| يحيى السماوي |
| سَـيَـعـودُ لـيْ عـقـلـي.. ألـمْ تـشـتـاقـي لـلـظـى جـنـونـي بـعـد طـولِ فِــراقِ؟ أخـشـى يـعـودُ لـيَ الـوَقـارُ فـأسْـتـحي مـن طـيشِ نـار الـشـوقِ فـي أعـمـاقي فـلـتـسْـجـري الـتـنّـورَ.. مـني جـمـرُهُ وطـحـيــنُ نـشـوَتِـهِ.. ومـنـكِ الــبـاقي أسْــقـيـكِ ما هـيّـأتُ مـن زاد الـهـوى : قُــبَــلا ً مُـعــتّــقــة ً بــكــأسِ عِـــنــاقِ (2) أعـوذُ بـبَـرْدِ ثـغــرِكَ مــن لـهــيــبـي ومـن عـطـشـي بـمـنْـهَــلِـكَ الـعَــذوبِ فـحـاذرْ مـن جــنـونـي حــيــن يــدنـو فـمي مـن زهـر مـبْـسَـمِـكَ الخضـيـبِ صَــبَـرتُ الـعُــمْــرَ أدَّخِـرُ الــثــوانـي لـمـوعِــدِنـا الـمُــبــاركِ يـا حـبــيـبـي ظـمـيـئُـكَ مـنـذُ عـصـر الـنـارِ ثـغـري وأظــمــأ مــنـه ُ: مـائـدتـي وكـوبـيِ (3) أعَــلِّـمُـكِ الـجـنـون َ.. فـعَـلّـمِـيـنـي فــنـون َ تـعـقُّـل ٍ يُــشـفـي جـنـونـي جُـبِـلـتُ عـلـى العَـنادِ فلـيس تـرضى ظـنـوني بالـنـصـيـحةِ مـن يـقـيـنـي أرى نــارا فــيُـغــويــنـي احـتــراق ٌ وعـاصِـفـة ً فــيُـغـريـنـي سَـــفـيـني فكيفَ نـجَـحْـتِ فـي تـدجـيـنِ عـاثٍ فـأضـحى نُــسْــكَ صـوفيٍّ مـجـونـي؟ (4) ودَّعْــتُ لــو أنَّ الـحـبــيــبَ يُــودَّعُ وجَـفـوتُ لـو تـجـفـو الـفـؤادَ الأضـلـعُ ونـسـيْـتُ لـو يَـنـسى الـمُـصـلّي ديـنـهُ ومَــنـعْــتُ لـو أنَّ الــتـنــفُّــسَ يُــمْـنـعُ وطـمَـعْـتُ عـن مـحـرابـهـا بـمـثـيـلــهِ لـو كـان لي غـيـرَ الحـبـيـبـةِ مـطـمَـعُ مـلـكتْ جـمـيـعي فالهوى من بـعـدِهـا وَهْــمٌ.. وبـســتـانُ الأمـانـي بـلـقــعُ (5) جــئـتُ شـحّـاذا ً فـهـلْ مـن صَــدَقـة ْ فـي ســـبـيـلِ الـلـهِ يـا مـؤتــنِــقــة ْ؟ لا أريــدُ الــمــالَ والــزّادَ... ولا ذهَــبــا ً أو فــضّــة ً مُـؤْتــلِــقــة ْ.. كــلُّ مـا أرجـوهُ يـا آسِـــرتـي : قُــبـلاتٌ مــنْ فـم ٍ كـالــزّنــبــقـة ْ! أطـعِـمـي ثـغـريَ لــثـمـا ً فـلـقــد أمَـرَ الـلـهُ بـحُـسْــنِ الــشّــفــقـةْ (6) لـكِ قـد فـرشْـتُ الـعـشـبَ فـي حَـدَقـي ونــثــرتُ زهــرَ الــفُــل ِّ فـي الـطًّـرُقِ وفــتــحْــتُ نــافــذة ً تُــطِــلُّ عــلــى شـــفَــقِ الــمـســاءِ وغُــرّةِ الـغَــسَــقِ مُــقـلـي بــهــا ظــمــأ ٌ وفـي شــفــتـي جـمـرٌ.. وقــلــبـي مـوحِـشُ الــقــلــقِ لـو لـم تـكـونـي بـحــرَ عــاطــفــتـي مـا جـئـتُ أطـلــبُ رحـمـة َ الــغــرَقِ (7) ظامئٌ مـثـلي حَـفـيـفُ الـشَّـجَـرِ لـكِ يـا ذات الـهـديـلِ الـخَــفِــرِ فـاصْـدحي يـا نـخـلـةَ اللهِ عـسـى يـعرفُ الضحكـة َ ثـغـرُ الـوتـرِ وعسى الأسـحارُ من بعـد دُجىً تـــتـــزيّــا بـدمـوعِ الــقــمَــرِ جُـنَّ لــيـلـي وأنـا مُــنـتـظـــــرٌ رَنَّـة َ الـهـاتـفِ عـنـد الـسَّـحَـرِ ! (8) تَـبَّ عــقـلـي ومَـرايـا نـظــري لـو رأى غـيْرَكِ حُـبّا ً بَـصَـري لـعَـنَ الـلـهُ غــيـومي لـو سَـقـتْ غـيـرَ واديـكِ الـمُـفـدّى مَـطـري لا يَـدي مـنـي ولا حـنـجـرتـي لــو شـدا غـيـرَكِ يـومـا ً وتـري قـدري أنـتِ.. وهـلْ مـن بَـشـــر ٍ مُـؤسَــر ٍ غـيَّـرَ مـجـرى الـقـدَرِ؟ (9) يـا حاجـبـا ًعـن مـقـلـتــي الأقـمـارا هـل مـن ظـلام ٍ يـحـجـبُ الأنــوارا؟ شـفَّ الخِمارُ فَـبان وجهُـكَ مُشْـمِسا ً لـيـلي وأرسـى في الـمـسـاءِ نـهـارا أيـقـظـتَ قلبي من سُـبـاتِ رفـيـفِـهِ وغـدوتَ وحـدكَ لـلـفـؤادِ مَـــــدارا يـا مالِكـا ً أمـري إلـيـكَ بـمـقـلـتـي فـانـسـجْ جـفـونـي يا بـهـيُّ خِـمارا (10) كُـنْ لـبٌسـتـانِ عـيـونـي مَـطـرا ولــديـجــورِ دروبـي قـــمَــــرا وفـضـاءً لـعـصـافـيـر الـهـوى ولــقــيــثـار الأمــانـي وتــرا وريـاحـا ً لـشـراعـاتـي الـتـي لـم تـكـن قـبـلـكَ تـرجو سَـفـرا سـيدي يا ناسِـكَ الـلـثـمِأغِـثْ مُسـتـجـيراً ظامِـئـاً مُـسْـتـعِـرا |
السبت، 18 يونيو 2011
عشر رباعيات مجنونة
الاثنين، 13 يونيو 2011
نـخـلـة الـلـه فـي بستان عيوني
نـخـلـة الـلـه فـي بستان عيوني
يحيى السماوي
أضـنـاهُ لـيـلُ صَـبـابـة ٍ .. فـسَـرى
لـم يــنـتـظـرْ شــمـســا ً ولا قـمَـرا
ألـقـى إلـى الإعــصـار ِ أشــرعـة ً
مُـسْــتَـنـفَــرا ً... لـم يـتَّـخِـذْ حَـذرا
نــصَـحـوهُ أنْ يُـلـقـي إلـى قـدَر ٍ
أمْـرا ً .. فـقـالَ : ســأقْـحَـمُ الـقـدَرا
فـاسْــتـخْـبَـلـوهُ ... فـقـائِـلٌ : نَـزِقٌ
لا يـرْعَـوي فـاسْــتـعْـذبَ الـعَــثَـرا
قـد كـان يـعـرفُ مَــسْـلـكـا ًرَفِـهــا ً
فـاخـتـارَ دربـا ً مُـوحِــشــا ًخَـطِـرا
فــإذا غــفـا صُـبـحـا ً عـلـى دِعَـة ٍ
فـزَّ الـضُّـحى يـسْـتعْـجِـلُ الـسَّـفـرا
مــا كــان ذا مــالٍ ... ولا فــرَس ٍ
يـوما ًولـيـسَ الـمُـسْـرفَ الـبَـطِـرا
لـكـنّـه ُ فـي الـعـشــقِ ذو سَــرَف ٍ
يُـعـطي ويُرخِصُ دونـهُ الـبَـصَـرا
هـو بـيـنَ بـيـنَ فـنِـصـفُـهُ شــبَـحٌ
جِـنٌّ .. ونـصـفٌ يُـشْــبِـهُ الـبَـشـرا
خَـبَـرَالعـواصِـفَ والـسّـيـولَ فـتىً
غضَّ الـهوى واسْـتـنْـبَـتَ الحَجَـرا
إنْ حـاصَـرتْـهُ الـنارُ صـاحَ بـهــا :
زيدي اللظى والعَـصْفَ والـشَّـرَرا !
والـيـومَ شـاخَ الــمـاءُ واكـتـهـلـتْ
كـاسـاتُـهُ .. والـمِـعــزفُ انـتـحَـرا
أوَلــيـسَ مـجـنـونـا ً يـمــدُّ يَــدا ً
لـلـنـجـم ِ مَـنْ فـي كـهــفِـهِ قُــبِــرا ؟
ألـفى الأسى فـي العِـشـقِ مُـبـتـدأ ً
فـاخـتـارَ أن يـغـدو لـهُ الـخَـبَــرا
عِــقــدان ِ والــبَـلـوى رديــفــتُـهُ
طحَـنـتْ حـشاشـتـهُ وما ضَـجِـرا !
بـيـن الـضـلوع ِ تـقـومُ نـخـلــتُـهُ
أنّـى مـضـى وأقــامَ أو حَـضَــرا
مـا هَـزَّهـا يـومـا ً ولا عــرفــتْ
قــلــبـا ً لـهُــدهُـدِ وجـهِـهــا نُـذِرا
دَهــرٌ عــلـى شـــوق ٍ .. يُـكـابـدُهُ
سِــرّا ً فـمـا أفــضـى ولا ذَكَـرا
سَــئِـمَ الـسـنـيـن تـمـرُّ مـوحِـشـة ً
لـو تُـخـزَلُ الأعـمـارُ لاخْـتـصَـرا
سَــلــواهُ جُــرحٌ راحَ يــنــبـــشُـــه ُ
لِـيُطـيـلَ فـي أوجـاعِـهِ الـسَّـهَــرا
ولــربّــمـا يـغــفـو عــلـى أمَــل ٍ
أنْ يلـتـقـيـهـا فـي سـريـر كـرى
حسـنـاءُ لا أحـلـى إذا ضـحِـكـتْ
سكرَ المدى وأخـو الـتـقى سـكـرا
عَـشِـقَـتْ ربابَـتـهُ فـحـيـثُ شـــدا
رقـصتْ وفاضَ حـبـورُها غُـدُرا
تـلـهـو وتـجْـهَــلُ أنَّ مُـنـشِــدَهـا
نـذرَ الــفــؤادَ لـهــا ومـا جَـهَــرا
عـشـقـتْ ربـابـتـهُ وما عـلِـمَـتْ
أنْ حُــبّـهــا مَـنْ حَـرَّكَ الـوَتــرا !
كم حَجَّ فـي صـحْـو ٍ وفي حُـلُـم ٍ
وتـلا رسـائِـلَ سَـعْـفِـهـا سُــوَرا
يــشـكـو ولـكـنْ فـي سـريـرتِـهِ
دامي الـمـنى يـسْـتـنـطِقُ الصُّوَرا
ولـربّـمـا صـلّـى الـعـشـاءَ عـلى
وِتْـر ٍوصامَ وفي الضُّحى فَـطَـرا *
صَـبٌّ أغـاظ الـصَّـبْـرَ تـحـسَـبُـهُ
فــرْطَ الـتـجَـلّـدِ جـامِـدا ً حَـجَــرا
قـد غـادرَ الـنـهـريـن وهـو فـتـىً
صـافـي الـمَـرايا كالـنـدى خَـفِـرا
حَـمَـلـتْـهُ قـسْـرا ًعـن شـواطـئـهِ
زُمَـرٌ تـرى في الظـلـم ِ مجـدَ ذُرا
ضـاق الـعــراقُ وكـان ذا سـعَـة ٍ
ودجـا وكان الـمُـشْـمِسَ الـنَّـضِـرا
أزرى بـهِ الأوغـادُ فـاحْـتـبَــسـوا
عـن رافـديـهِ الـوردَ والــشَّـجَــرا **
عَـرضوا علـيهِ ظِـبــاءَ واحـتِـهـم
والـجـاه والأنـعـامَ .. فـاعــتـذرا
فـأبـى سـوى أنــثـاهُ يَــسْــكِـنُـهـا
وطـنـا ً من الأحـلام ِ لـيس يُـرى
ويحيْ عَـليَّ كـتـمـتُ حـشـرجتي
أحْـسـو مُضاغ َالجـمر مُصْـطَـبِـرا !
ضـاحَـكـتُـهـا طـيـفـا ً فـأثْـمَـلــنـي
خـدَرٌ وكــنـتُ أطـوفُ مُـعْــتـمِـرا
هـيَ نخـلةُ الـلّــهِ اسْـتـقـيـتُ لـهـا
نـبـضي ودمعـي والـنـدى مَـطـرا
*الوتر والشفع : عددان أقسم بهما الله تعالى في سورة الفجر بقوله : " والشفع والوتر " .. الوتر هو العدد المفرد ، وصلاة العشاء لا يجوز أن يكون عدد ركعاتها وترا .. لكن السهو لسبب وآخر ..
** المقصود جلاوزة وجلادو النظام المقبور .
الأحد، 12 يونيو 2011
سماويّات (13): الحقيقة الشعرية و"الغزل المعاكس".. بحث في نقد النقد / حسين سرمك حسن
سماويّات (13): الحقيقة الشعرية و"الغزل المعاكس".. بحث في نقد النقد / حسين سرمك حسن
د. حسين سرمك حسن
وفي نصوص السماوي تثور إشكالية أخرى تتعلق بالحقيقة الشعرية أيضا وهو ما أسمته القرني بـ " الغزل المعاكس " وتعني به تبني الشاعر موقف المرأة وجدانا وصوتا من جانب،
وهو يختلف عن التغزّل بالحبيبة بضمائر المذكّر غائبا أو مخاطبا – وهذا هو الجانب الآخر من الإشكالية - كما تقول القرني في الهامش (40) على الصفحة 260 من كتابها القيّم : " هو.. حبيبي.. سيدي.. أنتَ يا... إلخ "، حيث تقول في معرض التفاتها إلى هذه الظاهرة في تناولها لقصيدة السماوي " : أيها البدر العسيري، من ديوانه " عيناكِ لي وطن ومنفى ": (.. فمع أنني لا ألوم الشاعر على تأثّره بهذه العلة التي يُسرف يعض التقاد في تسويغها، إلا أن هذا لا يمنع من تسجيل عدم تقبلي لها، وعدّها من دلائل ازدواجيتنا الأخلاقية / اللغوية اجتماعيا وإبداعيا أيضا – القرني – ص 260 / الهامش 40). أي أن الناقدة قد عدّت تلبس الشاعر مشاعر وعواطف وأفكار الأنثى (إلتفاتة فارقة قلّ أن تستدير بها أعناق الشعراء – ص 166)، في حين أنها لم تتقبل مغازلة الشاعر حبيبته بضمير المذكّر. وفي واقع الأمر، فنحن نجد في الموقف الأخير غير المستساغ " إلتفاتة فارقة " أيضا تتطلب أن يتبنى الشاعر " أنموذجا " متخيلا للحبيبة تكون فيه في موقع الذكر من ناحية، واستعدادا " جديدا " على الشاعر الذكر في أن يستخدم خطابا ذكوريا لأنموذج هو في حقيقته " الموضوعية " ذي طبيعة أنثوية. بمعنى أن الشاعر في الحالة الأولى يقف موقفا صعبا حيث يصبح لزاما عليه أن يضع ذاته في موضع الأنثى العاشقة، وأن يتلبس موقفها النفسي و " خفايا " دوافعها نحو الرجل وهو موقف غريب عليه. سيصبح لدينا في هذا الموقف المركب أربعة أطراف وليس طرفين : الأول الشاعر (الذكر) الفعلي مبدع النص، موجّه الخطاب الذي صار " مستترا " في ساحة الحضور الفعلي الآن، والثاني المرأة العاشقة التي يوجّه الشاعر الخطاب العشقي " نيابة " عنها ولكن على لسانها، والثالث هو الرجل الذي تعشقه والذي سيكون " إسقاطا " للصورة التي يتمنى الشاعر أن يكون عليها في حالة كونه المعشوق المفترض، أما الرابع فهو الحضور الأنثوي الأنموذجي " المستتر " في ساحة النص والحاضر في ذاكرة الشاعر ووجدانه كي يقيس عليه فهو الطرف الذي اعتاد على أن يكون الشريك في التجربة الحبية المعلنة والمقبولة اجتماعيا عادة. وهذه عملية شديدة التعقيد تتطلب تماهيات واستدعاءات وتمثلات كبيرة على صعيدين : الأول هو كيف يتوفر الشاعر الرجل على مشاعر الأنثى العاشقة ويعرف خفاياها، والثاني هو كيف يحوّل الشاعر الرجل موضوع الخطاب من امرأة كما اعتاد نفسيا واجتماعيا حتى تطبع بذلك سلوكيا إلى رجل كما ستفرضه حيثيات الخطاب الشعري ليعود بعدها إلى نقطتي بداية : أن يرجع كموجه للخطاب من موقع المرأة إلى موقع الرجل، وكمستلم للخطاب من موقع الرجل إلى موقع المرأة. ولكن هناك حقيقة نفسية هامة يجب أن نضعها في أذهاننا وستزيد الأمر إرباكا وهي أن كل الشخصيات التي تتمظهر على خشبة النص هي من صنع الشاعر وتشكل جزءا من شخصيته شئنا أم أبينا، إذ من المفروغ منه، وسيبدو الأمر كاريكاتوريا ومضحكا، أننا لا يمكن أن نتصور أن هناك امرأة عاشقة تقف في الأمام وخلفها يقف شاعر يهمس في أذنها لتقول للرجل الذي تعشقه ويقف أمامها شعرا غزليا.. في واقع المشغل الشعري هناك الشاعر فقط.. مع أوراقه ولغته ومخزون خيالاته وبقايا التجربة العملية التي يريد تجسيدها، وهي – أي التجربة - هنا خطاب عشقي موجه من امرأة إلى رجل، ولا أحد معه يحضر ماديا أبدا.. أبدا.
وبدءا، هناك نصوص مبكرة فيها ظاهرة " الغزل المعاكس ". فمثلا، في مجموعته " قصائد في زمن السبي والبكاء – 1970 " هناك ثلاث قصائد يستخدم يحيى فيها خطابا مصدره ضمير المتكلمة العاشقة هي :
# " قال لي " ومنها :
قال لي ثغري سكّر
قال لي نهدي بيدر
قال لي جيدي مرمر
وصليب فوقه " عيسى " تسمّر – ص 65
# " امرأة " ومنها :
متى..؟
متى حبيبي الطهور
نفرح في منزلنا الصغير
تمنحني بنتا كأمها
وطفلا كأبيه صادق الشعور – ص 84
# أما الثالثة فهي " أغلى رجل " وفيها يقول :
أقبل عيناه على صدري
تأكله... تأكل من زهري
رجل في شارع حارتنا
أذهلني.. أوغل في أمري
يأخذني بين ذراعيه
ويظل يشدّ عاى خصري – ص 97
وتتوالى النصوص بعد ذلك في الناحيتين : الغزل المعاكس والتغزل بالأنثى بضمير المذكّر. ففي مجموعته " عيناك لي وطن ومنفى " لتي أهداها إلى رفيقة دربه " أم الشيماء " هناك العديد من النصوص في الجانبين، منها أولا، وحسب تسلسل النصوص في المجموعة، قصيدة " ظمأ " التي يستثير مطلعها تساؤلات هامة :
رفع النقابَ وسلّما
وبحاجبيه تكلما
فلولا البيت الرابع الذي وضعنا " حال " المتكلم فيه " متيّما " أمام مصدر ذكوري لكان من الممكن القول أن المتكلم أنثى تتغزل بذكر. لكن هذا الإعتراض يتهاوى عند المدخل، فمن هو الرجل الذي يضع نقابا على وجهه في أواخر القرن العشرين حيث صدرت المجموعة سنة 1995 ؟! :
ودنا فأغمض مقلتيه
تغنّجا... وتبسّما
فوجدتني بعبيره
رغم انطفائي مُضرما
وتعثرت شفتي بصوتي
فانكفأت " متيّما "
فهنا نجد صوتا رجوليا يتغزل برجل لكن الإحالة ستتفق مع أطروحة الناقدة القرني في أنه تغزل بالمحبوبة بضمير المذكر – الغائب هنا - :
فتعثرت شفتي بصوتي
فانكفأت متيّما
لكنّما عيناي من
شغفٍ تحولتا فما
وحيث يعود المحبوب / المعشوقة ليحسم الأمر بوضع نقابه من جديد ممعنا في إهاجة نيران شوق العاشق وهيمانه به :
فأعاد وضع نقابه
كيدا وقال متمتما :
صبرا على عطش الهوى
إن كنت حقا مغرما
فالماء أعذب ما يكون :
إذا استبد بك الظما
تأتي بعد ذلك قصيدة " يا بعيد الشرفات " (ص 45 – 49) والتي يقول فيها:
يا خجول النظرات
أنت أيقظت قناديلي
وقد كنّ سبات
لا تصدّ الوجه عنا
نحن للحسن رواة
يا كسول الخطوات
هاتني منك رحيق الحب... هات
زن باشذائك بستان قصيدي
لك عندي حقل نعناع
ونهرا صبوات
وهنا سترتبك حسابات البيدر النقدي فلا تطابق حسابات حقله، فهنا خطاب واضح وصريح من مذكر لمذكر، ولا توجد اي قرينة (مثل قرينة القناع في النص السابق) تشي بالهوية الأنثوية للمحبوب المخاطَب، أي أننا لا نستطيع الإفتراض بأن الشاعر يوده خطابه إلى حبيبة (امرأة) من خلال ضمير المذكر (المُخاطب). هنا يكون الغزل ذكوريا بطرفين ذوي هويتين رجوليتين واضحتين. والشاعر يوسّع أبعاد حضور محبوبه بصورة تمنحه ملامح خارقة تعزّز سماته الذكورية في الوقت نفسه :
يا رعاك الله
ما ضرّك لو داعبت قيثاري
عسى تنبض أوتارٌ موات
سأسميك " الفرات "
وأنا الواحة تمتد على ثغر فلاة
كما أن الصفات التي يضفيها على ذاته في المهارات الغزلية تشي بروح رجولية مبادرة وفق سياقاتنا المتداولة :
يا بخيل الكلمات
كنت قد ضيّعتُ بالأمس لساني
غير أن الحبّ قد علمني خمس لغات :
لغة الأنمل والجفن، الفم، الخطو
وبوح الغمزات
فلماذا تكتم السرّ الذي يفضحه الشوق
وهل تكتم عطرا زهرات ؟
إلى أن يعلن بلا لبس عن هويته كعاشق مذكر :
يا خجول النظرات
جيدك المشمس منديل حرير
فلماذا تمنع العاشق
من تطريزه بالقبلات
وسأقفز الآن قصيدتين هما : موشّح : يا صبا جدّة و أيها البدر العسيري لأن لهما سمات خاصة في مخاطبة موضوع الحب، وسأتناول قصيدة " يا ضاحك الشفتين " التي يستهلها الشاعر متغزلا بشفتي المحبوب :
شفتانِ ؟ أم جرحا خزامى
نزفا عبيرا وابتساما ؟
والنص من جديد رسالة مرسلها الشاعر / المذكر وموجهة إلى مستلم هو المعشوق / المذكر أيضا. لكن طبيعة موقف المرسل هنا تختلف عن النص السابق (يا بعيد الشرفات) فهي استقبالية سلبية بدرجة أكبر بكثير :
يا ضاحك الشفتين قد
أضحكت في حطبي الضراما
ثغري يخصّهما السلام
فهل تردّ له السلاما ؟
ضرّجت قلبي بالهيام
وما عرفت له هُياما
وبصورة عامة يكون الموقف الأنثوي في العلاقة الحبية والجنسية استقباليا (سلبيا)، ومحنة الأنثى الشاملة في حياتها النفسية أصلا تتمثل في محنة (الإختراق)، فالأنثى تُخترق في كل دورة شهرية، وفي كل مواقعة جنسية، وفي الحمل وفي الولادة. كما أن الطابع المركزي لصلة الأم بطفلها " رجلها – أول تجربة حبّ " هو الحنو الإستقبالي.. الإحتضان المعطاء ذو الروح التحملية الهائلة.. وكل ذلك يوصل إلى السمة المازوخية في الموقف الأنثوي الحبي. وقد تشي سيادة هذه الروح في خطاب هذه القصيدة بأن الطرف المرسل يحمل " روح " أنثى رغم أن الضمائر والأفعال المستخدمة وهوية الشاعر تشير إلى أنه ذكر :
إني أضعت حدائقي
وأضعت نهري والوئاما
ونسيتُ – يا حلو – الكلام
تعال علمني الكلاما
واغرس على شفتيّ من
شفتيك أزهار الخزامى
ويتكرر هذا المنظور الإلتباسي ثانية في قصيدة " زرني خيالا عابرا " رغم أن هوية المخاطب الذكورية واضحة من عتبة العنوان. ومما يزيد من الإلتباس هو أن الضمائر التي تستخدم في اللغة العربية للمتكلم هي ضمائر مشتركة : فـ " أنا " تستخدم للمذكر والمؤنث، مثلمل هو الحال بالنسبة للـ (ياء). وبالتالي فقد نقطع شوطا طويلا من النص، وقد نكمله حتى النهاية دون أن تتضح معام مرسل الخطاب الشعري هل هو رجل أم امرأة. وهو ما حصل في النص السابق " يا ضاحك الشفتين " الذي هو خطاب من مذكر إلى مذكر، وقمنا باستشفاف سمات أنثوية عن شخصية المرسل من خلال الإيحاءات النفسية التي توحي بها الأفعال والاسماء والرموز من ناحية وطبيعة علاقاتها من ناحية اخرى. أي أن الأمر ليس كما تقول الناقدة القرني – متعاطفة بفعل موروثها الديني والروحي وتنشئتها الاجتماعية – خطاب لا تستسيغه لأن الشاعر يتغزل بحبيبته مستخدما ضمير المذكر، بل هو خطاب من مذكر إلى مذكر (خطاب مثلي وفق المصطلحات الطبنفسية). وفي هذه القصيدة يرتسم بعدا هذه العلاقة منذ البداية :
يوم دخلتَ روضتي
وددتُ أن أطيرا
يا عاشقا يملؤني غرورا
زُرني خيالا عابرا
لعل خطوك الرشيق يورق الزهورا
لكن يمكننا استنادا على الأطروحة / الفرضية السابقة حول الطابع الاستقبالي (المازوخي) للطرف الأنثوي في العلاقة الحبية والجنسية، مضافا إليه المفردات المستخدمة الدالة على الإستقبال والخصب والنماء فإننا نستطيع تخمين هوية المُرسِل بدرجة مقبولة. فالمفردات التي يستخدمها الذكر تكون اختراقية مستقيمة تمزيقية مدببة وذات طبيعة مادية صلبة وذات متجه محدد، أما المفردات التي تستخدمها الأنثى تكون استقبالية دائرية احتوائية فضفاضة وذات طبيعة لدنة مرنة ومطواعة :
ظامئة حديقتي
فهل بعثت غيمك المطيرا ؟
زرني خيالا عابرا
واغرس بأحداقي منك نظرة
فللقاء شيّدوا الجسورا
زرني
تجدني غيمة تُمطرك العبيرا
أتعبني الهجر يا مؤرّقي
فصدّ عن حديقتي الهجيرا
فهنا نلاحظ كلمات مثل : الحديقة والغيمة والعبير رموزا تستخدم في الأعم الأغلب للتعبير عن الأنوثة. في حين أن مفردات مثل : اغرس والجسور، وقبلها الخطو والدخول والمطر رمز تستخدم عادة لوصف الفعل الذكوري. ويجب أن نضع في أذهاننا أن هناك رموزا مزدوجة المعنى الأمر الذي يزيد من درجة الصعوبة التي نواجهها في تحديد الهوية بدقة من دزن وجود اسم الشاعر (معرفة هويته)، وهنا نلاحظ أهمية (اسم المؤلف) في توجيه مسارات إدراك الناقد فكيف يموت المؤلف ؟. ثم تتعزز طبيعة الهوية الأنثوية من خلال الأفعال العاطفية التي ترسخت في مداركنا كأفعال تقوم بها المرأة عادة (نمطيات السلوك الجنسي) :
زرني خيالا عابرا
وانثر على وجهكَ شعري خيمة حريرا
جعلتُ هدبي لكَ يا مؤرّقي وسادة
ومقلتي سريرا
وساعديّ سورا
لمن تدفّق الشذى من شفتي
وازدحمت حديقتي زهورا ؟
(للحديث صلة طويلة)
الخميس، 9 يونيو 2011
يحيى السماوي في «بعيداً عني... قريباً منكِ» :
يحيى السماوي في «بعيداً عني... قريباً منكِ» :
بقلم: أنطوان القزي
يحيى السماوي في «بعيداً عني... قريباً منكِ» :
غجريّ لا وطن له غير الفضاء
رئيس تحرير "التلغراف" الأسترالية
ترقص سفنُ ناظريَهِ في غفلةِ المراسي وينثرُ مدادُه الأبيضُ ريقاً لموجٍ عاشق، وترصف أبياته ادراجَ الغمام نسمةً نسمة لتهطلَ أمطارُ حبّهِ حنيناً يرفل أعناق الأقاح عقداً لأميرةٍ جديدة..
يحيى السماوي شاعرُ الغرباتِ الفاتنة، يزيّنُ سرابَ الهجير بأيقونة العشّاق، يسبر عطرَ الخمائل بباقاتِ نهداته ويرسمُها خريطة أجنحةٍ في عيني محبوبته.
«بعيداً عني.. قريباً منك» يختصر الأسماءَ في مآذنِ الضوءِ ترنيمة وباقة عبور، يسدلُ ضفائر النخلةِ ظلالاً لأريحيةٍ تسيّجُ يبابَ القلب برموشِ النراجس.
ليس شعراً يذريهِ السماوي في صحراء عمره، ليس محراباً يفتح للجنّةِ بابَ غلوائه، إنه ثغرُ القصيدة مذبوحاً على شفار القلب، وتفاحة السفح على وجنةِ الأسحار، إنه طبقُ الياقوت على صدر الحبيبة يغزل وشاحَ اللهفة على دروب العذارى .
في ديوانه الجديد يسرج يحيى السماوي خيولَ الكلام، وعلى الأسنّة تمخر ملامحُه أسفارَ الأفق، وخلف سطوره يستريحُ الخَلق في لعبةِ الأكوان، مزهواً في حدائق العشّاق، يغرسُ تيجانَ الصبح أسواراً لأنثى تشقّ رداءَ الغسَق ولا تستأذنُ الدخول .
يعلن السماوي ولاءَه للروح، للمواجد الدافئة، لأغنية السومري الذي أطلقَ سهامَ الجدائل ظلالاً للعصافير، ويطلق الشاعر ابتسامته الرمضاء لفاتنةٍ بتول ترُود النيابيعَ عطراً من شالها القرمزي.
تلك هي قصورُهُ الاسطورية، يرتادها السماوي اميراً يبلسمُ الهزيعَ برجفةِ القناديل، ويفترش المساءاتِ مساحة للنوارسِ الولهى.. هناك تغفو الشفاه مختومة بالجرح الأحمر.. وهناك ترصف الضلوعُ جسورَ لهبٍ الى الجفون الحالمة.
أرجوحتهُ القمر تسدل ضفائرَ النجومِ وشائجَ شوق، وأرغنه المنذور على الصباحاتِ يفتح نوافذ العتابِ على أمسٍ هارب «لا يغويه صدرٌ نافرُ النهدين ولا سلاسة الساقين ولا غنجُ العينين».
يحيى السماوي يكحلُ الضياءَ بريشةٍ حُبلى تلبس ثوبَ الدلال، ترمق الشفَقَ بغمزةِ حوريةٍ عاشقة وترودُ الموجَ كما العاشقُ يرتادُ ليلَ الندامى.
شاعرٌ يخفقُ النجيعَ خمارة عذاب، ورغيفُ حبّه هائمٌ على بيادرِ العذابات، يغربلُ حبّاتَ قمحهِ خبزَ المواسم، وزؤانُ الوجعِ يُمسي نهاية نادل أطفأ المصابيحَ معلناً رحيلَ السكارى وقد غسلوا قلوبهم بنمير الفراتين.
يحيى السماوي، نورسٌ عراقي، هجعة الأطيار تفيءُ الى أجفان قريحته، هناك يرمي الجسد المبلول ذاته فراشة ترفعُ رذاذَ دجلة الى سماءِ السماوة، وتغرف من ريقِ بغداد نيازكَ تشقُّ الأديم ليولدَ عراقهُ الجديد من عينيّ حبيبةٍ عاشت على جمرِ الانتظار ومن همسِ فاتنةٍ تستمطرُ الكواكبَ درباً الى قلب الشاعر .
«بعيداً عني... قريباً منكِ» وليس اقربُ الى الشاعر من خيمة تُطوى على أرض الرافدين وليس أبعدُ من غجريّ لا وطن له غير الفضاء.
الأحد، 5 يونيو 2011
رسالة دكتوراه عن الموتيف في شعر يحيى السماوي
أطروحة الدكتوراه
وافقت رئاسة القسم العربي في جامعة الفردوسي في مدينة مشهد بإيران على موضوع أطروحة الدكتوراه في النقد الأدبي للأديب الأستاذ رسول بلاوي وعنوانها ( توظيف الموتيف في شعر يحيى السماوي ) بإشراف الأستاذة الدكتورة مرضية آباد والأستاذين المساعدين الدكتور عباس طالب زاده والدكتور عباس عرب .
الجدير ذكره أن جامعة الفردوسي تعد من أكبر الجامعات الحكومية في ايران .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
