=46693
نتيجة البحث
إن المتابع لشعر السماوي يجد في قصائده المتنوعة والجميلة: الحنين إلى الوطن والأم، الحب و الرومنسية، معاناة الغربة، مقارعة الاحتلال والفساد السياسي، الدفاع عن الوطن والأمة بعاطفة صادقة. فهو يحمل هموم الوطن والشعب والأرض والتاريخ على كاهله ديناً يوفيه بشعره.
يتناول شاعرنا الكثير من الموضوعات والأغراض الشعرية بجمالية و رقة عاليتي التأثير ومن خلال خيال واسع خصب مبني على اطلاع واسع في الشعر والأدب ونظر ثاقب وبصيرة نافذة، ومن خلال لغة غزيرة القاموس جليلة الاستخدام ثاقبة التعبير جميلة جزلة فخمة الايقاع رقيقة الايحاء واللفظ، وأوزان تتناسب مع المضامين. فهو جسر موصل بين القصيدة الكلاسيكية وقصيدة التفعيلة وأحيانا قصيدة النثر.
فلو سميناه شاعرا لظلمناه کثيرا لأنه علاوة علی الشعر والنثر المتکلف، هو کاتب ومحلل سياسي و له مقالات عدة في المجالات السياسية خاصة أوضاع العراق وسياساته. ففي کل من مقالاته تظهر الكلمة الصادقة النقية النابعة من مشاعره المخلصة من خلال کلامه الذي يوجهه ضد كل سوء وشر وظلام يحيط بالإنسان.

المصادر والمآخذ
- الرضي، الشريف، نهج البلاغة، شرح فيض الأسلام الأصبهاني، علی نقي، طهران، 1351هـ.ش.
‌- الخوارزمي، محمّد بن أحمد المؤيّد ، مقتل‌ الحسين‌ عليه‌ السلام‌ (مقتل‌ الخوارزميّ)، مطبعة‌ الزهراء ـ النجف‌ ، 1361 هـ ق‌.
- السماوي، يحيى، شاهدة قبر من رخام الكلمات، ط:1، دار التکوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق،  2009م.
- ــــــــ، قلبي على وطني، الناشر: عبد المقصود محمد سعيد خوجه، ط: 1، جدة، 1413هـ، 1993م .
- __________، قليلکِ ...لا کثيرهُنَّ، الناشر: عبد المقصود محمد سعيد خوجه، ط: 2، جدة، 1428هـ، 2007م.
- ـــــــ، مسبحة من خَرَز الکلمات،  ط:1، دار التکوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق،  2008م.
- ـــــــ، نقوش على جذع نخلة، ط: 2 ؛ منشورات دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، 2007م.
- القرني ، فاطمة، الشعر العراقي في المنفی السماوي نموذجا، الرياض،مؤسسة اليمامة الصحفية، 1429هـ، 2008م.
- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ط:2، مؤسسة الوفاء بيروت، 1403 هـ‍ - 1983 م
- ميرزا، إيرج،  ديوان، باهتمام خسرو، تهران، کتابخانه مظفري.

المقالات
- حافظ محفوظ، عنوان المقال «الشاعر العراقي يحيى السماوي في نقوش على جذع نخلة»،  لندن، مجلة الحوادث اللندنية» نقلا عن موقع:
http://al-nnas.com/CULTURE/15nn.htm
- السماوي يحيی، مقابلة مع المجلة العربية السعودية،  العدد352، جمادى الأولى1427هـ يونيو 2006م.
- عبد الستار نورعلي، مقال بعنوان «الشاعر يحيى السماوي امتداد لفخامة القصيدة الكلاسيكية»، صحيفة المثقف الإلكترونية، العدد: 1153 ، الأحد: 30/8/ 2009 م.
- ظافرغريب، محسن، مقال بعنوان «يحيا يحيى السماوي» في موقع النور:

المصادر الالکترونية
www.arabicmagazine.com   موقع المجلة العربية السعودية