الأحد، 12 يونيو 2011

سماويّات (13): الحقيقة الشعرية و"الغزل المعاكس".. بحث في نقد النقد / حسين سرمك حسن


سماويّات (13): الحقيقة الشعرية و"الغزل المعاكس".. بحث في نقد النقد / حسين سرمك حسن 
د. حسين سرمك حسن    
وفي نصوص السماوي تثور إشكالية أخرى تتعلق بالحقيقة الشعرية أيضا وهو ما أسمته القرني بـ " الغزل المعاكس " وتعني به تبني الشاعر موقف المرأة وجدانا وصوتا من جانب، 
وهو يختلف عن التغزّل بالحبيبة بضمائر المذكّر غائبا أو مخاطبا – وهذا هو الجانب الآخر من الإشكالية - كما تقول القرني في الهامش (40) على الصفحة 260 من كتابها القيّم : " هو.. حبيبي.. سيدي.. أنتَ يا... إلخ "، حيث تقول في معرض التفاتها إلى هذه الظاهرة في تناولها لقصيدة السماوي " : أيها البدر العسيري، من ديوانه " عيناكِ لي وطن ومنفى ": (.. فمع أنني لا ألوم الشاعر على تأثّره بهذه العلة التي يُسرف يعض التقاد في تسويغها، إلا أن هذا لا يمنع من تسجيل عدم تقبلي لها، وعدّها من دلائل ازدواجيتنا الأخلاقية / اللغوية اجتماعيا وإبداعيا أيضا – القرني – ص 260 / الهامش 40).  أي أن الناقدة قد عدّت تلبس الشاعر مشاعر وعواطف وأفكار الأنثى (إلتفاتة فارقة قلّ أن تستدير بها أعناق الشعراء – ص 166)، في حين أنها لم تتقبل مغازلة الشاعر حبيبته بضمير المذكّر. وفي واقع الأمر، فنحن نجد في الموقف الأخير غير المستساغ " إلتفاتة فارقة " أيضا تتطلب أن يتبنى الشاعر " أنموذجا " متخيلا للحبيبة تكون فيه في موقع الذكر من ناحية، واستعدادا " جديدا " على الشاعر الذكر في أن يستخدم خطابا ذكوريا لأنموذج هو في حقيقته " الموضوعية " ذي طبيعة أنثوية. بمعنى أن الشاعر في الحالة الأولى يقف موقفا صعبا حيث يصبح لزاما عليه أن يضع ذاته في موضع الأنثى العاشقة، وأن يتلبس موقفها النفسي و " خفايا " دوافعها نحو الرجل وهو موقف غريب عليه. سيصبح لدينا في هذا الموقف المركب أربعة أطراف وليس طرفين : الأول الشاعر (الذكر) الفعلي مبدع النص، موجّه الخطاب الذي صار " مستترا " في ساحة الحضور الفعلي الآن، والثاني المرأة العاشقة التي يوجّه الشاعر الخطاب العشقي " نيابة " عنها ولكن على لسانها، والثالث هو الرجل الذي تعشقه والذي سيكون " إسقاطا " للصورة التي يتمنى الشاعر أن يكون عليها في حالة كونه المعشوق المفترض، أما الرابع فهو الحضور الأنثوي الأنموذجي " المستتر " في ساحة النص والحاضر في ذاكرة الشاعر ووجدانه كي يقيس عليه فهو الطرف الذي اعتاد على أن يكون الشريك في التجربة الحبية المعلنة والمقبولة اجتماعيا عادة. وهذه عملية شديدة التعقيد تتطلب تماهيات واستدعاءات وتمثلات كبيرة على صعيدين : الأول هو كيف يتوفر الشاعر الرجل على مشاعر الأنثى العاشقة ويعرف خفاياها، والثاني هو كيف يحوّل الشاعر الرجل موضوع الخطاب من امرأة كما اعتاد نفسيا واجتماعيا حتى تطبع بذلك سلوكيا إلى رجل كما ستفرضه حيثيات الخطاب الشعري ليعود بعدها إلى نقطتي بداية : أن يرجع كموجه للخطاب من موقع المرأة إلى موقع الرجل، وكمستلم للخطاب من موقع الرجل إلى موقع المرأة. ولكن هناك حقيقة نفسية هامة يجب أن نضعها في أذهاننا وستزيد الأمر إرباكا وهي أن كل الشخصيات التي تتمظهر على خشبة النص هي من صنع الشاعر وتشكل جزءا من شخصيته شئنا أم أبينا، إذ من المفروغ منه، وسيبدو الأمر كاريكاتوريا ومضحكا، أننا لا يمكن أن نتصور أن هناك امرأة عاشقة تقف في الأمام وخلفها يقف شاعر يهمس في أذنها لتقول للرجل الذي تعشقه ويقف أمامها شعرا غزليا.. في واقع المشغل الشعري هناك الشاعر فقط.. مع أوراقه ولغته ومخزون خيالاته وبقايا التجربة العملية التي يريد تجسيدها، وهي – أي التجربة - هنا خطاب عشقي موجه من امرأة إلى رجل، ولا أحد معه يحضر ماديا أبدا.. أبدا. 
وبدءا، هناك نصوص مبكرة فيها ظاهرة " الغزل المعاكس ". فمثلا، في مجموعته " قصائد في زمن السبي والبكاء – 1970 " هناك ثلاث قصائد يستخدم يحيى فيها خطابا مصدره ضمير المتكلمة العاشقة هي : 
# " قال لي " ومنها : 
قال لي ثغري سكّر 
قال لي نهدي بيدر 
قال لي جيدي مرمر 
وصليب فوقه " عيسى " تسمّر – ص 65 
 # " امرأة " ومنها : 
متى..؟ 
متى حبيبي الطهور 
نفرح في منزلنا الصغير 
تمنحني بنتا كأمها 
وطفلا كأبيه صادق الشعور – ص 84 
# أما الثالثة فهي " أغلى رجل " وفيها يقول : 
أقبل عيناه على صدري 
تأكله... تأكل من زهري 
رجل في شارع حارتنا 
أذهلني.. أوغل في أمري 
يأخذني بين ذراعيه 
ويظل يشدّ عاى خصري – ص 97 
وتتوالى النصوص بعد ذلك في الناحيتين : الغزل المعاكس والتغزل بالأنثى بضمير المذكّر. ففي مجموعته " عيناك لي وطن ومنفى " لتي أهداها إلى رفيقة دربه " أم الشيماء " هناك العديد من النصوص في الجانبين، منها أولا، وحسب تسلسل النصوص في المجموعة، قصيدة " ظمأ " التي يستثير مطلعها تساؤلات هامة : 
رفع النقابَ وسلّما 
وبحاجبيه تكلما 
فلولا البيت الرابع الذي وضعنا " حال " المتكلم فيه " متيّما " أمام مصدر ذكوري لكان من الممكن القول أن المتكلم أنثى تتغزل بذكر. لكن هذا الإعتراض يتهاوى عند المدخل، فمن هو الرجل الذي يضع نقابا على وجهه في أواخر القرن العشرين حيث صدرت المجموعة سنة 1995 ؟! : 
ودنا فأغمض مقلتيه 
تغنّجا... وتبسّما 
فوجدتني بعبيره 
رغم انطفائي مُضرما 
وتعثرت شفتي بصوتي 
فانكفأت " متيّما " 
فهنا نجد صوتا رجوليا يتغزل برجل لكن الإحالة ستتفق مع أطروحة الناقدة القرني في أنه تغزل بالمحبوبة بضمير المذكر – الغائب هنا - : 
فتعثرت شفتي بصوتي 
فانكفأت متيّما 
لكنّما عيناي من 
شغفٍ تحولتا فما 
وحيث يعود المحبوب / المعشوقة ليحسم الأمر بوضع نقابه من جديد ممعنا في إهاجة نيران شوق العاشق وهيمانه به : 
فأعاد وضع نقابه 
كيدا وقال متمتما : 
صبرا على عطش الهوى 
إن كنت حقا مغرما 
فالماء أعذب ما يكون : 
إذا استبد بك الظما 
تأتي بعد ذلك قصيدة " يا بعيد الشرفات " (ص 45 – 49) والتي يقول فيها: 
يا خجول النظرات 
أنت أيقظت قناديلي 
وقد كنّ سبات 
لا تصدّ الوجه عنا 
نحن للحسن رواة 
يا كسول الخطوات 
هاتني منك رحيق الحب... هات 
زن باشذائك بستان قصيدي 
لك عندي حقل نعناع 
ونهرا صبوات 
وهنا سترتبك حسابات البيدر النقدي فلا تطابق حسابات حقله، فهنا خطاب واضح وصريح من مذكر لمذكر، ولا توجد اي قرينة (مثل قرينة القناع في النص السابق) تشي بالهوية الأنثوية للمحبوب المخاطَب، أي أننا لا نستطيع الإفتراض بأن الشاعر يوده خطابه إلى حبيبة (امرأة) من خلال ضمير المذكر (المُخاطب). هنا يكون الغزل ذكوريا بطرفين ذوي هويتين رجوليتين واضحتين. والشاعر يوسّع أبعاد حضور محبوبه بصورة تمنحه ملامح خارقة تعزّز سماته الذكورية في الوقت نفسه : 
يا رعاك الله 
ما ضرّك لو داعبت قيثاري 
عسى تنبض أوتارٌ موات 
سأسميك " الفرات " 
وأنا الواحة تمتد على ثغر فلاة 
كما أن الصفات التي يضفيها على ذاته في المهارات الغزلية تشي بروح رجولية مبادرة وفق سياقاتنا المتداولة : 
يا بخيل الكلمات 
كنت قد ضيّعتُ بالأمس لساني 
غير أن الحبّ قد علمني خمس لغات : 
لغة الأنمل والجفن، الفم، الخطو 
وبوح الغمزات 
فلماذا تكتم السرّ الذي يفضحه الشوق 
وهل تكتم عطرا زهرات ؟ 
إلى أن يعلن بلا لبس عن هويته كعاشق مذكر :
يا خجول النظرات 
جيدك المشمس منديل حرير 
فلماذا تمنع العاشق 
من تطريزه بالقبلات 
وسأقفز الآن قصيدتين هما : موشّح : يا صبا جدّة و أيها البدر العسيري لأن لهما سمات خاصة في مخاطبة موضوع الحب، وسأتناول قصيدة " يا ضاحك الشفتين " التي يستهلها الشاعر متغزلا بشفتي المحبوب : 
شفتانِ ؟ أم جرحا خزامى 
نزفا عبيرا وابتساما ؟ 
والنص من جديد رسالة مرسلها الشاعر / المذكر وموجهة إلى مستلم هو المعشوق / المذكر أيضا. لكن طبيعة موقف المرسل هنا تختلف عن النص السابق (يا بعيد الشرفات) فهي استقبالية سلبية بدرجة أكبر بكثير : 
يا ضاحك الشفتين قد 
أضحكت في حطبي الضراما 
ثغري يخصّهما السلام 
فهل تردّ له السلاما ؟ 
ضرّجت قلبي بالهيام 
وما عرفت له هُياما 
وبصورة عامة يكون الموقف الأنثوي في العلاقة الحبية والجنسية استقباليا (سلبيا)، ومحنة الأنثى الشاملة في حياتها النفسية أصلا تتمثل في محنة (الإختراق)، فالأنثى تُخترق في كل دورة شهرية، وفي كل مواقعة جنسية، وفي الحمل وفي الولادة. كما أن الطابع المركزي لصلة الأم بطفلها " رجلها – أول تجربة حبّ " هو الحنو الإستقبالي.. الإحتضان المعطاء ذو الروح التحملية الهائلة.. وكل ذلك يوصل إلى السمة المازوخية في الموقف الأنثوي الحبي. وقد تشي سيادة هذه الروح في خطاب هذه القصيدة بأن الطرف المرسل يحمل " روح " أنثى رغم أن الضمائر والأفعال المستخدمة وهوية الشاعر تشير إلى أنه ذكر : 
إني أضعت حدائقي 
وأضعت نهري والوئاما 
ونسيتُ – يا حلو – الكلام 
تعال علمني الكلاما 
واغرس على شفتيّ من 
شفتيك أزهار الخزامى 
ويتكرر هذا المنظور الإلتباسي ثانية في قصيدة " زرني خيالا عابرا " رغم أن هوية المخاطب الذكورية واضحة من عتبة العنوان. ومما يزيد من الإلتباس هو أن الضمائر التي تستخدم في اللغة العربية للمتكلم هي ضمائر مشتركة : فـ " أنا " تستخدم للمذكر والمؤنث، مثلمل هو الحال بالنسبة للـ (ياء). وبالتالي فقد نقطع شوطا طويلا من النص، وقد نكمله حتى النهاية دون أن تتضح معام مرسل الخطاب الشعري هل هو رجل أم امرأة. وهو ما حصل في النص السابق " يا ضاحك الشفتين " الذي هو خطاب من مذكر إلى مذكر، وقمنا باستشفاف سمات أنثوية عن شخصية المرسل من خلال الإيحاءات النفسية التي توحي بها الأفعال والاسماء والرموز من ناحية وطبيعة علاقاتها من ناحية اخرى. أي أن الأمر ليس كما تقول الناقدة القرني – متعاطفة بفعل موروثها الديني والروحي وتنشئتها الاجتماعية – خطاب لا تستسيغه لأن الشاعر يتغزل بحبيبته مستخدما ضمير المذكر، بل هو خطاب من مذكر إلى مذكر (خطاب مثلي وفق المصطلحات الطبنفسية). وفي هذه القصيدة يرتسم بعدا هذه العلاقة منذ البداية : 
يوم دخلتَ روضتي 
وددتُ أن أطيرا 
يا عاشقا يملؤني غرورا 
زُرني خيالا عابرا 
لعل خطوك الرشيق يورق الزهورا 
 لكن يمكننا استنادا على الأطروحة / الفرضية السابقة حول الطابع الاستقبالي (المازوخي) للطرف الأنثوي في العلاقة الحبية والجنسية، مضافا إليه المفردات المستخدمة الدالة على الإستقبال والخصب والنماء فإننا نستطيع تخمين هوية المُرسِل بدرجة مقبولة. فالمفردات التي يستخدمها الذكر تكون اختراقية مستقيمة تمزيقية مدببة وذات طبيعة مادية صلبة وذات متجه محدد، أما المفردات التي تستخدمها الأنثى تكون استقبالية دائرية احتوائية فضفاضة وذات طبيعة لدنة مرنة ومطواعة : 
ظامئة حديقتي 
فهل بعثت غيمك المطيرا ؟ 
زرني خيالا عابرا 
واغرس بأحداقي منك نظرة 
فللقاء شيّدوا الجسورا 
زرني 
تجدني غيمة تُمطرك العبيرا 
أتعبني الهجر يا مؤرّقي 
فصدّ عن حديقتي الهجيرا 
فهنا نلاحظ كلمات مثل : الحديقة والغيمة والعبير رموزا تستخدم في الأعم الأغلب للتعبير عن الأنوثة. في حين أن مفردات مثل : اغرس والجسور، وقبلها الخطو والدخول والمطر رمز تستخدم عادة لوصف الفعل الذكوري. ويجب أن نضع في أذهاننا أن هناك رموزا مزدوجة المعنى الأمر الذي يزيد من درجة الصعوبة التي نواجهها في تحديد الهوية بدقة من دزن وجود اسم الشاعر (معرفة هويته)، وهنا نلاحظ أهمية (اسم المؤلف) في توجيه مسارات إدراك الناقد فكيف يموت المؤلف ؟. ثم تتعزز طبيعة الهوية الأنثوية من خلال الأفعال العاطفية التي ترسخت في مداركنا كأفعال تقوم بها المرأة عادة (نمطيات السلوك الجنسي) : 
زرني خيالا عابرا 
وانثر على وجهكَ شعري خيمة حريرا 
جعلتُ هدبي لكَ يا مؤرّقي وسادة 
ومقلتي سريرا 
وساعديّ سورا 
لمن تدفّق الشذى من شفتي 
وازدحمت حديقتي زهورا ؟ 
(للحديث صلة طويلة)

الخميس، 9 يونيو 2011

يحيى السماوي في «بعيداً عني... قريباً منكِ» :


يحيى السماوي في «بعيداً عني... قريباً منكِ» :


بقلم: أنطوان القزي  












يحيى السماوي في «بعيداً عني... قريباً منكِ» :
غجريّ لا وطن له غير الفضاء


رئيس تحرير "التلغراف" الأسترالية
ترقص سفنُ ناظريَهِ في غفلةِ المراسي وينثرُ مدادُه الأبيضُ ريقاً لموجٍ عاشق، وترصف أبياته ادراجَ الغمام نسمةً نسمة لتهطلَ أمطارُ حبّهِ حنيناً يرفل أعناق الأقاح عقداً لأميرةٍ جديدة..
يحيى السماوي شاعرُ الغرباتِ الفاتنة، يزيّنُ سرابَ الهجير بأيقونة العشّاق، يسبر عطرَ الخمائل بباقاتِ نهداته ويرسمُها خريطة أجنحةٍ في عيني محبوبته.
«بعيداً عني.. قريباً منك» يختصر الأسماءَ في مآذنِ الضوءِ ترنيمة وباقة عبور، يسدلُ ضفائر النخلةِ ظلالاً لأريحيةٍ تسيّجُ يبابَ القلب برموشِ النراجس.
ليس شعراً يذريهِ السماوي في صحراء عمره، ليس محراباً يفتح للجنّةِ بابَ غلوائه، إنه ثغرُ القصيدة مذبوحاً على شفار القلب، وتفاحة السفح على وجنةِ الأسحار، إنه طبقُ الياقوت على صدر الحبيبة يغزل وشاحَ اللهفة على دروب العذارى . 
في ديوانه الجديد يسرج يحيى السماوي خيولَ الكلام، وعلى الأسنّة تمخر ملامحُه أسفارَ الأفق، وخلف سطوره يستريحُ الخَلق في لعبةِ الأكوان، مزهواً في حدائق العشّاق، يغرسُ تيجانَ الصبح أسواراً لأنثى تشقّ رداءَ الغسَق ولا تستأذنُ الدخول .
يعلن السماوي ولاءَه للروح، للمواجد الدافئة، لأغنية السومري الذي أطلقَ سهامَ الجدائل ظلالاً للعصافير، ويطلق الشاعر ابتسامته الرمضاء لفاتنةٍ بتول ترُود النيابيعَ عطراً من شالها القرمزي.
تلك هي قصورُهُ الاسطورية، يرتادها السماوي اميراً يبلسمُ الهزيعَ برجفةِ القناديل، ويفترش المساءاتِ مساحة للنوارسِ الولهى.. هناك تغفو الشفاه مختومة بالجرح الأحمر.. وهناك ترصف الضلوعُ جسورَ لهبٍ الى الجفون الحالمة.
أرجوحتهُ القمر تسدل ضفائرَ النجومِ وشائجَ شوق، وأرغنه المنذور على الصباحاتِ يفتح نوافذ العتابِ على أمسٍ هارب «لا يغويه صدرٌ نافرُ النهدين ولا سلاسة الساقين ولا غنجُ العينين».
يحيى السماوي يكحلُ الضياءَ بريشةٍ حُبلى تلبس ثوبَ الدلال، ترمق الشفَقَ بغمزةِ حوريةٍ عاشقة وترودُ الموجَ كما العاشقُ يرتادُ ليلَ الندامى.
شاعرٌ يخفقُ النجيعَ خمارة عذاب، ورغيفُ حبّه هائمٌ على بيادرِ العذابات، يغربلُ حبّاتَ قمحهِ خبزَ المواسم، وزؤانُ الوجعِ يُمسي نهاية نادل أطفأ المصابيحَ معلناً رحيلَ السكارى وقد غسلوا قلوبهم بنمير الفراتين.
يحيى السماوي، نورسٌ عراقي، هجعة الأطيار تفيءُ الى أجفان قريحته، هناك يرمي الجسد المبلول ذاته فراشة ترفعُ رذاذَ دجلة الى سماءِ السماوة، وتغرف من ريقِ بغداد نيازكَ تشقُّ الأديم ليولدَ عراقهُ الجديد من عينيّ حبيبةٍ عاشت على جمرِ الانتظار ومن همسِ فاتنةٍ تستمطرُ الكواكبَ درباً الى قلب الشاعر .
«بعيداً عني... قريباً منكِ» وليس اقربُ الى الشاعر من خيمة تُطوى على أرض الرافدين وليس أبعدُ من غجريّ لا وطن له غير الفضاء.

الأحد، 5 يونيو 2011

رسالة دكتوراه عن الموتيف في شعر يحيى السماوي


أطروحة الدكتوراه 




وافقت رئاسة القسم العربي في جامعة الفردوسي في مدينة مشهد بإيران على موضوع أطروحة الدكتوراه في النقد الأدبي للأديب الأستاذ رسول بلاوي وعنوانها ( توظيف الموتيف في شعر يحيى السماوي ) بإشراف الأستاذة الدكتورة مرضية آباد والأستاذين المساعدين الدكتور عباس طالب زاده والدكتور عباس عرب .




الجدير ذكره أن جامعة الفردوسي تعد من أكبر الجامعات الحكومية في ايران . 

الجمعة، 3 يونيو 2011

السماوي وأناشيد سماوية / صالح الطائي


السماوي وأناشيد سماوية / صالح الطائي 


صالح الطائـــي    
بين بساطة وصغر حجم (عيناك دنيا) 1971 وفخامة (بعيدا عني قريبا منك) 2011 تمتد أربعون قمة من وجع وحنين وشوق دفين ولوعة عطرها من شذى الياسمين، 
وفي البال شريط ذكريات شاخت أصولها في أعماق النفس كما هي نفوسنا شاخت ونزعت عن هودجها نزق الشباب الجميل. وأورقت فروعها اليانعة في كل الأيام والأشهر والسنين تستفز شوقا للقاء، لتذكرنا بنهارات لا يعيدها التمني، ولذا لن يسمع بما فعله المشيب.
كلما يعدني السماوي بزيارة، أجلس مجترا هذا الشريط ، لحظة بلحظة، ثم تصيبني قشعريرة من خوف كبير، هل أن صورته لا زالت كما كانت بالأمس حينما تقدم نحوي  ممسكا بيد خجولة ديوانه الصغير (عيناك دنيا) ليقدمه لي كأول هدية قيمة أستلمها من كاتب؟ وكأول كتاب تلضى بنار الأسف والحسرة التي أججها الخوف فاستعرت وأكلت كل ما هو جميل من كتبي لكي لا تقع بيد المجرمين وتصبح دليل إدانة عند قوم همج رعاع؟
وكلما أقرأ جديدا للسماوي، أجلس معيدا شريط ذكريات العمر، أقارن ما علق منها في البال ولم تمحه عاديات الزمن، أقارن بين بساطة كلمات (عيناك دنيا) 
(أيا أبناء السماوة إن نفسي            تؤمل فيكم الأمل الكبيرا)
وبين فخامة وجزالة وحكمة وصوفية كلمات كبرت مع المعاناة التي عاشها السماوي، فأجد كلمات ليست مثل الكلمات، كلمات نحتت من الماس وعيدان الأبنوس والساج، وبلاطات الحضارة القديمة، وحجارة الزقورة، ومسلة حمورابي، وأزاهير الربيع، وهديل الحمام وتغريد العصافير، وكل دواوين العشق العربي، وأغاني الصوفيين وتهجدات الحكماء وتبتل الدعاة، وضحكات الأطفال، وبكاء الثكالى، وتنهدات العشاق، ونظمت مسبحة بخيوط من جدائل العمر وآهات السنين، ووجع نفس باحثة عن الحقيقة في دنيا تشغلها التفاهة والتيه والغرور والسذاجة والمصلحية. فآمنت أن للتغريد خارج السرب منافع لا يدركها إلا الحكماء، وعرفت أن اللغة تتطور وتنمو كما هو الإنسان، الفرق الوحيد أن هناك من تنمو لغته وثقافته بشكل سليم متطور متناسق بهي تساوقا مع نمو ثقافته ومعارفه، كما هي لدى السماوي، لينتقل من الخطاب المباشر في (عيناك دنيا) إلى دنيا أخرى 
أعرف فصل الصيف في مدينتي
من الندى الناضح من ريحان جيدها
ومن قميصها الرقيق
وأعرف الشتاء من وشاحها المخمل
والربيع من رسب الفراشات
تحوم حول ثغرها المخضل بالرحيق
لقد حاولت أن أبقى في أفياء ديوان السماوي الذي بين يدي ولا أفتح جرح الذكريات القديمة المتجددة تماما كما قال  
لا تفتحي بوابة الأمس
أغلقيها واختمي بالشمع نافذة العتاب
ولكني وجدتني مدفوعا بشوق الأربعين، وبآهات السنين لأحلم ولو حلم عصفور
فما الذي يطلبه العصفور
من مملكة البستان
غير النبع
والعنقود والبيدر
لأقول للسماوي الذي صلى للمرة الثالثة بلا وضوء (*) : وما الذي نطلبه نحن الذين تسحرنا الكلمات من ساحر الكلمات غير أحاديث أحلى من بستان وأعذب من فرات وأشهى من عناقيد الكرمة، ومن قبلة غادة، فما أحلى الغواية في دنيا أشعارك! وما أعذب الذوبان في بحور حكمتك وبهاء صورك. 
لقد شدني محتوى الديوان الجديد، وأعادني إلى أيام المستنصرية وبداية سبعينات القرن الماضي، أعادني أربعين عاما إلى الوراء لأتذكر سويعات قضيتها مع السماوي قبل أربعين عاما، فوجدت السماوي في أحشاء القلب، طودا شاخا لا يدانى، فهل بعد هذا لعاقل أن يصدق قوله:
أنا يا سيدتي ما زلت
في رحم "التي ليست تسمى"
نطفة تأمل أن يحضنها
صدر وبيت
  
 ................................ 
(*) منذ سنتين والسماوي يعدني بزيارة، حتى أنه قال في إحدى المرات: أنه إذا زار العراق ولم يزرني سيكون كمن يصلي من غير وضوء، ولكن الظروف القاهرة، وظروفه الصحية بالذات، كانت تحول بيننا في كل مرة، وكأنها تريد لمعاناتنا أنْ تستمر إلى الأبد، وكأنها لا تدري أن ليس في العمر بقية!  

الأربعاء، 1 يونيو 2011

سماويّات : ( الحلقة 12 ) : رؤيا السماوي في الحقيقة الشعرية



سماويّات : ( الحلقة 12 ) : رؤيا السماوي في الحقيقة الشعرية
حسين سرمك حسن


31/05/2011
قراءات: 50(بحث في نقد النقد)  


الوصول إلى الثمالة الدلالية 
وقد وصف الشاعر حبيبته في هذه القصيدة بـ " صوفية النيران " ، ومن عادة يحيى - كما قلت في أكثر من موضع - أن يشبع الثيمة الواحدة : صورة أو وصفا أو فكرة تقليبا ، ويعتصرها حتى ثمالتها الدلالية والجمالية ، فنجده يعود ليبدع قصيدة جديدة عنوانها " صوفية النيران " لن نقف عندها تحليليا طويلا وسنكتفي بإشارات سريعة عنها . فهو يسير على استراتيجيته نفسها - وهذه من سماته الأسلوبية المركزية - في خلط ما هو مقدس بما هو مدنس .. ما هو " سماوي " بما هو أرضي .. ما هو متعالي بما هو يومي تفح له وتلوثه الغريزة . وهو يبدأ أيضا بحماسة حبية فائقة لا يتورع فيها عن كشف " آثامه " العشقية : 
يـامُـنـقـذي مـني : أمِـثـلي جَـبـانْ 
  
تـُؤسِـرُهُ بـ" غـمـزة ٍ " مُـقـلـتـانْ ؟
تـرمي بـهِ على رصيـف الهـوى
مُـضـرَّجـا ً بـعِـشـقـه ِ شـامَــتـان
  فـأيـن َ زعْـمـي أنـني صـخـرة 
عَـصِـيَّـة ٌ على فـتون ِ الحِـسـانْ ؟
صوفـيّـة َ الـنيـران ِ لا تُطـفِـئـي
نـارَك حـتى يطهـرَ الأصغــرانْ
قـارَبْـتُ " ستيـنـا ً " ولـمّـا أزل
طـفـلا ً له ُ بـنـاهـديـك ِ افـتِـتـانْ 
وبعد أن يشبع من اللعب " الطفلي " ، والإبداع هو لعب مميت كما يقول " شللر " ، خالطا ماء القداسة بتراب الدناسة ، ليصنع عجينة عجيبة :
    عـيـنـاك ِ مـحـرابٌ وخَـمّــارة ٌ  
شـرقِـيّـة ٌ سُـقـاتـُها جمعُ جـانْ
وجدتُ نفـسـي ضائِـعـا ً فيهما
أسـكــرُ آنــا ..ً وأصـلـي بـِـآنْ
كـيف التقينا ؟ أين َ يا حـلـوتي؟
ضعتُ أنا وضاع حتى المكانْ !


.. ويستعرض سيرته العشقية والحياتية المنفلتة التي تقوم على مبدا اللذة .. أن يكرع من نهر اللذة حدّ التخمة المازوخية : 
فــرَّ فـمي مـني إلــى حرفها
فـراشـة ً هـوَتْ عـلى شَمْعَـدانْ
واجـتمعَ الضِـدّان ِ : صـوفِـيّـة 
ومـاجـِنٌ مـا قــامَ وقــتَ الأذانْ
ويـسـتحي مـن يومِـه ِ لـو غـفـا
فـردا ً بـلا نـديـمــة ٍ أو غَـوان
وكـان لا يُــؤمِــنُ أنَّ الـهــوى
يُـمكـنُ أنْ يـفـتحَ بـابَ الجِـنـانْ
  بعد كل ذلك يأتي ليعلن توبته النصوح .. توبة لا رجعة عنها .. والغريب أننا باركها رغم أنها لم تتم على يد ولي أو رجل دين أو تجل روحي أو لحظة ألق صوفي .. بل على يدي امرأة ملتهبة العواطف طهّرته بعشقها : جسدا وروحا : 
صوفيّـة َ النيـران ِتـابَ الـفـتى
ماعادَ يُـغـويـه الطلا والـدِّنـانْ
أبـدَلــت ِ مِـحـرابـا ً بـحـانـاتـه ِ
وبالكؤوسِ التيـن َ والزُعْـفـرانْ
تَــنــسَّــكَـتْ حـتـى ربــابــاتـُـه ُ
زهـدا ً وصلى عـودُهُ والـكـمانْ
إذا ســرى فـالـنـخــلُ قـنـديـلــه ُ
وإنْ غــفــا فـحُـلـمُـهُ الـرافـدانْ 
  
  
  
  
  
  
  
  
عودة إلى سادن الوجع العاشق 
-------------------------------
 وقبل أن ننتقل إلى معضلة نقد نقدية أخرى ينبغي أن نمعن النظر في خاتمة هذه القصيدة " سادن الوجع الجليل " أو حركتها الرابعة والأخيرة ، فهي عودة من الشاعر إلى مصيبة وطنه يفتتحها بالإعتذار لأبناء وطنه في دار دجلة إعتذارا مزدوجا ومضاعفا : فمن جانب هو يعتذر لأنه ترك أرضه الطاهرة لينتبذ في المنافي ، ومن جانب ثان فهو - وهذا الأكثر إثارة للوجع والندم - يعتذر لأن لا أمل له في العودة رغم أنه ليس مسؤولا عن مشاكسة طريق الإياب لقدميه العاشقتين ذاك التراب الطهور : 
أصحابنا في دار دجلة عذركم 
إن غرّبت قدماي يا أصحابي 
جفّت ينابيع الوئام وأصحرت 
بدء الربيع حدائق اللبلابِ 
أحبابنا .. واستوحشت أجفانها 
مقلي وشاكسني طريق أيابي 
أحبابنا عزّ اللقاء وآذنت 
شمسي قبيل شروقها بغيابِ 
أحبابنا في الدجلتين تعطّلت 
أعيادنا من بعدكم أحبابي  
ويهمني هنا استعادة بعض آراء النقاد حول فهم الشاعر لموضوعة الحب وحدود إنهمامه بمكوني موضوع حبه : روحه وجسده ، وفي درجة انصهار التيارين النفسيين السلوكيين المعبرين عن هذين المكونين : تيار المحبة وتيار الشهوة ، ومنها مثلا لا حصرا :                  ( تمثل الدعوة بـ " قصّ لي " هزة الإيقاظ التي تشد الشاعر من انزوائه المنكسر إلى مواجهة ذاكرته المثخنة التي كان يفرّ منها ، وهنا نلحظ في " قصّه " ميله للتهويم الكلي ، لا تلك التباريح المفصلّة التي كانت تفيض بها غزلياته المشرقية ، ففي سبعة أبيات وحسب يحدد من هو : ماض فتي مستلب الألق ، وكهولة منكفئة تستدني الحياة في انتفاضات شغبها ، ثم .. بهذا يلبي بعد حصارها الضاج : 
ساعة مرّت .. وأخرى وأنا   
 ألثم الورد وأحسو الشهبا 
لا يمارس مثل هذا القفز أو التقافز بمواجهة موقف شبيه إلا من هو هارب متخفف حتى من ظلّه : من طال به أمد النضال ، وتشعبت به سبل التخيير والحكي والتبرير ، فلم يغنم سوى الخيبة ، ولم يظفر بغير الإنكسار ؛ هي ممارسة قسرية ترتهن لها الكثير من التجارب الإبداعية لشعراء المنفى ... فهم أسرى ذاكرة موجوعة متخمة بالفجائع .. يستغرق برؤها عقودا من الزمن لو تغيرت الحال إلى النقيض الأحسن ، فكيف بها ولا تلويح إلا لمزيد من الخذلان والتردي ؟! . 
إن قدرة الشاعر في مهجره المشرقي على مراوغة الذاكرة في النصوص الغزلية ، أو لنقل : تحقيق التوازن بين سلطة الذاكرة والنزوع إلى الحلم بحيث وُجّهت أو استثمر مخزونها في خدمة الخيال حتى كدنا ننسى - بموازاة جذل التصوير في بعض النصوص - عظم مصيبة الشاعر / العراق ، وعمق ألمه - القرني / ص 202 و 203 ) . 
وهذه القصيدة : " سادن الوجع الجليل " ، هو النص الدامغ الذي يكشف موازنة الشاعر بين سلطة الذاكرة والنزوع إلى الحلم .. وحيث انعدام التهويم الكلي .. والتقاط الذكريات المريرة التفصيلية .. وحيث الإنتقال من المحنة الشخصية إلى الإلتحام الحبّي الشهوي العاصف ، ثم عودة الشاعر الواقعية وليس الذاكراتية إلى واقع وطنه الممزق شرّ ممزق برماح الطائفية والفساد والقتل المخطّط وقطع الرؤوس وتزييف الدين الشريف والركوع للأجنبي : 
أحبابنا في الدجلتين تعطلت 
أعيادنا من بعدكم أحبابي 
ندعو ونجهل أن جُلّ دعائنا 
منذ احترفنا الحقد غير مجاب 
نخر الوباء الطائفي عظامنا 
واستفحل الطاعون بالأرباب 
عشنا بديجور فلما أشمست 
كشف الضحى عن قاتل ومرابي 
ومسبّحين تكاد حين دخولهم 
تشكو الإله حجارة المحراب 
ومخنّثين يرون دكّ مآذن 
مجداً .. وأن النصر قطع رقاب 
واللاعقين يد الدخيل تضرّعا 
لنعيم كرسيّ بدار خرابِ 
جيفٌ - وإن عافت عفونة لحمها - 
أضراس ذئبان وناب كلاب 
وطن الفجيعة والشقاء ألا كفى 
صبرا على الدُخلاء والأذنابِ 
  
  
  
  
  
  
  
الحقيقة الشعرية .. رؤيا السماوي : تطبيقان
-------------------------------------------- 
 إن سؤال الحقيقة الشعرية هو في جوهره سؤال الرؤيا ، السؤال الحاسم الذي يضع الإطار الفكري والمعرفي لنظرة الشاعر إلى الجدوى من الشعر .. إلى دوره في الحياة والوجود .. والأهم إلى طبيعة صلته بالواقع الموضوعي الذي يعيش فيه الشاعر . هل الشاعر " ينسخ " الواقع ؟ هل يحاكيه ؟ هل يسبقه ويخلق واقعا آخر متقدما عليه ؟ أم يوازيه ؟ وهذه الأسئلة يجب أن يحاول أي ناقد جاهدا أن يتشارك في طرحها والإجابة عليها أي تاقد يتصدى لعملية نقد الشعر عموما ، ونقد شاعر محدد خصوصا ؟ يجب أن يعرف اسس رؤياه إلى الوجود والكون والحياة .. إلى حقائق الواقع . وأقول " يحاول " لأن الحقيقة الشعرية هي حقيقة فردية دائما .. هي الحقيقة التي يدركها الشاعر المعني وحده وحين يفصح عنها يحاول القاريء الإمساك بجوانب من حدودها بمعونة الناقد . الحقيقة الشعرية حقيقة فردية وفي هذا فارقها الجذري عن الحقيقة الموضوعية التي نتشارك بها جميعا حد أن تصيبها بلادة الإتفاق وشحوب العادة . والشاعر ليس معنيا بأي اتفاق على الحقائق .. الحقيقة الوحيدة بالنسبة له هي تلك التي لا اتفاق عليها .. وبذلك فهي الحقيقة التي لم تُكتشف حتى الآن . هي الحقيقة التي تهضمها دودة الحرير بهدوء وصبر لتنتجها خيوطا من ذهب ورؤى وتحولات . ولعل أبلغ تعبير عن فعل الشاعر في تشكيل " حقيقته " التي تتناقض مع حقائق الواقع هو ما يمكن أن نسمّيه " بيان أبي نواس " حول أسس حداثته الشعرية : 
غير أني قائل ما أتاني 
من ظنوني ، مكذّب للعيانِ 
آخذٌ نفسي بتأليف شيءٍ 
واحد اللفظ شتى المعاني 
قائم في الوهمِ ، حتى إذا ما 
رُمتُهُ ، رمتُ مُعمى المكانِ 
فكأني تابعٌ حسن شيء 
من أمامي ليس بالمُستبان 
وليس شرطاً أن يصوغ الشاعر بيانا يحدد فيه رؤاه الوجودية والكونية التي يقوم عليها مشروعه .. المهم أن يدركها حقّا ويجسدها نصّا ، فالسياب ثوّر القصيدة العربية ولم يكن في باله أن يصدر كتابا منهجيا يحدد تفصيلات مشروعه قبل أن يشرع فيه . فوق ذلك كان السياب لا يمتلك الإمكانات المعرفية والفلسفية كي يوصّف ضرورات مشروعه . لكننا نمسك بخيوط رؤيا الشاعر في نصوصه التي يكتبها حين تتململ في روحه الحاجة الأصيلة والضاغطة المرتبطة بمشاعر ملتبسة أو ملغزة عن قدرته الخالقة .. عن صلته بحقائق الوجود والحياة .. عن نظرته إلى الزمان .. والموت .. واللامرئي حيث فيه ، في اللامرئي ، تكمن الحقيقة التي لا نراها .. الحقيقة الأخّاذة التي يتبعها ابو نواس وتكاد لا تستبين له هو نفسه . في قصيدة " سوط ووتر " ( ديوان " هذه خيمتي فأين الوطن ؟ / ص 59 - 62 ) تتحقق منذ عتبة العنوان مجانسة غريبة بين أداتين قد تتشابهان شكليا ولكنهما تتناقضان إجرائيا ، في حين أن الشاعر يرى أنهما " يعزفان " : الأول بوحشية على أجساد الضحايا ، والثاني بضراوة على قلب الوجود المكلوم . ومن عتبة العنوان ، وعبر تجليات المعاني المتقابلة للأداتين ، التجليات التي يدركها الشاعر وحده فيعيننا على إدراكها في ذواتنا بفرك الصدا عنها ، نسير وفق مسارين متناقضين لكن متصاهرين ومتشابكين ، في الشعر / في فضاء الحقيقة الشعرية / وهي نتاج قوى اللاشعور الخلاقة تتعايش المتناقضات ويغني بعضها بعضا رغم تصارعها : 
لستُ معنيا بتفسير الصدى 
والتباريح التي شدّت فم الورد 
إلى كأس الندى   
وهذا هو مسار " وتر " الحياة .. والشاعر لا يشغله تفسير " الآليات " التي تجعل الأشياء تنجذب إلى بعضها .. إنها تنجذب .. هكذا وكفى .. لكن ما " يراه " هو ولا " نراه " نحن " موجودات هي في " ظنونه " هو حسب : فم الورد .. وكأس الندى ، وكلاهما موجودان وغير موجودين من جانب ، و " علاقات " هذه الموجودات التي يدركها هو أيضا من جانب ثان .. و " نتائج " هذه العلاقات من جانب ثالث :  
لستُ معنيا إذا كان الردى 
سيجيء اليوم 
أو يطرق أبوابي غدا 
وهذا هو مسار " سوط " الموت .. سوط الفناء الذي لا يرحم ، والذي يجعلنا جميعا جبناء مثل الضمير كما يقول " هملت " . والشاعر لا يشغله - وليس لا يهمه - أن يقف المثكل على بابه اليوم أو غدا .. فكلّ عمله هو أن يؤسس لامتداد خلودي لا يقهر في مسار الزمان .. امتداد أبدي تتوهج فيه أصداء وتباريح وتر الإلتحام المشدود بين فم الوردة وكأس الندى .. ووتر الحياة المشدود هذا هو في رعشته الظل الذي يخفي في أحشائه تقلصات سوط الفناء الذي يلوح به المثكل .. إنهما متوحدان في الحقيقة رغم تناقضهما الظاهر .. هذا ما " يعرفه " الشاعر وما يجمعه في الصورة التالية بصورة خلّاقة : 
لستُ معنيا : 
أيشكو تعبَ الغربةِ 
أم كان يناجي 
حقله الضاحكً 
عصفور شدا ؟  
فالشاعر معني بـ " الحالة " التي تستقبلها " ظنونه " هو .. أن يكون القمر من ضوء أو من حجارة صمّاء هذا شغل العلماء والبشر الآخرين .. لكن ما تستقبله " حالته " النفسية الفردية في " اللحظة المعطاة " من " رسائل " من القمر هو الأساس .. فمنذ الستينات والبشر قد قطعوا الأمر وتأكدوا أن القمر الذي تغزلّوا به آلاف السنين هو حجارة وتراب .. وقد سحق رواد الفضاء    جبهته الكريمة بأحذيتهم الثقيلة .. لكن وفاء الشعراء العظيم له لم ينقطع لحظة .. بل يزداد عزمهم على الإنتصار له يوما بعد آخر .. وما معنى أن يكتشف العلماء حقائق مضافة كل يوم عن ظواهر الطبيعة وسلوكات مكوناتها .. وعن الطبيعة التشريحية المادية لأعضاء الجسد ؟! .. إنهم لم يستطيعوا خلع الصفة الشاعرية عن " القلب " رغم انهم أثبتوا أن " العقل " هو الذي يحب و " يشعر " لا القلب : 
لستُ معنيا 
بأسرار الهوى 
بين الفراشات وأفواف الزهر 
والندى يستبق الشمس 
لكي يلثم أوراق الشجر 
يقول كازنتزاكي :                                                                                             ( تذكرت ناسكا التقيت به ذات يوم على جبل آتوس . كان يمسك بورقة حور يعرضها للنور ويتطلع إليها ، والدموع تنهمر من عينيه .                                           
توقفت عنده مندهشا وسألته : ما الذي تراه في هذه الورقة يا أبانا المحترم بحيث يجعلك تبكي ؟ أجابني : " أرى المسيح مصلوبا " . ثم قلب الورقة وقد أشرق وجهه غبطة . وسألته هذه المرة : وما الذي تراه الآن فيجعلك سعيدا ؟ 
•-         أرى المسيح مبعوثا يا بني . 
لو أن المبدع يستطيع  بالطريقة ذاتها أن يرى آلامه وآماله كلها حتى في أحط التفصيلات من العالم ، في حشرة أو صدفة أو قطرة ماء ، وليس فقط أن يرى آلامه وآماله هو ؛ بل أن يرى آمال الكون كله وآلامه . لو أنه فقط يستطيع أن يرى الإنسان مصلوبا والإنسان مبعوثا في كل خفقة قلب . وأن يحس بأن النمال والنجوم والأشباح والأفكار تخرج كلها من الأم ذاتها ، مثلما نخرج نحن ، وبأننا نقاسي كلنا ونأمل أن يأتي اليوم الذي ستتفتح فيه عيوننا فنرى أننا كلنا واحد - ونصل إلى الخلاص - تقرير إلى غريكو / ص 272 و 273 ) . 
وهذا هو واجب الشاعر ومهمته .. فهو ليس معنيا بـ " البحث " في الأسباب وعنها ، هذا شغل العالم الذي يريد ربط الأسباب بالنتائج أيضا .. مهمة الشاعر أن يصوّر الظواهر التي ألفناها بصورة تعطيها معان جديدة وأبعاد أكثر ثراء .. فالصلة بين الفراشات وأفواف الزهر نلاحظها كل يوم .. لكن منحها قيمة جديدة تشعرنا بنغمة جديدة لهذا الوتر يمدنا بالعزم في مواجهة سوط الفناء .. جعل هذا الوتر البسيط جزءا من الإطار الكلي لحياتنا ولفت انتباهتنا إليه محملا بقيمة فريدة جديدة هو مهمة الشاعر . وكل صباح تسبق قطرات الندى اذرع الشمس لتعانق خدود أوراق الشجر وترطبها .. هي ظاهرة طبيعية رتيبة ومكررة حد تبلّد حواسنا تجاهها . كل هذا يعلن الشاعر أنه " ليس معنيا " به في حركة توكيدية مضاعفة يعقبها تفسير لموقفه هذا : 
لستُ معنيا 
فإن الأرض إذ تعطش 
لا تسألُ عن عمر الينابيع 
وعن أصل المطر      
هذا الجوع للجمال .. وهذا التوق للإلتحام بمظاهر الطبيعة مثل انشداد فم الورد لكاس الندى .. أطروحة الحاجة وطباق الإشباع - مستعيرين أسس الجدل الهيغلي - بغض النظر عن العلل والمعلولات للوصول إلى " تركيب " كلي .. حقيقة شعرية جديدة تتعشق فيها ارتعاشات وتر الحياة بتقلصات سوط الفناء هو ما ينهم به الشاعر غير معني بـ " الأصول " التي قد تكون مخادعة ، ومظاهر القبح والجمال .. الموت والحياة .. في واقع " الحقيقة الشعرية " قد تتناقض مع اصولها .. و .. ربّما : 
ربّما كان غزالا سوط جلّادي 
وذئبا كاسرا كان الوتر 
فالحقيقة الشعرية هي الحقيقة الوحيدة التي تتآلف فيها المتناقضات كما قلنا .. تتفاعل وتتصاهر ويعزز كل منها الىخر .. الشاعر ذاته هو معقد لاجتماع المتناقضات وتصارعها : 
( تجرحه الوردة أحيانا 
وحينا 
يجرح السكين والحجرْ - ديوان " هذه خيمتي فأين الوطن ؟ - مقطوعة " الشاعر " من قصيدة " أربع قصائد " / ص 197 ) . 
ويعرف بعض المختصين الصحة النفسية بأنها قدرة الإنسان على التأرجح بين الشك واليقين وصولا إلى القناعة اليقينية النهائية . وبطبيعة الحال فإن الإنسان السوي لا يمكن أن يستمر متأرحجا طول سني حياته بين الشك واليقين للوصول إلى الحقيقة الموضوعية . عليه أن يستقر اخيرا ليضمن افضل درجة من التكيّف مع متغيرات الحياة وصولا إلى افضل إنتاجية واقصى عطاء . هذا بخلاف الشاعر الذي عليه أن يمضي حياته متأرجحا وبقسوة بين طرفي الشك واليقين لأن وصوله إلى الحقيقة الستاتيكية النهائية يدمّر مشروعه .. فالحقيقة الشعرية غير ثابتة ومتغيرة كما أنها غير يقينية . الحقائق اليقينية هي الحقائق العلمية والدينية . وحتى الأولى قابلة للتغيير والمراجعة ، إلا أن الثانية ثابتة ونهائية ومطلقة لأنها تصدر عن مطلق في حين أن مطلق الشعر يصدر عن نسبي ، وعليه فحقائقه نسبية وغير نهائية . وهذا ينعكس على سلوك الشاعر الشعري .. فهو لا يمكن ان يرتوي من منهل الحياة حد الإشباع أبدا .. مثلما لا يرتوي من موارد العادة التي ألفتها الناس . وفي كثير من الأحوال يسقي جذور غابة إبداعه من ينابيع روحه : 
يظمأ بين النبع والنهر 
وتحت خيمة المطر 
وربّما يحلب ضرع جفنه 
فترتوي جذوره 
ويضحك الوتر 
في عالمه الشعري .. وتحديدا في لحظة الخلق الباهرة هو تركيبة عجيبة .. فقد تتسع عوالمه لتحلّق في آفاق السماولت القصيّة ، قد يصبح كونا قائما بذاته .. قد يصير عالما يستوعب كل ما يحيط به من موجودات وبشر .. وقد - ويا للغرابة - يكون مستعدا للإنفعال بأبسط الأشياء حدّ الإلتحام بها لتتضاءل حدود وجوده وتلتم على بعضها مثل ذرة رمل صغيرة أو حبة أرز أو ورقة شجرة : 
تُغرقه قطرة حبر 
أو رذاذ الدمع بين الجفن والأحداق 
ضاقت به الارض 
وضاقت من مرايا حلمه الآفاق 
لكنه 
يتوه بين أسطر الأوراق         
( للحديث صلة ويلة )
  حسين سرمك حسن